ما هي الوظائف التي تجعلك أكثر عرضة للاحتراق النفسي؟

1 دقيقة
الاحتراق النفسي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

يصيب الاحتراق الوظيفي الكثير من الأشخاص، ولكن هناك وظائف يزداد احتراق العاملين بها نفسياً مثل العمل في مجال الرعاية الصحية، ومجال الطبخ، والبرمجة، والاستجابة للطوارئ مثل عمل رجال الشرطة والإطفاء وأطباء الطوارئ، وحتى يمكن التعافي من الاحتراق النفسي، يجب تطبيق النصائح الت…

الاحتراق النفسي ليس مجرد تعب عابر أو إرهاق جسدي يمكن أن يزول عبر الحصول على ليلة نوم هادئة، بل هو استنزاف عميق ومستمر للصحة النفسية والعاطفية والجسدية، ويمكن القول إن ثمة وظائف تعد أرضاً خصبة لهذا الاحتراق النفسي أكثر من غيرها، وذلك بحكم طبيعتها وضغوطها ومسؤولياتها اليومية، ومن خلال هذا المقال سوف نتعرف على أكثر المهن عرضة للاحتراق النفسي؟ ونكتشف معاً لماذا ترهق أصحابها بهذه الطريقة المؤلمة، والأهم كيف يمكن التعافي من الاحتراق النفسي قبل أن يدمر حياة المصابين به تماماً.

ما هي قائمة الوظائف التي يزداد احتراق العاملين بها نفسياً؟

تعرف الجمعية الأميركية للطب النفسي الاحتراق النفسي على أنه متلازمة مرتبطة بالعمل، ناتجة عن الضغط العصبي والنفسي المزمن الذي لا يدار بنجاح، وللاحتراق النفسي 3 أبعاد هي: 

  • الشعور باستنزاف الطاقة والإرهاق العاطفي.
  • زيادة التباعد الذهني عن العمل، والمشاعر السلبية أو التشاؤمية تجاهه.
  • انخفاض الشعور بالكفاءة في العمل.

 ويمكن القول إن هناك بعض المهن تسبب ضغطاً مستمراً على الجسم والجهاز العصبي؛ وبينما قد تكون أي وظيفة مرهقة في بعض الأحيان، فإن بعض الوظائف تنطوي على متطلبات عاطفية مستمرة، ومسؤولية كبيرة، وسيطرة محدودة، وفرص ضئيلة للراحة. ومع مرور الوقت، يهيئ هذا المزيج الظروف التي تجعل الاحتراق النفسي أكثر حدوثاً، ومن أهم المهن التي يزداد احتراق العاملين بها نفسياً:

1. العاملون في مجال الرعاية الصحية 

يواجه العاملون في مجال الرعاية الصحية من الأطباء وطاقم التمريض تحديات هائلة في بيئة العمل يومياً، وتتمثل مشكلتهم الأكبر في عبء العمل المفرط؛ إذ تستمر نوبات العمل مدة طويلة غالباً ما تصل إلى أكثر من 12 ساعة، بالإضافة إلى التعرض المنتظم للصدمات والمعاناة وحوادث الوفاة، كما يتعرض العاملون في قطاع الرعاية الطبية إلى الإرهاق المزمن الذي تتجسد أعراضه بين التعب والصداع وضعف جهاز المناعة، كما يعاني الكثيرون صعوبة التركيز وانخفاض كفاءة العمل.

2. مهنة التدريس 

يواجه المعلمون ضغوطاً نفسية تجعل وظيفتهم من أكثر الوظائف إرهاقاً، ويأتي عبء العمل الثقيل في مقدمة هذه الضغوط؛ إذ يعمل المعلمون ساعات طويلة ويتعاملون مع كميات هائلة من الأعمال الورقية، ويضطلعون بأدوار متعددة، فهم مرشدون وموجهون، وأحياناً يؤدون دور الأب أو الأم، علاوة على ضغط فترة الامتحانات وتوقعات الأهل المرتفعة، وقلة الدعم المقدم من الإدارة التنفيذية؛ كل هذه الأمور مجتمعة تسبب الاحتراق النفسي والاستنزاف العاطفي، وانخفاض القدرة على الإنجاز والشعور بالأرق واضطراب الشهية.

3. الطهاة وعمال المطابخ

يعد قطاع المطاعم من أكثر بيئات العمل إرهاقاً بدنياً ونفسياً؛ إذ يواجه الطهاة وعمال المطابخ واحداً من أعلى معدلات الإرهاق الوظيفي والاحتراق النفسي، وذلك بسبب ساعات العمل الطويلة، كما أن بيئة العمل في المطبخ شديدة القسوة، إذ يتعين على الطهاة التعامل باستمرار مع الحرارة والضوضاء والمواعيد النهائية الضيقة، بالإضافة إلى إنجاز مهام متعددة في وقت واحد.

