كيف تتجاوزين اكتئاب ما بعد الولادة؟

ما بعد الولادة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تُذكر الأمومة غالباً بروعتها؛ لكن سلمى ذات الـ 24 عاماً لم تشعر بهذه الروعة، فهي لم تستطع أن تشعر بالارتباط بطفلتها منذ ولادتها وهذا ما أثار في نفسها قلقاً كبيراً. ولا يزال اكتئاب ما بعد الولادة من المواضيع المحظورة، لكنها أعلمتنا أنها تمكنت من تجاوز مشكلتها، فقد تحسنت حالتها وأصبحت تحب طفلتها.
“لم أحلم يوماً بإنجاب طفل؛ لكن بعد 5 سنوات من زواجي رغبت أنا وزوجي بإنجاب طفل ليكون ثمرة حبنا، وكم أحببت فترة حملي. والغريب أننا قلّما نخطط “للفترة التي تلي الحمل” أثناء الحمل، فكل ما كنا نسمعه عن تلك الفترة هو: “ستريان كم ستكون فترةً ملؤها السعادة” لذا لم نفكر بأنها قد لا تكون كذلك. فمثلاً لم أسمع قط عن اكتئاب ما بعد الولادة مع أنني ممرضة وعملت في قسم خدمات الأمراض النسائية لكن لم يطلعني أحد عليه.

قد يهمك:

أول الهواجس التي تلاحق الأم بعد ولادتها

بعد ولادتي لم أشعر بغريزة الأمومة التي سمعت عنها كثيراً بل شعرت بالخوف؛ اجتاحتني موجة من الشكوك ومشاعر الندم وأحسست أن إنجاب ابنتي كان خاطئاً. اعتقدت حينها أن بي خطباً ما وأنني لست طبيعيةً أو ربما أنتمي لفئة شديدة الندرة من النساء اللواتي لم يُخلقن ليكُنَّ أمهات. كنت متشوقةً لأعيش إحساس الأمومة لكنني في النهاية لم أشعر به. شككت في قدرتي على أن أؤدي دور الأم

وتصورت أن كل هذا يرجع إلى افتقادي لإحساسي بالارتباط بطفلتي، لافتقادي لمشاعر الحب لها فور ولادتها. لذا راهنت كثيراً أن هذا سيتغير عندما أعود إلى المنزل؛ إذ ظننت أنني سأستعيد توازني وأتأقلم وسيكون كل شيء على ما يرام. لكنني أخطأت الظن وكانت الأمور في الواقع أسوأ، فقد زاد خوفي أكثر فأكثر من ابنتي. عندما كانت تبكي لم يكن لدي أي فكرة على الإطلاق ماذا أفعل لتهدئتها، وكان إحساسي بالذنب بالغاً وقد زادت شدته لدرجة أنني دخلت في حالة يقظة الأمومة المفرطة؛ كنت دائماً أراقب كل حركة لطفلتي.

في معظم الأحيان كنت أنا وشريكي نطمئن بعضنا بإقناع أنفسنا أنه أمر طبيعي فقد استقبلنا لتونا إنساناً جديداً في حياتنا، وأن ما نمر به هو مجرد تغيير جذري لا أكثر، على حين أنه كان في الواقع نذيراً لأمر مروّع على وشك الحدوث. نحن لم ننجب أطفالاً لنصبح بهذه الحال وإنما لنضاعف السعادة التي كنا نعيشها؛ لكن ما حدث أن حالي أنا وزوجي انقلبت رأساً على عقب ونظرنا إلى بعضنا وقلنا: لماذا نعجز عن فعل ذلك؟

اقرأ أيضا:

“بدأت الأفكار السوداوية تراودني”

كنت أحاول في تلك الفترة البقاء على قيد الحياة فقط؛ بالكاد كنت أتناول الطعام ولم أذق طعم النوم. أتذكر أن وزني نقص ليصبح 42 كغ بعد 15 يوماً من ولادتي. كانت حالتي النفسية انعكاساً لحالتي الجسدية وبالعكس؛ كنت عالقةً في حلقة مفرغة أخذت تتسع وأنا أضيع فيها أكثر فأكثر. قلت لنفسي أن حياتي لا يمكن أن تستمر على هذه الحال، وأن عجزي عن تكوين رابطة بيني وبين طفلتي جعلني غير قادرة على تأدية دور الأم لها. بعد ثلاثة أسابيع من ولادتها رأيت أنه “لا مخرج من هذه الحال إلا بإنهائها” ثم بدأت تراودني أفكار سوداوية.

لم يُرِد زوجي أن يتركني وحيدةً في المنزل فطلب من والدتي وحماتي أن تأتيا لتدعماني نفسياً. لاحظت أمي سوء حالي فقالت لي: “سأصطحبك لزيارة طبيب؛ إذ لا يمكنني البقاء مكتوفة الأيدي وأنت تخبرينني بالرغبات الانتحارية التي تراودك”. لذلك ذهبت لزيارة الطبيب الذي وصف لي أدويةً مضادةً للاكتئاب كانت العامل الذي أنقذ حياتي. شعرت فعلاً أنني كنت أتعامل مع محترف يفهمني، وكان أول من ذكر اسم الحالة التي أمر بها: اكتئاب ما بعد الولادة.

تحدثت عنه باختصار لعائلتي ومن حولي لأنني أردت سماع أقوال غير التي سمعتها وكنت بحاجة إلى إجابات. كنت بحاجة إلى أن يقول لي أحدهم: “نعم لقد مررت أيضاً بما تشعرين به”، كنت بحاجة إلى شخص يخبرني أنني لست الوحيدة التي تمر بهذه التجربة، فإن اعتبار موضوع اكتئاب ما بعد الولادة من المواضيع المحظورة جعلني أشعر بوحدة قاتلة.

اقرأ أيضا: ما هو الهوس الاكتئابي؟ وكيف يمكن علاجه؟

“نجحت بتجاوز الاكتئاب”

نشأت الرابطة بيني وبين طفلتي عندما بدأت أتفاعل معها وأمضينا المزيد من الوقت معاً، وعندما بدأت أفهم سبب دموعها. اليوم أصبح حبي لابنتي لا حدود له وصرت أعيش حياة الأمومة التي كنت أتصورها خلال فترة الحمل. واستنتجت أن ما مررت به لا ينفي كل ما قيل لي عن روعة الأمومة؛ لكنهم نسوا أن يذكروا لي المراحل التي تسبق الوصول إلى هذه الحالة إذ يمكن للمرأة أن تتعلم الأمومة.

كم كنت أرغب على الأقل أن تقول لي إحدى الأمهات أنها مرت بما أمر به فأهوّن على نفسي وأقول “لا بأس عليكِ، فها قد وجدت أما واحدةً أخرى على الأقل في هذا العالم تشعر بما تشعرين به”. أنا أكافح في سبيل جعل الحديث عن هذه الأمور عادياً، فلا ينبغي لأم أن تشعر بالذنب أو تشعر بأنها أم فاشلة، ومن حقها أن تعلم أن لهذه الضائقة مفترَجاً. حالياً أنهيت علاجي وعدت إلى طبيعتي. أستطيع اليوم أن أقول أنني نجوت من الاكتئاب وأن ابنتي أحب إليّ من الدنيا وما فيها”.

اقرأ أيضا: