إدمان التوتر: ما هي علاماته وكيف يمكنك التخلص منه؟

11 دقيقة
إدمان التوتر
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

إدمان التوتر ليس مجرد أسلوب حياة مزدحم، بل هو نمط نفسي يدفعك بوعي أو من دونه إلى ملاحقة الضغوط بسبب الإحساس المؤقت بالنشوة الناتج عن هرمونات التوتر. هذا النمط قد يضعف المناعة ويزيد خطر القلق والاكتئاب، لكن كسره ممكن بخطوات عملية ومدروسة، أهمها:

  • حدد محفزاتك اليومية: راقب…

هل سبق أن شعرت بنشوة غريبة وسط فوضى المواعيد النهائية المتلاحقة في العمل؟ هل تجد نفسك أحياناً تصنع الأزمات دون وعي حين تمر حياتك بلحظات من الهدوء غير المعتاد؟ هل تبحث دوماً عن مشروع جديد في العمل قبل انتهاء مشروعك الحالي؟

إذا كانت إجابتك هي نعم، فقد تكون مصاباً بإدمان التوتر، وهو نمط سلوكي يدفع الشخص إلى الاعتماد على ضغوط الحياة أملاً في الإحساس بالتحفيز المستمر، ويمكن القول إن إدمان التوتر أضحى شائعاً بسبب نمط الحياة السريع، فما هي أهم علامات هذا الإدمان؟ وكيف يمكن علاجه؟ الإجابة تجدها في هذا المقال.

ما هو إدمان التوتر؟ وكيف تقع في فخ الاعتياد عليه؟

يشير مصطلح "إدمان التوتر" إلى نمط سلوكي يسعى فيه الشخص، بوعي أو بغير وعي، إلى خوض مواقف مسببة للتوتر لتجربة تأثيره الجسدي أو النفسي، وخاصة أن إحساس التوتر يأتي مصحوباً بالشعور بالحماس والقدرة على تجاوز التحديات وتحقيق الأهداف، كما يمكن أن يستخدم التوتر باعتباره وسيلة لتشتيت الانتباه أو تجنب المشاعر أو المواقف غير المرغوب فيها، وعلى الرغم من أن إدمان التوتر ليس تشخيصاً رسمياً فإنه يمكن أن يكون مفيداً في فهم أنماط السلوك السلبية ومن ثم المساعدة على تغييرها.

ويمكن القول إن التعرض المستمر للتوتر يجعل الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم؛ إذ تفرز الغدد الكظرية هرمون الكورتيزول لمساعدتنا على الاستجابة للمواقف الضاغطة، هذا الهرمون يزيد اليقظة، ويحسن التركيز، ويهيئ الجسم للتحرك والمواجهة.

غير أن استجابة الكر والفر هي في أصلها آلية بقاء، صممت للتعامل مع الخطر المؤقت لا الضغوط المزمنة، لذا ففي حالة ما يعرف بإدمان التوتر، يعتاد الدماغ على مستويات مرتفعة من الكورتيزول، بحيث يصبح الهدوء نفسه حالة غير مريحة.

وعندما تنخفض هذه المستويات في أوقات الراحة، قد يشعر الشخص بالضيق أو القلق أو الفراغ، ما يدفعه دون وعي إلى افتعال مشكلات جديدة أو الالتزام بمواعيد نهائية مرهقة، فقط ليستعيد ذلك الشعور الزائف بالنشاط والتحفيز.

وإلى جانب ارتفاع مستويات الأدرينالين والكورتيزول اللذين يعززان الطاقة، يفرز الجسم أيضاً مستويات عالية من الدوبامين في حالات التوتر، وهو هرمون المكافأة في الجسم الذي يسبب الشعور بالسعادة، ما يخلق حلقة مفرغة تشبه إلى حد بعيد إدمان المخدرات؛ حيث يحتاج الفرد إلى جرعات أكبر من المهام والضغط النفسي والتوتر حتى يحس بالسعادة والتحفيز.

ووفقاً لما ذكرته المعالجة النفسية، نيكولا بول؛ من السهل ربط الإدمان بالمواد المخدرة وبعض السلوكيات، لكن إدمان التوتر قد يمر دون ملاحظته على الرغم من أنه شائع للغاية بين العديد من الأشخاص، وتضيف بول أن التوتر يجب ألا يكون الوضع الطبيعي أو الافتراضي للأشخاص، لكن الأمر يبدو وكأننا أصبحنا مبرمجين على ربط التوتر والإجهاد بالمعنى، أو الإنجاز، أو حتى الهوية، لذلك نحس بعدم الارتياح أو عدم الأمان حين تهدأ الأمور من حولنا قليلاً.

