باتت ترندات رمضان تزاحمنا في هذه الأيام حيثما ذهبنا؛ فكيف تقضي ساعات هذا الشهر؟ أتنشغل ببريق إعلانات السهرات، وتجربة أصناف الحلويات المبتكرة، وملاحقة خطوط الموضة الجديدة؟ في الواقع، لم يعد رمضان مجرد محطة روحية للاختلاء بالذات وترميم الروح؛ بل أعاد العالم الرقمي تشكيله ليصبح مهرجاناً بصرياً صاخباً، مثقلاً بضجيج الاستهلاك. ومع توالي أيام الشهر الفضيل، نرقب تجلي مجتمع الاستعراض بوضوح، حيث لم تعد القيمة تكمن في جوهر الفعل، بل في بريق تمثيله وتصويره.
وهذا التحول يضع الصائم في مأزق نفسي بين رغبته الفطرية في السكينة، وسطوة ترندات رمضان التي تملي عليه أدق تفاصيل عيشه. ودعني أخبرك أن هذا المقال ليس نقداً للمظاهر الرمضانية، بل محاولة لفهم الصراع النفسي بين الذات الحقيقية الباحثة عن المعنى، والذات المزيفة اللاهثة خلف القبول الاجتماعي.
محتويات المقال
لماذا ينساق الكثيرون وراء مواكبة ترندات رمضان؟
تتداخل الرؤى النفسية والفلسفية لتكشف أن اندفاعنا نحو ملاحقة ترندات رمضان ليس مجرد اختيار عابر، بل هو نتاج تفاعل معقد بين بناء الذات المزيفة وآلية الرغبة المحاكية. فوفقاً لما كشفت عنه دراسة بحثية حديثة نشرتها مجلة العلوم السلوكية في مايو/أيار 2025، لا تقتصر هذه الذات المزيفة على كونها قناعاً اجتماعياً بسيطاً، بل هي نظام حماية نشط يرتكز على تصدير ذات مثالية تتناغم مع التوقعات الخارجية وتواري خلفها المشاعر الأصيلة.
ويتقاطع هذا المفهوم مع رؤية عالم النفس البريطاني دونالد وينيكوت، الذي يرى أن الإنسان قد يضطر لبناء هذه الذات باعتبارها آلية دفاعية لحماية ذاته الحقيقية من بيئة لا تتقبل عفويته؛ حيث تتحول مواقع التواصل الاجتماعي في رمضان إلى سلطة عليا تفرض معايير صارمة للقبول، ما يجعل المبالغة في تنسيق الموائد أو استعراض الطقوس محاولات لتغذية هذا القناع الاجتماعي لضمان الانتماء الرقمي.
هذا السعي لترميم القناع الاجتماعي يجد محركه الخفي فيما يسميه المختص النفسي مات جونسون "الرغبة المحاكية"، وهي النظرية التي وضعها الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار، وتفترض أن رغباتنا ليست نابعة من احتياجاتنا الذاتية، بل هي مجرد محاكاة لما يريده الآخرون.
فنحن في حقيقة الأمر لا نشتهي منتجاً أو نمط حياة معيناً لقيمته الجوهرية، بل لأننا نرى نموذجاً، سواء كان مؤثراً أم صديقاً، يمتلكه أو يظهره بوصفه شيئاً مرغوباً، ما يحول رغباتنا الشخصية إلى مرآة تعكس ما يملكه الآخرون لا ما نحتاج إليه نحن. وبناء على ذلك، يصبح سلوكنا في رمضان مزيجاً من سلوكيات تعمد إلى تزييف الحقائق وتهدف لحصد القبول لا لتجسيد القناعات، وهو ما يفضي في النهاية إلى تعميق الهوة بين الذات الحقيقية وتلك المزيفة.
ويؤدي هذا الانغماس في التقليد والمنافسة المحمومة بالضرورة إلى تآكل الهوية الفردية وفقدان الخصوصية النفسية، حيث نصبح مجرد أصداء لرغبات غيرنا، ونفقد القدرة على تمييز ما نريده حقاً عما يمليه علينا "الترند". فنحن في رمضان غالباً لا نشتري منتجاً بعينه لاحتياجنا إليه أو نزور مطعماً لمذاق طعامه، بل نشتري القبول الاجتماعي والقيمة التي أضفاها النموذج على ذلك الفعل، ما يوقعنا في فخ الاستهلاك المستمر بحثاً عن إشباع لرغبات زائفة لا تنتمي إلينا. وعندما نفشل في نهاية المطاف في مواكبة تلك الترندات المتلاحقة، يداهمنا شعور عميق بالخواء والاغتراب النفسي، نكتشف معه أننا استهلكنا طاقتنا في إرضاء الآخر بينما ضاعت هويتنا الأصيلة في زحام المحاكاة.
