هل تساءلت يوماً عن سبب تفضيلك نوعاً معيناً من الشاي، أو شعورك بالراحة مع أغنية معينة، أو انجذابك لأشخاص بعينهم، أو حتى علامة تجارية تحب استخدام منتجاتها دون غيرها؟ في الواقع، أنت لست غريب الأطوار، لكنك تقع تحت تأثير مبدأ الألفة أو ما يعرف باسم تأثير التعرض المتكرر الذي يعد حجر الزاوية في فهم الكثير من خياراتك الشخصية اليومية، بدءاً من المنتجات التي تشتريها مروراً بالأشخاص الذين تفضل قضاء الوقت بصحبتهم، وسوف يوضح لك هذا المقال ماهية مبدأ الألفة، وما هو الأساس النفسي لهذا المبدأ، وكيف تتجنب ضرره.
محتويات المقال
ما هو مبدأ الألفة؟
وفقاً لمنصة "بيتر هيلب" المتخصصة في التوعية بالصحة النفسية، فإن مبدأ الألفة قد صيغ على يد عالم النفس الاجتماعي روبرت زايونك، وذلك خلال ستينيات القرن الماضي، حيث أجرى زايونك عدة تجارب بحثية على هذا المفهوم من خلال عرض صور كلمات أجنبية ووجوه غريبة على بعض المشاركين، وبعد عرض المحفزات، طلب منهم زايونك تقييم مستوى استمتاعهم بالصور، وقد استمتع المشاركون عموماً بالصور المألوفة أكثر من غيرها.
ويمكن القول إن مبدأ الألفة هو ظاهرة نفسية تشير إلى ميل الناس إلى تفضيل الأشياء لمجرد أنهم على دراية بها، بمعنى آخر، كلما زاد تعرضنا لشيء ما، سواء كان شيئاً مادياً، أو شخصاً، أو فكرة، أو حتى صوتاً، زاد احتمال إعجابنا به دون الحاجة إلى مكافأة أو تفاعل مباشر. ولا يتطلب مبدأ الألفة إدراكاً واعياً أو ذاكرة نشطة لتجارب سابقة؛ إذ يمكن أن يعمل هذا التأثير على مستوى اللاوعي تماماً، ومن أهم الأمثلة الواقعية على مبدأ الألفة:
- الإعلانات التجارية: هناك سبب وجيه لتكرار رؤية إعلانات المنتجات والخدمات نفسها مراراً وتكراراً؛ فكلما زاد تعرضك للإعلان، ازداد شعورك بالألفة تجاه المنتج، وزادت احتمالية شرائك له.
- الموسيقا: يميل الأشخاص إلى تفضيل الأغاني التي سمعوها من قبل على الموسيقا الجديدة التي لم يسمعوها، وهذا هو السبب الذي قد يدفعك إلى الاستماع إلى قائمة تشغيل لأغانيك المفضلة عندما تشعر بالتوتر.
- الأشخاص: في أماكن العمل أو المدارس، يميل الناس إلى تكوين روابط أقوى مع من يلتقون بهم بصورة متكررة، حتى لو كانت التفاعلات في البداية محايدة أو غير مهمة، فإن الألفة الناتجة عن التعرض المتكرر قد تؤدي إلى مشاعر الإعجاب وزيادة الألفة، لذلك لو راقبت سلوكك من كثب ستجد أنك تفضل الأشخاص في فريقك لأنهم مألوفون بالنسبة إليك.