اقرأ أيضاً: إليك هذه الطريقة لتخفيف التوتر والمعاناة النفسية

6 علامات تحذيرية تخبرك أنك مدمن على التوتر والضغط النفسي 

قد يبدو مدمن التوتر شخصاً ناجحاً أمام الجميع، لكن الحقيقة أن إدمان التوتر قد يكون مدمراً للصحة النفسية، وهذه أهم العلامات التحذيرية لهذا الإدمان: 

1. تزايد المهام اليومية باستمرار 

من أهم علامات إدمان التوتر الشعور بالحاجة الماسة إلى إضافة مهام ومسؤوليات جديدة باستمرار، حتى عندما تكون مشغولاً بالفعل؛ على سبيل المثال، قد تجد نفسك توافق على كل مشروع في العمل، أو تتولى أعمالاً إضافية، أو تلتزم بأمور لا تملك الوقت الكافي لها، وغالباً ما ينبع هذا الدافع من الشعور بالحاجة إلى الإنجاز أو الإنتاجية، لكنه يؤدي في النهاية المطاف إلى الإرهاق والاحتراق النفسي. 

2. الشعور بالضيق في أوقات الفراغ

إذا كنت شخصاً مدمناً على التوتر، فسوف تواجه صعوبة بالغة في أوقات الراحة، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، وذلك لأنك تعتمد على التوتر اعتماداً كبيراً من أجل الإحساس بالمتعة أو الراحة، وعلى الجانب الآخر، فإن أوقات الراحة والهدوء تجعلك تحس بعدم الإنجاز أو بأنك شخص غير منتج.

3. السعي وراء المواعيد النهائية الضيقة أو المواقف الضاغطة

قد يشير سعيك الدائم إلى المواقف الضاغطة أو المواعيد النهائية الضيقة إلى إدمان الشعور بالتوتر، خاصة حين تحمل نفسك تحديات جديدة وتضع أهدافاً من الصعب الوصول إليها أو تتطوع في مشاريع مرهقة، وغالباً ما تنخرط في كل تلك الأنشطة لأن ذلك يغذي شعورك بحماس الضغط وتدفق الأدرينالين والدوبامين، وبذلك ترهق صحتك الجسدية والنفسية.

4. صعوبة النوم أو الاسترخاء 

إذا كنت مدمناً على التوتر سوف تواجه صعوبة عند محاولات النوم أو الاسترخاء، وذلك بسبب ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول، لذلك عوضاً عن الاسترخاء بعد يوم طويل من العمل، سوف يفكر عقلك باستمرار في قوائم المهام أو المشاريع التي ترغب في إنجازها، ما يمنعك في النهاية من الإحساس بالراحة الحقيقية، ويؤثر سلباً في تركيزك وحالتك المزاجية.

5. إهمال العناية بالنفس 

قد يكون تفويت الوجبات، وتجنب ممارسة الرياضة، أو تجاهل قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة، علامة على سيطرة التوتر عليكن خاصة عندما تشعر بأنك مضطر لمواصلة العمل أو البقاء مشغولاً، وقتها سوف تهمل عنايتك بنفسك وتضعها في آخر أولوياتك.

6. عدم القدرة على التخفيف من وتيرة العمل على الرغم من الإرهاق الشديد 

حتى عندما تشعر بالإرهاق أو الإنهاك، سوف تواجه صعوبة في أخذ قسط من الراحة، وستظل تنتقل من مهمة إلى أخرى، ومع مرور الوقت ستحس بالاستنزاف ولن تتمكن من التوقف. 

اقرأ أيضاً: تعاني التوتر؟ هذه الوظائف هي الأنسب لك

ما هو تأثير إدمان التوتر في صحتك النفسية والجسدية؟

يشرح المختص النفسي، محمد الصمادي، أن الجهاز العصبي غير مهيأ للعمل المزمن في وضعية الخطر، بل يحتاج إلى فترات من التهدئة وإعادة الضبط، لذلك ينبغي للإنسان ألا يبقى في حالة استنفار أو طوارئ نفسية مستمرة، سواء على المستوى الشخصي أم الأسري أم الاجتماعي، إذ إن العيش طويلاً تحت ضغط التأهب الدائم والتوتر ينعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية، حيث يؤدي إلى ما يلي:

  1. الشعور بالإنهاك النفسي والعاطفي والجسدي.
  2. يخل التوتر المزمن بتوازن كيمياء الدماغ، ما يزيد خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب.
  3. يضعف التوتر جهاز المناعة ما يعني أنك ستصبح أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجسدية.
  4. اختلال التوازن بين العمل والشخصية وضعف العلاقات الاجتماعية والشعور بالوحدة والعزلة.

