لمَ نرغب أحياناً في التخلي عن كل شيء؟

التخلي عن كل شيء
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تشعر بالسأم من كل شيء، والضجر من الروتين اليومي، وفقدان المعنى في الحياة، وتلقي نظرة غبطة على حديقة جارك التي تبدو أكثر اخضراراً من حديقتك أو تشعر بالحنين إلى آخر إجازة قضيتَها. نشعر جميعاً في وقت ما بالرغبة في التخلي عن كل شيء والابتعاد عن كل ما يزعجنا؛ لكن ذلك ليس مدعاة للقلق.
يقول سامر ذو الـ 42 عاماً:” إنه شعور بالسأم من كل شيء، فوظيفتي كخبير استشاري لا معنى لها وحتى العائلة التي تبدو رائعةً هي في حقيقة الأمر عائلة أنانية، إضافةً إلى المدرسة التي تميز بين الأطفال. فكل الأمور التي اعتادت أن تمثل مصدر راحة لي لم تعد تشعرني بالسعادة لذا نرغب أنا وزوجتي بالتخلي عن كل شيء”.

تقول مختصة التحليل النفسي صوفي مولر: “تنطوي الرغبة في التخلي عن كل شيء على عنصرين وهما “الرغبة” و”الحركة” (التحرك من المكان والتجول) اللذان ليسا سوى تعبير عن الحياة نفسها”، ويُجمع المختصون على أن هذه الرغبة تُعتبر رد فعل صحياً إلى حد ما طالما أننا نحاول فهمها واستغلالها بطريقة صحيحة.

لقد تعبت من كل شيء

يقول جاك ماركو؛ المدرب والمعالج بالتنويم المغناطيسي ومؤلف كتاب “كيف نقبل التغيير” (Comment accepter le changement): “إننا نعيش في زمن معقد حيث لا يبدو أن هنالك أي شيء سهل أو مريح بينما تحب عقولنا الأمان والبساطة. تتطلب الحياة العائلية والعاطفية والمهنية والاجتماعية بذل الجهد بصورة مستمرة، فنحن مشبعون بالمعلومات التي يجب علينا معالجتها. وتحت وطأة الشعور بالعجز وفقدان المعنى يصبح انهيار المرء يوماً ما أمراً لا مفر منه، فيقول لنفسه: “لم أعد أحتمل. أنا أستسلم!”. “إن رغبة المرء في الاستسلام هي علامة على الإرهاق النفسي؛ إذ يخبره اللاوعي بضرورة التوقف وربما يكون إيعازه هذا محقاً، لأن استمرار هذا الضغط دون أخذ استراحة قد يؤدي إلى تأثيرات تطال البدن وتتمثل في اضطرابات سيكوماتية (نفسية جسدية)”.

اقرأ أيضا:

أريد أن أَكون نفسي

تقول مختصة علم النفس والعلاج النفسي بريجيت فيين: “إن الرغبة في التخلي عن كل شيء هي تعبير عن الشعور بالنقص الذي يولّد لدى الفرد مشاعر الغضب تجاه العالم الخارجي. وتُعتبر أزمة سن المراهقة أو البلوغ انعكاساً لذلك؛ إذ يعبر المرء خلالها عن سأمه من الحياة المشروطة بالتعليمات والأوامر الاجتماعية ورغبته في أن يكون نفسه. وينطوي هذا الأمر على معادلة “بسيطة” بالنسبة إليه؛ وهي أن رفضه للعالم الخارجي سيمكنه من التعبير عن ذاته بحرية، متناسياً أن التغيير لا يعني بالضرورة الدمار”.

أنا مُمزَّق

تقول صوفي مولر: “إن شعور المرء بالتمزق هو جرس إنذار يشير إلى حاجة ملحّة لإعادة الاتصال بالنفس؛ إنها لحظة مهمة في حياتنا تجسد ذروة المعركة بين الذات المدفوعة بالرغبة القديمة في التخلي عن كل شيء، والأنا العليا وهي الرقيب وصوت المنطق الذي يقول لنا ابقَ هنا وتماسك. لكن هذا الصراع النفسي يُمثل فرصة عظيمة تتيح ظهور الذات الحرة والمسؤولة على حد سواء، ومن ثم ينشأ توازن داخلي جديد أكثر اعتدالاً وهدوءاً؛ إذ يجب أن يكون المرء مرتاحاً قبل أن يبدأ بإجراء أي تغيير”.

ما الذي يمكنك القيام به؟

1. ابقَ في الواقع

بالنسبة إلى مختصة علم النفس والعلاج النفسي بريجيت فيين، فإن الأمر يتمحور حول الابتعاد عن الأوهام: “من الضروري أولاً فهم العلاقة بين الذات والعالم الخارجي ومن ثم فهم العلاقة بين المشكلة الداخلية التي نعاني منها وما حولنا. فمحاولة تغيير كل شيء دون أن تُغير نفسك أولاً لن يؤدي إلى التغلب على الإحباط الذي تشعر به. من جهة ثانية عليك أن تتفاعل مع ما حولك تماماً كما لو كنت طفلاً يشعر بأنه لا يمكن لشيء أن يقف في وجهه”. فالخلاصة إذاً هي التحلي بالواقعية اللازمة لإرساء مشاريعك في أرض الواقع.

2. أجرِ تغييرات طفيفة

يقترح علينا المدرب والمعالج بالتنويم المغناطيسي جاك ماركو أن نعدل سلوكنا ويقول: “يمكنك إجراء تغيير على الأولويات في حياتك اليومية، فيمكن لتغيير الطريقة التي تهتم بها بنفسك من خلال تناول الطعام اللذيذ والاستمتاع بأمور أخرى مثلاً أن يساعدك على استعادة المعنى لوجودك”.

3. خذ استراحةً

تقول مختصة التحليل النفسي صوفي مولر: “هل ترغب في التخلي عن كل شيء؟ حسناً يمكنك فعل ذلك لكن حلل الموقف أولاً واسأل نفسك ما هي الظروف التي تشعر خلالها بهذه الرغبة ومع مَن؟ حدد المحفزات التي تدفعك إلى ذلك وحاول معرفة ما إذا كانت هنالك قواسم مشتركة بينها لتدرك الأمور التي لم تعد تريدها بالفعل، ولا تتردد في استشارة معالج نفسي في حال شعرت بالحاجة إلى ذلك”.

تقول سلمى؛ 35 عاماً وهي ناشرة: “في منتصف عام 2016 شعرت بالسأم من كل شيء، لذلك قررت أن أتطوع وأعطي القليل من نفسي للآخرين، فاتصلت بإحدى الجمعيات التي تنظم رحلاتٍ إنسانيةً لكن طلبي بالتطوع قوبل بالرفض وقالوا لي آنذاك: “هل تريدين مساعدة الآخرين؟ هذا جميل جداً لكن الآخرين ليسوا حلاً لما تعانين منه”. كان يمكن للذهاب برحلة لمدة شهرين أن ينسيني كل ما كنت أحاول الهروب منه بصورة مؤقتة على الأغلب؛ لكنني بقيت هنا وأخذت دروساً في اليوغا، ومنذ ذلك الوقت بدأتُ أشعر أنني أتنفس من جديد”.