لا تقس سعادتك على معايير تقارير السعادة العالمية!

4 دقيقة
قياس السعادة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: لا يمكن قياس سعادة الشخص بدقة أو مقارنتها مع سعادة الأشخاص في البلدان الأخرى بناءً على المعايير العالمية فقط؛ إذ قد تتجاهل هذه المقاييس الاختلافات الثقافية في تقييمها للسعادة. وبدلاً من ذلك، ثمة حاجة إلى نهج أكثر شمولية وحساسية لتصنيف سعادة الشعوب. إذا كان هذا الكلام غامضاً بعض الشيء، فتابع التفاصيل ضمن هذا المقال.

كثيراً ما تتربع الدول الاسكندنافية، وخصوصاً فنلندا، على عرش البلدان الأكثر سعادة على مستوى العالم؛ لكن ربما إن سافرت إلى فنلندا باحثاً عن السعادة، قد لا تجدها، لماذا؟ لأنه ربما ما يجعل الشعب الفنلندي سعيداً قد لا يُسعدك؛ فالسعادة تجربة شخصية معقدة وعميقة تختلف ماهيتها باختلاف البشر، وهي أكثر من مجرد مزاج إيجابي؛ وإنما حالة عاطفية تتميز بمشاعر الفرح والمتعة والارتياح والرضا عن الحياة والتقبّل.

في الواقع، يستخدم علماء النفس والاجتماع مصطلح “الرفاهية الذاتية” (Subjective well-being) لوصف هذه الحالة العاطفية. وكما يوحي الاسم؛ فإن الرفاهية الذاتية تميل إلى التركيز على المشاعر الشخصية العامة للفرد حول حياته في الوقت الحاضر. لذلك؛ دعونا في هذا المقال نوضح لماذا ينبغي للأفراد عدم الاعتماد على معايير السعادة العالمية لقياس سعادتهم.

اقرأ أيضاً: إليك تمريناً من اليابان يمدك بالسعادة في 3 دقائق فقط

لماذا يجب ألا تقيس سعادتك وفقاً لمعايير السعادة العالمية؟

إحدى الحجج الأساسية ضد قياس السعادة على أساس المعايير العالمية هي وجود التحيّز الثقافي؛ إذ تمتلك الثقافات المختلفة مُثُلاً وقيماً مختلفة فيما يتعلق بالسعادة، تؤثر كثيراً في كيفية إدراك الأفراد للسعادة وتجربتها. وانطلاقاً من هذه النقطة، طرحت مجموعة من الباحثين في دراسة منشورة في مجلة دراسات السعادة (Journal of Happiness Studies) عام 2022، سؤالاً مهماً فحواه: “كيف يمكن للمرء أن يستنتج على نحو معقول أن البلد “أ” أكثر سعادة من البلد “ب” إن كانت السعادة قد قيست في كلا البلدين وفقاً لمفهوم البلد “أ” عن السعادة؟”.

دعني أفرض مثالاً هنا: تعطي الثقافات الفردية (Individualistic cultures) الأولوية للإنجازات الشخصية وتحقيق الذات والرضا الشخصي عن الحياة بوصفها مؤشرات للرفاهية. في المقابل، تؤكد الثقافات الجماعية (Collectivist cultures) أهمية العلاقات الشخصية والانسجام مع الآخرين والترابط الاجتماعي بوصفها مكونات أساسية للسعادة.

اقرأ أيضاً: صحح مفاهيمك: 8 أفكار خاطئة شائعة عن السعادة

بكلماتٍ أُخرى: تميل الثقافات الفردية السائدة في المجتمعات الغربية إلى مساواة السعادة بالنجاح الشخصي والثروة المادية والإنجازات الفردية، ومن المرجح أن يقيّم الأشخاص في هذه الثقافات سعادتهم بناءً على التجارب الفردية للإثارة والمرح والإشباع الشخصي.

في المقابل، فإن السعادة في الثقافات الجماعية، الموجودة عادة في المجتمعات الآسيوية والأفريقية وأميركا الجنوبية، لا تقتصر على الفرد وإنجازاته فحسب؛ بل ترتبط برفاهية المجتمع والعلاقات مع الآخرين؛ أي أن الأشخاص في هذه الثقافات يربطون سعادتهم بدرجة كبيرة بسعادة الآخرين من حولهم أيضاً، وينظرون إلى السعادة بأنها أشبه بالقناعة والرضا. ومن ثَمّ؛ إن أتيت إلى مجتمع يربط سعادته بالترابط والوئام الاجتماعي، وقست السعادة بناء على الإشباع الشخصي، فليس مستغرَباً أن يكون أقل سعادة وفقاً لمقياسك؛ لكن هل هو فعلاً أقل سعادة؟