اقرأ أيضاً: ما هو مبدأ الوعي بالرغبة؟ وكيف توظفه لتعزيز مهارة التنظيم الذاتي؟
لماذا يفضل دماغك الأشياء المألوفة؟
تؤكد منصة "فيري ويل مايند" للصحة النفسية أن الأسباب الدقيقة التي تؤدي إلى ظاهرة مبدأ الألفة أو تأثير التعرض المتكرر غير واضحة، لكن هناك بعض التفسيرات المحتملة منها على سبيل المثال:
1. تقليل حالة عدم اليقين
أحد التفسيرات المهمة لهذا المبدأ هو أن زيادة الألفة تسهم في التغلب على عدم اليقين؛ فالأشياء التي تتعرض لها باستمرار، تبدو أقل تهديداً وإثارة للقلق، ويستند هذا التفسير إلى علم النفس التطوري؛ فحين عاش أسلافنا في بيئات خطرة، كان الشيء "الجديد" يعني احتمال وجود خطر، أما الشيء الذي رأيته عدة مرات ولم يتسبب بإيذائك فهو بالضرورة "آمن"، لذا فإن التطور برمج أدمغتنا على الحذر من الغريب والارتياح للمكرر.
2. تسهيل معالجة البيانات
اختيار الأشياء التي تألفها يقلل الجهد المبذول لمعالجة الأشياء في العالم من حولك وتفسيرها، وخاصة أن الموارد المعرفية واسعة وقدرتك على الانتباه محدودة، لذلك فأنت غالباً تميل إلى التمسك بما هو مألوف حتى تحافظ على تركيزك وتوجهه إلى أمور أخرى، بالإضافة إلى ذلك فإن دماغك يختار الأشياء المألوفة كي يوفر الطاقة المبذولة في معالجة المعلومات.
3. تهدئة مشاعر القلق والتوتر
تخيل أنك واجهت وقتاً عصيباً في العمل، أو كان لديك مشروع صعب عليك إنجازه في أقرب وقت، فحين تختار الراحة في هذه الحالة سوف تميل إلى مشاهدة مسلسل تعرفه جيداً أو أغنية سمعتها من قبل مراراً وتكراراً، وذلك لأن الأشياء والأنشطة المألوفة تهدئ مشاعر القلق والتوتر.
4. تأثير الألفة في المسارات العصبية
التعرض المتكرر يحفز مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والعاطفة، مثل القشرة الجبهية الحجاجية، وعندما يصبح المحفز مألوفاً، ينخفض نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف والاستجابة للتهديد، ويزيد النشاط في المسارات المرتبطة بالمكافأة، ما يعزز الارتباطات الإيجابية ويفسح المجال لمشاعر القبول والألفة.
اقرأ أيضاً: لماذا يشعر البعض بأنه شاهد شريط حياته مسبقاً؟ وما معنى ذلك؟
الوجه المظلم لمبدأ الألفة: كيف يضرك هذا المبدأ ويعوق تطورك؟
على الرغم من أن مبدأ الألفة يساعدك على بناء الروابط الاجتماعية والشعور بالاستقرار، فإنه يحمل مخاطر كبرى؛ خاصة إذا تركته يقود دفة حياتك دون وعي. وتشرح منصة "فيري ويل مايند" أهم تلك المخاطر وهي:
- الوقوع في فخ الرتابة والجمود: على سبيل المثال، يمكن أن يدفعك هذا المبدأ للبقاء في وظائف محبطة أو علاقات سامة لمجرد أنها مألوفة، وذلك خوفاً من المجهول الذي قد يكون أفضل.
- التحيز واتخاذ قرارات خاطئة: ففي مجال العلاقات أو العمل قد تختار شخصاً خاطئاً أو شركة محدودة القدرات لمجرد أنك تسمع اسمها كثيراً، وليس بناء على الكفاءة أو الجدارة.
- الاستسلام للتلاعب التجاري: وذلك من خلال الاستهلاك المفرط لمنتجات غير صحية أو غير ضرورية نتيجة التعرض المستمر للإعلانات التجارية.
- مقاومة التغيير والتطوير: في بيئات العمل، قد يرفض بعض الأشخاص تطوير أنفسهم لمجرد أنهم اعتادوا أداء المهام اليومية نفسها، وهو ما يسمى بـ "مقاومة التغيير بسبب الألفة".
اقرأ أيضاً: متى يكون التغيير ضرورة؟ ولم نخاف منه؟
كيف تتجنب ضرر مبدأ الألفة وتتعلم خوض تجارب جديدة؟
هناك بعض الاستراتيجيات التي يمكنها مساعدتك في تجنب ضرر مبدأ الألفة أو تأثير التعرض المتكرر، وأهم هذه الاستراتيجيات:
1. تعرف إلى أنماطك ورسخ أنماطاً جديدة
تنصح منصة سيكولوجي توداي بضرورة التعرف جيداً إلى الأنماط السابقة دون أن تصدر أحكاماً على نفسك، بعد ذلك، ابدأ بتنمية وعيك وحاول خلق أنماط جديدة، وإذا وجدت نفسك عالقاً في تأثير مبدأ الألفة وغالباً ما تلجأ دائماً إلى الاختيارات نفسها، فخذ لحظة لتحدي نفسك واسألها: هل هذا ما تريده حقاً، أم إنك تميل إليه لأنه الشيء الوحيد الذي تعرفه؟
2. جرب أنشطة جديدة
تحد نفسك واخرج من منطقة راحتك وجرب أشياء متنوعة بدلاً من التمسك دائماً بما هو مألوف. على سبيل المثال، اطلب طبقاً مختلفاً في مطعمك المفضل، واشرب نوعاً مختلفاً من الشاي، واستمع إلى موسيقا جديدة لم تسمعها من قبل، وسافر في إجازة إلى أماكن لم تزرها قط. سوف تساعدك هذه التجارب الجديدة على اكتشاف أشياء تحبها خارج نطاق المألوف لديك.
3. غير روتينك قليلاً
الحقيقة أن الروتين مفيد جداً لصحتك النفسية، ولكن من الجيد أيضاً تغيير الأمور بين الحين والآخر، على سبيل المثال، إذا كنت تقضي أمسيات الجمعة دائماً في مشاهدة حلقات معادة من مسلسلك المفضل، فحاول أن تفعل شيئاً مختلفاً، اتصل بصديقك المقرب لقضاء أمسية ممتعة مع لعبة الشطرنج، أو اخرجا معاً للمشي في الهواء الطلق، أو يمكنك تجربة صنع أكلة جديدة.
4. تعرف إلى وجهات نظر جديدة
من السهل أن تقع في فخ فقاعة فكرية حين تحيط نفسك بأشخاص وآراء ووجهات نظر تشبه إلى حد كبير ما تحب. لذلك احرص على البحث بنشاط عن وجهات نظر متنوعة ومختلفة عن وجهة نظرك في الأخبار التي تتابعها، أو الأفلام التي تشاهدها، أو الكتب التي تقرؤها، أو الأشخاص الذين تتابعهم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وذلك لأن تعريض نفسك لأفكار جديدة يساعدك على أن تكون أكثر انفتاحاً ومن ثم تتخلى عن المألوف وتجرب أشياء جديدة.
5. تقبل حالة عدم اليقين
أميل كثيراً إلى اختيار الأشياء المألوفة؛ أقرأ النوع نفسه من الروايات والكتب منذ أعوام طويلة، عملت في المهنة نفسها سنوات، وأشاهد نوع الدراما نفسه، أخاف كثيراً من المجهول وأحب أن تكون الأمور كلها تحت سيطرتي الكاملة، لكن دعوني أخبركم سراً؛ هذا أمر ممل للغاية، وغالباً ما أستيقظ كل صباح وأنا أتوقع تماماً مسار يومي، ربما حان وقت التغيير وتقبل حالة عدم اليقين التي تميز الحياة.
وفي هذا السياق يؤكد استشاري الطب النفسي، عبد الله بن سلطان السبيعي، ضرورة تقبل حالة عدم اليقين لأن الحياة كلها مبنية على الاحتمالات، ويضيف السبيعي أن هذا القبول لا يعني اليأس والاستسلام بل يعني أن بعض الأشياء خارجة عن إرادتك، ودورك هو القبول بها والاعتراف بأن ثمة أموراً خارج نطاق سيطرتك.