6 نصائح فعالة تساعدك على معالجة إدمان التوتر 

التوتر في حد ذاته ليس أمراً سيئاً على الدوام، فحين يحدث بطريقة متوازنة يمثل دافعاً قوياً للإنجاز، وإليك أهم النصائح التي يمكن أن تساعدك على علاج إدمان التوتر: 

1. حدد محفزاتك 

ابدأ بملاحظة المواقف أو الأنشطة التي تجعلك تشعر بالتوتر؛ هل هي ضيق الوقت، أم الضغوط الاجتماعية، أم ازدحام جدولك؟ بعد تحديد المحفزات، دون يومياتك وسجل لحظات التوتر الشديد، وذلك حتى ترصد أنماطك بدقة، إذ يتيح لك فهم المحفزات والتعرف إلى الأنماط اتخاذ خيارات واعية من أجل تجنبها أو التعامل معها بطريقة أفضل في المستقبل. 

2. ركز على تهدئة جهازك العصبي 

حاول أن تهدئ جهازك العصبي من خلال ممارسة تمارين التنفس أو اليقظة الذهنية، وحين تحس بالرغبة في تصفح بريدك الإلكتروني بعد مواعيد العمل الرسمية، قاوم هذه الرغبة، واخرج للمشي في الهواء الطلق، وعلى الرغم من أن الاستمرار في العمل قد يكون مغرياً بالنسبة لك، حاول أن تمنح نفسك ولو خمس دقائق من الهدوء والاسترخاء، وذلك حتى تكسر حلقة الكورتيزول وتعيد ضبط مستوياته إلى الدرجة الطبيعية.

3. قلل وقت استخدامك للشاشات 

الإشعارات المستمرة التي تتدفق دون توقف من رسائل البريد الإلكتروني وبرامج المحادثة ومواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأن تبقيك متحفزاً طوال الوقت، كما تبقي جسمك في حالة توتر، لذلك حاول الابتعاد ولو فترة قصيرة عن الأجهزة الرقمية، مثل إطفاء الأجهزة قبل النوم بساعة، وذلك حتى تساعد على خفض إفراز هرمون الكورتيزول وتريح ذهنك.

4. ضع حدوداً واضحة بين العمل وحياتك الشخصية 

إحدى أهم طرق كسر حلقة إدمان التوتر هي وضع حدود صحية وواضحة بين مهام عملك وحياتك الشخصية؛ على سبيل المثال، لا تبق في المكتب حتى وقت متأخر بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، وارفض المشاريع الإضافية إذا كانت غير ضرورية. وإذا واجهت صعوبة في ذلك، ابدأ بخطوات وحدود صغيرة؛ على سبيل المثال، لا تتفقد البريد الإلكتروني الخاص بالعمل في البيت، وذكر نفسك دائماً أنه من الصحي أن ترتاح قليلاً، وتقضي وقتاً مع العائلة أو مع نفسك.

5. غير نظرتك لمفهوم الإنتاجية 

يرتبط مفهوم الإنتاجية لدى الكثيرين بالشعور بالتوتر، لكن الإنتاجية لا تعني بالضرورة الانشغال الدائم؛ لذلك ابدأ بإعادة تعريف الإنتاجية على أنها إنجاز عمل ذي جودة أو إكمال مهام ذات مغزى بوتيرة صحية، ركز على إنجاز مهمة واحدة على أكمل وجه بدلاً من مهام متعددة في وقت واحد، وقدر إنجازاتك الصغيرة، حينها سوف تنجز عملك دون الاعتماد على التوتر من أجل الشعور بالتحفيز. 

6. اطلب المساعدة المتخصصة 

حين تحاول في البداية أن تضع حداً لحالة إدمان التوتر، سوف تواجه بعض الصعوبات، لذلك أحط نفسك بالأشخاص الداعمين وشارك معهم أهدافك، واطلب منهم المساعدة حتى لا تعود إلى أنماطك القديمة، وفي حال استمرت حالة إدمان التوتر اطلب المساعدة من الطبيب النفسي المتخصص.

في النهاية، يمكن القول إن التخلص من إدمان التوتر لا يحدث بين عشية وضحاها، لذا من المهم الاحتفاء بتقدمك؛ وعندما تنجح في أخذ قسط من الراحة، أو ترفض المهام غير الضرورية، أو تضع حدوداً صحية، كافئ نفسك، واعتبر هذه الخطوات الصغيرة إنجازات، وذلك لأن هذا التعزيز الإيجابي يسهل عليك الاستمرار ويجعلك تسير المزيد من الخطوات نحو عيش حياة صحية.

اقرأ أيضاً: ما التوتر الإيجابي؟ وكيف تستثمره لصالحك

المحتوى محمي