4. مهنة تطوير البرمجيات 

يمكن القول إن ضغط العمل الكبير يعد أحد أهم أسباب الاحتراق النفسي لدى مطوري البرمجيات، ومن أهم ضغوط العمل التي تواجه المطورين: التكنولوجيا المتغيرة باستمرار التي تتطلب تعلماً متواصلاً، بالإضافة إلى مواعيد التسليم القريبة وجداول الأعمال الضاغطة، حيث يضطر معظم المطورين للعمل ليلاً، وفي عطلات نهاية الأسبوع، ما يخل بالتوازن بين حياتهم المهنية والشخصية. 

5. مهن قائمة على الاستجابة للطوارئ 

يعمل المستجيبون للطوارئ في بيئة نفسية ضاغطة، وهذا الضغط لا يكون مؤقتاً لكنه من صميم عملهم، حيث يتعامل أفراد الشرطة والإطفاء وخدمات الطوارئ الطبية يومياً مع مواقف تهدد الحياة، ويتحملون العبء النفسي لمشاهدة معاناة البشر عن كثب، ومن أهم الضغوط التي يتعرض لها العاملون في الطوارئ وتسبب الاحتراق النفسي: العمل ساعات طويلة، والتعرض للموت والحزن والصدمات والعنف، وعدم الحصول على قسط كاف من الراحة بين الأحداث الصادمة.

اقرأ أيضاً: الاحتراق الوظيفي أم الجلوس بلا عمل: أيهما أكثر تدميراً للصحة النفسية؟

5 مراحل للاحتراق النفسي

لا يحدث الاحتراق النفسي بين عشية وضحاها، بل هو عملية تدريجية تمر بمراحل محددة، وتحديد المرحلة هو الخطوة الأولى للعلاج، وتشير منصة (أنديد للتوعية بالصحة النفسية) إلى 5 مراحل رئيسية هي:

1. مرحلة الحماس الأولى والالتزام العالي 

على الرغم من أن الأمر قد يبدو متناقضاً فإن الاحتراق النفسي غالباً ما يبدأ بحالة قوية من الحماس والطاقة، ورغبة شديدة في إثبات الذات، وحتى لو كانت مهام الوظيفة تتطلب أداء الكثير من المهام، فإن شعور الحماس الذي يحس به الشخص خلال هذه المرحلة يطغى على متطلبات العمل الزائدة أو بيئة العمل المجهدة، ما يسهل أداء المهام التي قد تكون شاقة أو صعبة في الظروف العادية، وتتسم هذه المرحلة بالإبداع وزيادة الإنتاجية والرضا الوظيفي والتفاؤل تجاه العمل.

2. بدايات التوتر 

بمجرد أن تزول حالة الحماس الأولى للوظيفة، سوف يصبح الشخص أكثر وعياً بطبيعة التوتر في عمله، وينطبق هذا الأمر بصورة خاصة على الوظائف التي تتطلب ساعات عمل طويلة أو أعباء عمل زائدة، وقد يتجاهل الكثيرون هذا الأمر فترة معينة، ولكن في النهاية، يبدأ هذا التوتر في الظهور على نحو واضح ويصعب تجاهله؛ إذ يظهر في علامات واضحة مثل الصداع واضطرابات النوم، وصعوبة التركيز والقلق.

3. مرحلة الإرهاق الوظيفي

تختلف هذه المرحلة عن المرحلة الثانية لأن الإجهاد يصبح أوضح، ويتعرض له الشخص بانتظام يومياً، وغالباً ما تتفاقم الأعراض التي ظهرت في المرحلة الثانية خلال هذه المرحلة، بالإضافة إلى ذلك، قد تظهر أعراض أخرى، منها: صعوبة الالتزام بالمواعيد النهائية، والعصبية، والإحساس بالإرهاق المستمر، والعزلة الاجتماعية وتفاقم مشاعر الغضب.

4. مرحلة الإرهاق الشديد 

عندما يكون الشخص في هذه المرحلة، غالباً ما يواجه صعوبة في التعامل مع ضغوطه، وتكون لديه قدرة منخفضة على تحمل المزيد من الضغوط، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الإصابة بأمراض وحالات جسدية ونفسية ومشاكل صحية، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم، والقلق، والحساسية، وعسر الهضم، والاكتئاب، وانخفاض الرضا عن العمل، والابتعاد التام عن الأصدقاء والعائلة.

5. مرحلة الاحتراق النفسي 

المرحلة الأخيرة هي مرحلة الاحتراق النفسي، والتي تتضمن فقداناً تاماً للطاقة، والشعور بالاستنزاف النفسي والعاطفي، وانعدام الرغبة في العمل، وتفاقم أعراض القلق والاكتئاب والحزن، وزيادة الشعور بالتشاؤم والنظرة السلبية، وفقدان الحافز والإحساس بالعجز والهزيمة. وخلال هذه المرحلة تمتد آثار الاحتراق النفسي لتسبب أمراض القلب والجهاز الهضمي، لأن الضغط المستمر يرفع مستويات الكورتيزول، ما يؤثر على ضغط الدم والجهاز الهضمي.

اقرأ أيضاً: مدير في مؤسسة عربية؟ إليك خطة التعامل مع الاحتراق الوظيفي؟

كيف يمكن التعافي من الاحتراق النفسي؟

يشير موقع منظمة الصحة النفسية الأميركية إلى نصائح واستراتيجيات مهمة للتعامل من الاحتراق الوظيفي، ومن أهم تلك النصائح: 

1. اعترف بمشاعرك 

تقبل شعورك بالإرهاق، فليس من الضعف أن تخفف وتيرة عملك وتعتني بنفسك، قدر نفسك على ما أنجزته، كل ما تفعله من أجل وظيفتك هو إنجاز، مهما كان صغيراً، وبعد أن تعترف بمشاعرك، قيم وضعك بصدق، واسأل نفسك ما الذي يسبب لك الاحتراق النفسي تحديداً؟ هل هو كمية العمل؟ أم انعدام السيطرة؟ أم بيئة عمل سامة؟

2. ضع حدوداً صارمة 

تعلم قول "لا" للمهام التي تتجاوز قدرتك، وافصل تماماً بين وقت العمل ووقت الراحة. على سبيل المثال، أغلق إشعارات البريد الإلكتروني بعد ساعات الدوام، واجعل عطلة نهاية الأسبوع فترة مقدسة للتعافي من ضغوط العمل والمهام اليومية.

3. تواصل مع الآخرين 

عندما تشعر بالاحتراق النفسي سوف يخيم الظلام على كل مناحي حياتك، وتبدو المشاكل مستعصية على الحل، وسيصعب عليك استجماع طاقتك من أجل العناية بنفسك، وهنا تأتي أهمية الخروج قليلاً إلى النور عبر التواصل مع الآخرين؛ إذ إن التحدث وجهاً لوجه إلى شخص يحسن الاستماع هو من أسرع الطرق لتهدئة جهازك العصبي وتخفيف التوتر، وليس بالضرورة أن يكون الشخص الذي تتحدث إليه قادراً على حل مشكلة احتراقك النفسي؛ يكفي أن يكون مستمعاً جيداً، وشخصاً يصغي بانتباه دون أن يتشتت أو يصدر أحكاماً.

4. خذ وقتاً للراحة 

إذا كنت تحس بالاحتراق النفسي بسبب طبيعة عملك التي تتطلب الكثير من الجهد أو ساعات طويلة، ففي هذه الحالة، عليك الابتعاد قليلاً عن بيئة عملك حتى تسترد عافيتك، وتقلل الآثار الجسدية والنفسية والعاطفية التي تشعر بها. لذلك فكر في أخذ إجازة، سواء كانت إجازة مدة يومين أم إجازة طويلة، إن أمكن. وإذا لم يكن بإمكانك أخذ إجازة طويلة، فجرب تخصيص وقت محدد للراحة ضمن أنشطتك اليومية إن أمكن.

وحين تأخذ إجازتك من العمل، لا تعمل خلال الإجازة أبداً، حيث يؤكد استشاري الطب النفسي، عبد الله الغانمي، أن العمل في أثناء الإجازة يمنع دماغك من الدخول في مرحلة الاستشفاء النفسي التي تعد ضرورية للغاية من أجل تخفيف التوتر، فالأشخاص الذين لا ينفصلون عن العمل ترتفع لديهم مستويات هرمون الكورتيزول ما يرفع خطر الإصابة بالاحتراق النفسي.

5. اعتن بنفسك 

قد تكون وظيفتك مرهقة للغاية، وتتطلب الكثير من المجهود اليومي، لكن كما تخصص الوقت للعناية بالآخرين والاستجابة إلى مطالبهم في العمل، خصص بعض الوقت للعناية بنفسك. على سبيل المثال، احصل على قسط كاف من النوم، وتناول الطعام الصحي، واحرص على ممارسة الرياضة، وإذا لم يكن لديك الوقت الكافي لممارسة الرياضة، جرب المشي في الهواء الطلق.

6. اطلب المساعدة المتخصصة 

في الحالات المتقدمة، وحين تحس بالفقدان التام للطاقة وتحس بالعجز والحزن المتراكم لا تتردد في استشارة مختص أو طبيب نفسي، وذلك لأن التعافي أحياناً يحتاج إلى توجيه متخصص للخروج من دائرة الأفكار السلبية والقدرة على النهوض من جديد.

في النهاية، يمكن القول إن الاحتراق النفسي ليس علامة على الضعف، بل هو إنذار من جسدك وعقلك بأن نظام حياتك الحالي غير قابل للاستمرار، وحتى لو كنت تعمل في وظيفة تتطلب الكثير، يجب أن تتذكر أنك بشر وليس آلة، لهذا فإن الحفاظ على صحتك النفسية هو أعظم استثمار يمكنك القيام به لمسيرتك المهنية ولحياتك الشخصية على حد سواء.

اقرأ أيضاً: كيف تدير طاقتك وتتجنب الاحتراق النفسي؟

المحتوى محمي