اقرأ أيضاً: كيف تستفيد من شهر رمضان في التمرس على ضبط النفس؟
كيف تستنزف ملاحقة ترندات رمضان صحتك النفسية؟
نشرت مجلة حوليات الطب والجراحة دراسة بحثية، أكدت أن التعرض المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي والترندات المرتبطة بها يؤدي إلى ارتفاع خطر الإصابة باضطرابات الصحة النفسية، منها على سبيل المثال:
- القلق والتوتر: وجد الباحثون أن الاستخدام المفرط لمنصات التواصل الاجتماعي يؤدي إلى اضطرابات النوم، وانخفاض الشعور بالسعادة، وزيادة مستويات التوتر والقلق السريري.
- تدني الصورة الذاتية: يخلق هوس مواكبة الترندات بيئة من المقارنات الاجتماعية غير الصحية، ما يؤثر سلباً في تقدير الذات ويزيد الحساسية تجاه الرفض الاجتماعي.
- تفاقم أعراض الاكتئاب: شعور بالفراغ الداخلي على الرغم من امتلاك كل أدوات الترند، لأن الأشياء لم تشبع الحاجة النفسية العميقة للمعنى.
- تبدد الشخصية: عندما يشعر الفرد بأنه مجرد "نسخة" مكررة من الصور التي يراها، سوف يفقد صلته بذوقه الأصيل ورغباته الحقيقية.
اقرأ أيضاً: احترام الذات: أسباب تدنيه ونصائح لتعزيزه
3 إرشادات عملية تحررك من ترندات رمضان وتعيد لك روحانيتك
التحرر من ترندات رمضان لا يعني بحال من الأحوال الانعزال عن العالم، ولكنك في الوقت نفسه لا تفقد ذاتك الحقيقية وتذوب في رغبات الآخرين. وحتى تستعيد روحانيتك في رمضان وتعبر عن نفسك، جرب النصائح التالية:
1. استعد فردانيتك
توضح المختصة النفسية، جيل غروس، أن الفردانية عند عالم النفس النمساوي، كارل يونغ، هي مسار التمايز عن الوعي الجمعي لاكتشاف الذات الأصيلة؛ فهي توازن يفكك الأقنعة الاجتماعية لتعيش وفق قناعاتك لا بحثاً عن قبول هش، وفي وقت الترندات الرمضانية المتلاحقة تصبح الفردانية ضرورة نفسية تضع حداً فاصلاً بين ضجيج الناس واحتياجك الفطري للسكينة؛ فالصائم الحقيقي هو من يملك شجاعة التحرر من التنميط الرقمي والاجتماعي، ليعيد للعبادة صبغتها الشخصية العميقة بعيداً عن قوالب منصات التواصل الاجتماعي الجاهزة.
2. اكتشف دوافعك
تؤكد المختصة النفسية، كيندرا تشيري، أن الوعي الذاتي هو قدرتك على إدراك الأمور التي تشكل شخصيتك وفهمها، بما فيها أفعالك وقيمك ومعتقداتك وعواطفك وأفكارك. وحتى تعزز ذلك الوعي، اسأل نفسك بصدق؛ ما الذي يحرك خياراتك الرمضانية حقاً؟ هل تحب مشاركة صور الموائد أو ارتداء القفطان من باب الاحتفاء الجماعي، أم إن الأمر يتحول إلى استعراض رقمي يبتلع جوهر العبادة؟ حين تجيب عن السؤال بصدق سوف تكتشف إن كان اتباعك للترند الرمضاني مجرد مشاركة عفوية أم انسياقاً وراء الآخرين.
3. جرب الصيام الرقمي
وفقاً لما ذكرته دراسة بحثية أجرتها جامعة فوبرتال الألمانية، فإن استراتيجيات "الصيام الرقمي" الواعي تتلخص في تحويل الانقطاع عن الشاشات إلى منهج حياة خلال رمضان؛ يبدأ بفرض حدود مكانية وزمانية صارمة، كإبعاد الهاتف عن مائدة الإفطار وسجادة الصلاة، وتعطيل إشعارات التطبيقات التي تذكي نار المقارنة والسباق خلف ترندات رمضان. ومن الضروري إبلاغ المحيطين بأنك لن تكون متاحاً دائماً لتقليل الضغط النفسي، والعودة لاستخدام البدائل التقليدية كالمصحف الورقي والمنبه المكتبي لكسر الارتباط بالشاشة.
ويوضح استشاري الطب النفسي، عبدالإله الحديثي، أن الصيام الرقمي، يقلل القلق والتوتر، ويحسن المزاج والنوم، ويزيد التركيز عبر خفض المقارنة الاجتماعية والتنبيه المستمر.
اقرأ أيضاً: الصيام الرقمي عادة صحية أم حلم غير قابل للتحقيق؟