العيش كزوجين في منزلين مختلفين

العلاقات المتباعدة
shutterstock.com/Photographee.eu
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إنهما يحبان بعضهما البعض، ولكنهما قررا عدم العيش في منزل واحد. هل هذا النوع الجديد من العلاقات المتباعدة مكانياً يعزز الحب الدائم؟ أم أنه مجرّد ترتيب مؤقت يسمح بعدم الالتزام بالعلاقة؟

هل هذا هو الشكل الأسمى للرومانسية؟ هل هي أنانية؟ العيش كزوجين، ولكن كل واحد في المنزل. في الواقع، تروق هذه الصيغة لآلاف الرجال والنساء الذين اختاروا هذا النوع من العلاقات المتباعدة تعبيراً عن الحب. يقولون أنهم لم يعودوا يريدون أن يكونوا زوجين تقليديين، ويرفضون روتين الحياة اليومية، ويفضلون الانتظار حتى يكبر أطفالهم قبل أن يعيشوا مع شخص آخر مرة أخرى، أو يريدون ببساطة العودة لحياة العزوبية مرةً أخرى بعد الانفصال أو حدوث فاجعةٍ ما والحفاظ على استقلاليتهم الجديدة.

يقول عالم الاجتماع سيرج شومييه، مؤلّف كتاب “الحب الانشقاقي: فن الحب الجديد” (L’amour fissionnel: Le nouvel art d’aimer): “يتميز هذا الحب الانشقاقي (نقيض الحب الانصهاري) بإمكانية عيش الشريكين بعيداً عن بعضهما البعض، مما يسمح لكلّ منهما بالحفاظ على حريته وحياته الخاصة التي كان يعيشها في عزوبيته وعدم التخلّي عنها حتّى بعد ارتباطه”. يستجيب نمط الحياة هذا، والذي يتماشى مع العصر، للقيم الفردية وللوصية الاجتماعية التي تقول: “كن حراً وعش على طبيعتك”. وتقول جيسلين باريس، عالمة الجنس ومؤلفة كتاب (Faire l’amour, pour éviter la guerre dans le couple): “في الواقع، لا يريد أحد اليوم التضحية بأناه وتطوره الشخصي على مذبح الزوجية”.

نمطٌ يعزز الرغبة

يبدو أن العيش مع الشريك من وقتٍ لآخر يضمن الفردية وتأكيد الذات. إنها طريقة فعّالة لتحقيق الذات كما تذكر المحللة النفسية صوفي كادالين: “تتحسن حياة الزوجين عندما تتاح الفرصة لهما للحصول على فسحة نفسية خاصة بهما. ويمكن أن يساعد العيش في أماكن مختلفة على وجه التحديد في الحفاظ عليها”. فيرجيني وتيري، 42 و43 عاماً، عاشا حبهما بحيث كان كلّ منهما يعيش بعيداً عن الآخر على مدى السنوات الخمس الماضية. تقول فيرجيني، والتي تعمل كرسّامة: “أحتاج إلى العزلة والمساحة لتكريس نفسي للإبداع. لن يكون لدينا نفس الأعباء اليومية أو نفس الاهتمامات. عندما أكون وحدي في المنزل، أعيش حياة بوهيمية (غير تقليدية). ليس لدي أطفال، على عكس تيري، الذي يتناوب على حضانة أطفاله”.

كيف يمكن لهؤلاء الأزواج التوفيق بين حبهم والعيش بعيدين عن بعض؟ كيف يمكنهم اعتبار أنفسهم أفراداً مستقلين دون قيود، وشركاء مهتمين برفاهية ورغبات الطرف الآخر في نفس الوقت؟ وفقاً لـ “سيرج شومييه”، لا تؤدي الاستقلالية إلى الانفصال، بل على العكس من ذلك، تؤدي إلى تقوية الروابط وتجديدها. تقول فيرجيني بسرور: “عندما نكون معاً، أنا وتيري، لا يكون لدينا أية مشاغل تلهينا عن بعضنا البعض. نلتقي كل مساء، في منزلي أو منزله. نعيش حباً أشبه بقصص حب الطلاب. إذا لم نلتق الليلة، فإنه يأتي أحياناً لرؤيتي خلال النهار إذا ما أُتيحت له الفرصة. عندما يفتح الباب، غالباً ما تكون لدى كلينا رغبة واحدة فقط: ممارسة الحب”.

يمكن لأسلوب المفاجأة والترقب في نمط العيش هذا أن يُبقي جذوة الرغبة حية. سيكون مجرد التساؤل عن موعد ومكان اللقاء القادم كافياً لخلق ديناميكية مثيرة. كما تسمح طبيعة العلاقة المتقطعة بين الزوجين بتكريس أنفسهما بالكامل لبعضهما البعض، إذ ستكون علاقتهما بمعزلٍ عن القيود المنزلية أو المادية أو الأسرية. في الواقع، يخفف البعد بين الطرفين من وقع الحياة بعد أن تشعر بتجدد عاطفتك كلّ مرة، ويخفف من المشاكل اليومية الصغيرة التي ترهق الكثير من الأزواج. وتضيف جيسلين باريس: “العيش بعيداً عن الشريك يمنع الألفة من إلحاق الأذى بالحب والعلاقة الرومانسية، حيث يعزّز غياب الآخر والحنين إليه الخيال الذي يُعتبر عنصراً أساسياً لتغذية الرغبة. يساعد مبدأ “كلّ يتحمل مسؤولية العناية بنفسه” على العيش دون الشعور بالتمزّق الشديد بين دور الشريك كوالدٍ وحياته كمحبّ للطرف الآخر”. تقول المحللة النفسية صوفي كادالين موضحةً: “التمييز بين علاقة الحب ومشروع الأسرة يرقى إلى درجة تملق الحب الذي يركز على النفس فقط”.