اقرأ أيضاً: 5 سمات شخصية ترسم لك طريقك نحو السعادة

أيّ سعادة يقيسها تقرير السعادة العالمية؟

يؤكد استشاري طب الأسرة والعلاج النفسي، خالد بن حمد الجابر، إن تقارير السعادة العالمية معظمها تقيس السعادة بناء على مجموعة من العوامل؛ مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر، والحرية السياسية، وسخاء الدولة مع المواطنين، والدعم الاجتماعي، وغياب الفساد في الحكومات والأعمال. ويرى الجابر إن هذه العوامل لا تقيس الرضا عن الحياة، بقدر ما تقيس الرضا عن الجزء المادي من الحياة، فكيف ينبغي أن تُقاس السعادة إذاً؟

اقرأ أيضاً: 6 عادات متناهية الصغر تساعدك على الشعور بالسعادة يومياً

هل من طريقة أفضل لقياس السعادة؟

حاول الباحثون في الدراسة الآنفة الذكر ابتكار أداة حساسة ثقافياً تهدف إلى معالجة التحيزات المحتملة في تصنيفات السعادة الحالية، وقد تكونت من استطلاعين؛ الأول يقيس الرضا الشخصي عن الحياة من خلال طرح أسئلة مثل: “هل أنت راضٍ عن حياتك؟”؛ في حين يقيس الاستطلاع الثاني السعادة المشتركة والتعاونية من خلال طرح أسئلة مثل: “هل تعتقد أنك ومَن حولك سعداء؟” و”هل تسهم في جعل الآخرين سعداء؟”.

ثم طُلب من 13 ألف شخص من 49 دولة مختلفة، ومعظمهم من الطلاب، الرد على كلا الاستطلاعين من وجهتي نظر مختلفتين؛ الأولى وجهة نظر ثقافية نموذجية عن السعادة (أي على المشارك أن يتخيل كيف سيجيب شخص مثالي أو قدوة في ثقافته عن هذه الأسئلة)، والثانية تقيس سعادته الفعلية.

اقرأ أيضاً: مبدأ جونغ: تعرَّف إلى 6 مفاتيح كورية للسعادة

بعد ذلك، عدَّل الباحثون درجات السعادة بحيث أخذوا في الاعتبار وجهات نظر الثقافات المختلفة. على سبيل المثال؛ أعطوا وزناً أكبر للرضا عن الحياة في البلدان التي أعطت تقديراً أكبر للرضا عن الحياة من وجهة نظر الشخص المثالي، ووزناً كبيراً للعلاقات الاجتماعية في البلدان التي ترى أن الترابط الاجتماعي مهم جداً من وجهة نظر الشخص المثالي.

وعلى الرغم من أن هذه الأداة تعد خطوة مهمة في اكتشاف الدور الحاسم للثقافة في قياس السعادة، فإن ثمة بعض القيود الخاصة بهذه الدراسة؛ إذ لم تأخذ في عين الاعتبار الخلفيات الثقافية المختلفة ضمن البلد الواحد.

اقرأ أيضاً: هل يجب أن تستيقظ باكراً في الصباح حتى تشعر بالسعادة؟

كيف تزيد سعادتك؟

لا بد من أن نكرر مرة أخرى إن السعادة أمر شخصي يعتمد على الفرد وكيفية إدراكه لوضعه. ومع ذلك، ثمة بعض النصائح العامة التي قد تزيد السعادة؛ مثل:

  • أعطِ الأولوية لرفاهيتك النفسية: من خلال الاعتراف بالمشاعر، وممارسة اليقظة الذهنية، وطلب الدعم عند الحاجة.
  • نمِّ روابطك الاجتماعية: عبر بناء علاقات هادفة، وممارسة أعمال خيرية وتطوعية.
  • تبنَّ نمط حياة متوازناً: يمكنك تحقيق ذلك بالحفاظ على التوازن بين العمل والحياة، وإعطاء الأولوية للرعاية الذاتية، وممارسة الرياضة، واتباع نظام غذائي صحي.
  • انخرط في التعلم المستمر: وذلك من خلال تحديد أهداف ذات معنى، ومواصلة النمو الشخصي، وتعزيز المرونة.
  • مارِس الامتنان: دوِّن ما تمتن لوجوده في الحياة، وركِّز على نقاط القوة، وتصالح مع نفسك، ومارس الحديث الإيجابي مع النفس، مع الاعتراف بالأخطاء والمضي قدماً.
  • استمتع باللحظة: ركِّز على الاستمتاع الفعلي بما تفعله أكثر من التفكير في كسب الجوائز أو المال، حتى لا تقع في فخ الاكتناز على حساب سعادتك.

ختاماً، عليك أن تعلم أن التركيب الجيني وظروف الحياة والإنجازات والحالة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية والجيران؛ كلها عوامل قد تؤثر في مدى سعادتك؛ لكن كذلك تفعل أساليبك الخاصة في التفكير والتعبير عن المشاعر، فالكثير من السعادة يقع تحت السيطرة الشخصية.

المحتوى محمي !!