اقرأ أيضا:

حساسية مشاريع العيش المشترك

يكمن الخطر في أن أحد الشريكين يكتشف أنه ليس النموذج الذي كان يتوقعه، ولا يعود راضياً عن الاستمرار فيه. بشكل عام، تزداد صعوبة الاستمرار في نموذج العيش المشترك بمرور الوقت. ما يحدث هو إرهاق الشريكين من محاولة تنظيم وقتهما وتحمل المسؤوليات المختلفة في المنزل، والإحباط من عدم الشعور ولو بالقليل من السعادة خلال اليوم، وخيبة الأمل من اللقاء الحميمي الذي طال انتظاره والذي لا يتم عادة. تعيش حياة لا ترقى إلى مستوى التوقعات. وهكذا، وبعد عامين من قرار انفصالها عن شريكها، تدرك ميلاني البالغة من العمر 38 عاماً أنها تفتقد دائماً الآخر، وأن الفصل بين الحسابات أمر مرهق، وشعورها بأنها تمضي وحيدة في حياتها في ظل غياب مشروع مشترك. بينما يقول خوسيه، 50 عاماً، والذي يعاني من هذا الموقف: “الحرية في إطار العيش المشترك مجرد وهم”.

يؤدي الانفصال الجسدي إلى عدم مشاركة كل واحد في مشاريع الآخر، ويمنعهم غياب الحياة اليومية من الشعور بالدعم والمضي قدماً معاً. حجر العثرة في هذه العلاقة كما تشير جيسلين باريس هو “عدم القدرة على مقابلة الآخر وقمع الذات، وبالتالي الانزلاق إلى فخ الفردية المفرطة. إذا فشل بعض الأزواج في حب بعضهم البعض عندما يعيشان في نفس المنزل، فعادةً ما يعود السبب إلى وجود مشكلةٍ في اللعبة منذ البداية، سواء كانا يدركان ذلك أم لا؛ حيث كان أحدهما أقل رغبة من الآخر، أو كان يخشى الالتزام أو كان يعوض الفشل من علاقةٍ انصهارية سابقة”.

إذاً، ألن يكون مثالياً العيش في مكان مشترك بحيث يمتلك كل منهما مساحته الخاصة؟ تقول فيرجيني: “لنقل أننا نريد العيش في منزل يمكن فيه فصل عالمه عن عالمي، لكنني أخشى أن ذلك لن ينجح”.

في هذه الحالة، ألن تكون الإقامة في مكان مشترك منذ البداية علاقة بين شخصين جريحين- مرتاحين مادياً- ولكنهما لا يستطيعان تحمّل زمام المبادرة؟ لا، ليس بالضرورة وفقاً لصوفي كادلين: “من الممكن جداً أن تكون قد تعرضت للانفصال في السابق ولم تتأذى من أي شيء وتختار طريقة الحياة هذه. قد لا يكون العيش معاً ضرورياً لأن هناك مرحلة لالتقاط الأنفاس واستعادة القوة والاستقلالية ويجب عليك خوضها قبل الالتزام مجدداً، ولكن بطريقةٍ مختلفة. هذا الشكل من الزواج هو إذاً مرحلي وليس نهائياً في حد ذاته”.

اقرأ أيضا:

مثالي للعائلات المختلطة (أسرة الربائب)

تقول جيسلين باريس: “هذا الحل منطقي للأزواج المختلطين الذين لديهم أطفال- فقد يكون العيش معاً أمراً صعباً- أو لكبار السن الذين لم يعد بناء شيءٍ ما خياراً بالنسبة لهم”. هذا هو الحال مع جاك، 67 عاماً: “إذا لم تكن هناك مشكلة مالية، فكلانا يريد الحفاظ على الاستقلال الذي اكتسبناه خلال حياتنا الفردية- عشرون عاماً بالنسبة لها، وخمس سنوات بالنسبة لي- التي اعتدنا عليها”.

يجب ألا تخدع نفسك وتعتقد أن عدم العيش معاً دواء شافي للأزواج أو علاج للمشاكل الزوجية. إذ نادراً ما يكون ذلك مستداماً عندما يقرر الأشخاص الذين عاشوا معاً بالفعل الانفصال الجسدي من أجل بدء علاقتهم مرة أخرى. تقول صوفي كادالين: “من الممكن أن نعيش عن بُعد ولا نزال نعيش نفس الاعتماد أو الإدمان النفسي ونفس الارتباط ونفس الاغتراب. يعتمد هذا الشكل من الزيجات على “الصدق مع النفس”. يجب أن تسأل نفسك مُسبقاً، هل الحياة بدون الشريك جيدةٌ لي؟”.

قد تكون مضطراً لاتباع نمط الحياة هذا أحياناً

وفقاً للتقديرات، ما يقرب من أربعة ملايين زوج فرنسي لا يعيشون معاً. وأشار 62% من الأزواج منهم إلى أن الظروف تجبرهم على العيش منفصلين (لأسباب مهنية بشكل رئيسي)، و20% قررا نمط الحياة هذا معاً، وقال 16% أنه كان قراراً اتخذه أحد الشريكين. من بين الأزواج الذين اختاروا نمط الحياة هذا، زوج من كل اثنين يخططان للعودة للعيش معاً في السنوات القليلة المقبلة، حيث غالباً ما يكون قدوم المولود الأول سبباً للعودة للعيش معاً مجدداً.

“أعيش حياتي على أكمل وجه كعشيقة وأم”

كورين، 42 عاماً، مدربة، مطلقة ولديها طفلان، 12 و14 عاماً.

تقول كورين: “عندما حصلت على الطلاق من والد أطفالي بعد ستة عشر عاماً من الزواج، كنت أحلم بشيءٍ واحد: أن أعيش حياة امرأة حرة، مُكرسةً لأولادي ومهنتي. بعد مرور عام، التقيت بأندريه. كان حباً من النظرة الأولى. لقد فرحت كثيراً عندما اقترح علي العيش معه! ولكن مع مرور الأيام شعرت أنه بدأ بالتململ. لقد أحب أطفالي، لكن لم أشعر أنه قادر على العناية بهم يومياً. تقبلت مخاوفه مدركةً في قرارة نفسي أني اخترت أندريه كعاشقٍ وليس كأبٍ لأولادي. إنه حبي الكبير وهذا الحب لا يمكن أن يعيشه إلا شخصين بعيدين عن الهموم، فاخترنا العيش كلّ في منزله”.

بعد ثلاث سنوات، أدرك تماماً أن هذه العلاقة تناسبني: “أعيش حياتي بالكامل كعاشقة. أنام ​​في منزل أندريه مرتين في الأسبوع، وأستحم في منزله كل صباح بمجرد أن يذهب الأطفال إلى المدرسة، ونصف ملابسي هناك! وفي المساء أذهب إليه لأقبله قبل العودة إلى المنزل. يتيح لي هذا الموقف أيضاً أن أكون أماً مثالية: أنا متاحةٌ لأطفالي، وأشرف على واجباتهم المدرسية، أعتني بهم، أتناول العشاء معهم!”.

“أشعر أحياناً بالتشتت، وأقضي الكثير من الوقت في التنقل. أندريه لديه منزل واحد، بينما أنا أملك منزلين. أريد العيش في منزلٍ واحد نختاره سوياً، ولكن عندما يكبر أطفالي ويكون باستطاعتهم الاعتماد على أنفسهم أكثر”.

“عندما لا أرى كورين، أنتظرها”.

أندريه، 58 عاماً، رجل أعمال، أرمل، لديه ثلاثة أبناء تتراوح أعمارهم بين 33 و40 عاماً.

يقول أندريه: “بالنسبة لي، كان الزواج يعني لي العيش تحت سقف واحد. كنت متزوجاً لثمانية وثلاثين عاماً قبل أن أفقد زوجتي بسبب السرطان. بعد ستة أشهر من الحب مع كورين، طلبت منها أن تعيش معي. لدي غرفتي الخاصة، ويمكن أن يحصل أطفالها على غرفةٍ مستقلة لكلّ منهم. ثم شعرت بالخوف؛ هل أستطيع حقاً استيعابهم؟ ألن يؤدي العيش معهم إلى تعريض علاقتنا للخطر؟ أنا أحبهم بشدة، لكنني شعرت بأنني كبيرٌ على التعامل مع مشاكلهم أو العناية بهم. لقد قمت بذلك مع أطفالي في الماضي، ولكن لم يعد لدي الجلد والصبر للتعامل مع الأطفال الآن. لا أستطيع تحمّل الفوضى التي يسببها الأطفال.

عندما قابلت كورين، كنت مرتاحاً بالعيش بمفردي. كانت عائلتي بعيدة عن المنزل لفترة طويلة، وبالتأكيد كنت أعتني بأحفادي، ولكن عندما يكون لدي الوقت وللتسلية فقط. كنت متكيفاً مع هذا الوضع المنزلي المزدوج. عندما تعتني كورين بالأطفال، أغتنم الفرصة أحياناً للذهاب إلى القرية لتناول القهوة مع أصدقائي.

من المفارقات أنني عندما لا أرى كورين، أبقى مترقباً قدومها. أحبها كثيراً! وأخطط للعيش معها يوماً ما وإنهاء شكل حياتنا الذي يمثل نوعاً من “العلاقات المتباعدة”. وأفكر جدياً بالزواج منها”.

اقرأ أيضا: