أجرى فريق من كلية علم النفس في جامعة نوتنغهام (the University of Nottingham) دراسة بحثية حديثة نشرتها مجلة علم النفس الصحي (the Journal of Health Psychology) في مارس/آذار 2025، توصلت إلى نتيجة مفادها أن قلة النوم تجعل الأشخاص أكثر عرضة لتصديق نظريات المؤامرة، فما هي علاقة النوم بتلك النظريات؟ إليك الإجابة عبر هذا المقال.
محتويات المقال
كيف اكتشفت الدراسة العلاقة بين قلة النوم وتصديق نظريات المؤامرة؟
أوضحت الدراسة البحثية السابق ذكرها أن قلة النوم تجعلك عرضة لمجموعة واسعة من مشاكل الصحة النفسية والجسدية، بما في ذلك أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والقلق والاكتئاب، ولكن هل كنت تعلم أن قلة النوم يمكن أن تجعلك تصدق نظريات المؤامرة على نحو واضح! دعني أحاول أن أبسط لك طبيعة العلاقة المعقدة بين قلة النوم والإيمان بنظرية المؤامرة.
في البداية؛ تُعرّف نظرية المؤامرة (Conspiracy Theory) على أنها ادعاءات بأن جماعات قوية وسرية تتصرف وفقاً لمصالحها الذاتية على حساب المجتمع، علاوة على تنفيذ أفعال غير قانونية، والأشخاص الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة يتوصلون في أغلب الأوقات إلى افتراضات لا أساس لها من الصحة وتتناقض مع حقائق الحياة البسيطة، وقد حذّر علماء النفس من العواقب الوخيمة للإيمان بنظريات المؤامرة، مثل زيادة التردد في تلقي اللقاحات والتشكك في تغير المناخ.
ويمكن القول إن الإيمان بنظريات المؤامرة يتأثر بعدة عوامل نفسية واجتماعية منها على سبيل المثال:
- التحيزات المعرفية، مثل التحيز التأكيدي الذي يعني الانتباه فقط للمعلومات التي تُؤكد معتقداتك، واختيار مصادر إخبارية تدعم وجهة نظرك ما يجعلك أكثر عرضة للتفكير التآمري.
- تأثير البيئة الاجتماعية بما في ذلك الأعراف المجتمعية مثل التفكير الحدسي أو الإيمان بالخرافات.
- السمات الفردية للشخصية مثل النرجسية تجعلك تصدق نظريات المؤامرة.
- قلة النوم تزيد التحيزات المعرفية وتؤدي إلى سوء الحالة المزاجية، ما يرفع احتمالية قبولك لتفسيرات المؤامرة.
وقد شملت هذه الدراسة البحثية تجربتين؛ طلب الباحثون المشاركون في التجربة الأولى من 540 متطوعاً قراءة إحدى مقالتين حول حريق كاتدرائية نوتردام في باريس عام 2019، وبينما تلقى بعض المتطوعين ملخصاً مُوثقاً للحادث المدمر، استعرض آخرون قصةً زعمت أن الحريق ينطوي على مؤامرة، وبعد استطلاع آراء المتطوعين، لاحظ الباحثون أن أولئك الذين كانت جودة نومهم أسوأ، أظهروا اهتماماً أكبر بنظرية المؤامرة وذلك مقارنة مع الذين نالوا قسطاً كافياً من الراحة.
وكشفت الدراسة الثانية، التي شملت 575 متطوعاً من المُصابين ببعض حالات الصحة النفسية مثل الاكتئاب والبارانويا والغضب، أن تلك الاضطرابات تسهم إسهاماً محورياً في فهم العلاقة بين قلة النوم والإيمان بنظرية المؤامرة، وقد أكدت النتائج أن قلة النوم ترتبط بالتفكير التآمري، وأن الاكتئاب هو الرابط الأقوى بينهما، بمعنى آخر، ساعد الاكتئاب المتزايد على تفسير سبب ارتباط قلة النوم بتصديق نظرية المؤامرة.
ويعتقد أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة نوتنغهام والمؤلف الرئيسي للدراسة، دانيال جولي (Daniel Jolley)، أن النوم ضروري جداً من أجل تحسين الصحة النفسية والوظائف الإدراكية، حيث أثبتت الدراسة أن قلة النوم تزيد خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق والبارانويا، وهي عوامل تعزز معتقدات المؤامرة، والحقيقة هي أن الإيمان بتلك المعتقدات قد يكون له آثار سلبية للغاية، على سبيل المثال، ترتبط نظريات المؤامرة بالتردد في تلقي اللقاحات وهو الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع على مواجهة الأمراض والأوبئة مثل كوفيد-19.
اقرأ أيضاً: لماذا يؤمن البعض بنظرية المؤامرة؟ وكيف تتناقش معه؟
لماذا ينجذب بعض الأشخاص إلى نظريات المؤامرة؟
تشرح أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة كينت في المملكة المتحدة (the University of Kent)، كارين دوغلاس (Karen Douglas)، أن هناك بعض الدوافع النفسية التي تجعلك تميل إلى تصديق نظرية المؤامرة وهي:
الدافع المعرفي
يتمثل هذا الدافع في الحاجة إلى المعرفة والمعلومات واليقين، على سبيل المثال عندما يقع حدث كبير، يرغب بعض الأشخاص في الحصول على تفسير لحدوثه، والأهم من ذلك، أنهم يريدون التأكد من هذا التفسير، وفي حال شعر هؤلاء الأشخاص بعدم اليقين في مواقف معينة ينجذبون إلى نظريات المؤامرة، وذلك لأنها توفر لهم اليقين، وتضيف دوغلاس أن الخلفيات التعليمية للأشخاص تؤدي دوراً محورياً؛ وذلك لأن الأفراد أصحاب التعليم المنخفض يفتقرون إلى مهارات التفكير النقدي ومن ثم لا يمكنهم التمييز بين مصادر المعلومات الموثوقة وغير الموثوقة.
الدافع الوجودي
هذا الدافع يجعل بعض الأشخاص يبحثون عن الشعور بالأمان والطمأنينة في عالمهم، وذلك رغبة في الإحساس بالسيطرة، وحين يحس هؤلاء الأشخاص بالعجز وفقدان السيطرة في مواقف محددة يميلون إلى الانجذاب نحو نظريات المؤامرة بحثاً عن الشعور بالأمان.
الدافع الاجتماعي
يعكس هذا الدافع رغبة بعض الأفراد في الشعور بالرضا عن أنفسهم والرضا عن المجموعات التي ينتمون إليها، فعلى المستوى الفردي، حين يعتقد الأشخاص بأنهم يستطيعون الوصول إلى المعلومات والحقيقة بينما لا يمتلك الآخرون تلك المعرفة، فإن ذلك يمنحهم شعوراً بالتفوق على الآخرين ويغذي احترام الذات، وعلى مستوى الجماعة، يميل من يؤمنون بنظريات المؤامرة إلى المبالغة في تقدير أهمية جماعتهم بينما الجماعات الأخرى ليست كذلك.
اقرأ أيضاً: 3 أسباب تشرح لك لماذا قد يصدق البعض الأخبار الكاذبة
4 نصائح تساعدك على تحسين جودة نومك
تؤثر قلة النوم في قدرتك على التذكر والتركيز واتخاذ القرارات الصائبة، كما تجعلك أكثر عرضة لتصديق نظرية المؤامرة، وحتى تُحسّن جودة نومك، اتبع النصائح التالية:
التزم بجدول نوم منتظم
خصص نحو 7 ساعات للنوم يومياً، وحتى تحصل على قسط كافٍ من الراحة، اذهب إلى السرير واستيقظ في الوقت نفسه كل يوم، بما في ذلك عطلات نهاية الأسبوع، وذلك لأن الالتزام بمواعيد منتظمة يعزز دورة النوم والاستيقاظ في جسمك، ولكن إذا لم تنم في غضون 20 دقيقة تقريباً من موعد نومك، فاخرج من الغرفة ومارس نشاطاً مريحاً، يمكنك على سبيل المثال، القراءة أو الاستماع إلى موسيقى هادئة.
هيئ لنفسك بيئة مريحة
حافظ على غرفتك باردة ومظلمة وهادئة، وتجنب الاستخدام المُطول لهاتفك قبل النوم مباشرةً؛ إذ يؤكد مختص طب النوم، مشني السعيد، أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة يُعطّل إفراز هرمون الميلاتونين الذي يساعد على النعاس ويؤدي دوراً في تنظيم النوم، وينصح السعيد بضرورة الاستثمار في فراش مريح ووسائد داعمة تعزز جودة النوم، يمكنك أيضاً استخدام ستائر مُعتمة للغرفة، علاوة على ذلك، حاول ممارسة أنشطة مُهدئة قبل النوم، مثل الاستحمام أو استخدام تقنيات الاسترخاء.
اقرأ أيضاً: كيف تؤثر تهوية غرفتك في جودة نومك؟
قلّل وقت قيلولة النهار
قد تؤثر قيلولة النهار الطويلة في جودة نومك ليلاً، ولهذا اجعل القيلولة ساعة واحدة فقط ولا تجعلها في وقت متأخر من النهار، ولكن إذا كنت تعمل في ورديات ليلية فقد تحتاج إلى قيلولة طويلة قبل العمل لتعويض نقص النوم لديك.
اتبع نمط حياة صحياً
يرتكز نمط الحياة الصحي على النظام الغذائي الجيد وممارسة الرياضة بانتظام، وحتى تُحسّن جودة نومك، مارس التمارين الرياضية خلال النهار فقط حتى تتمكن من النوم بعمق، وعلى الجانب الآخر، انتبه لما تأكله وتشربه خاصة قبل النوم، على سبيل المثال، لا تذهب إلى الفراش جائعاً أو ممتلئاً وتجنب تناول وجبات دسمة أو كبيرة قبل النوم بساعتين، بالإضافة إلى ذلك، ابتعد عن الكافيين قبل النوم.
ماذا تفعل لتُحصّن نفسك ضد تصديق نظريات المؤامرة؟
يمكن القول إن تحصين نفسك ضد تصديق نظريات المؤامرة ومحاولة تجنبها منذ البداية، أسهل من تصحيح المسار بعد انغماسك فيها، وذلك لأن الأشخاص المتمسكين بمعتقد معين غالباً لا يرغبون في تغييره، وإليك أهم الإرشادات التي ستساعدك على تجنب تصديق نظريات المؤامرة:
مارس التفكير النقدي
تشرح أستاذة علم الاجتماع في جامعة هارفارد (Harvard University)، نادية براشير (Nadia Brashier)، التي تدرس أسباب تصديق الناس للأخبار الكاذبة والمعلومات المُضللة، أن الأشخاص عادة ما يميلون إلى تصديق نظريات المؤامرة بسبب التفكير الكسول، ولهذا تنصح براشير بضرورة دفع نفسك خارج هذا التفكير، وحين تُعرض أمامك المعلومات أو البيانات يجب عليك أن تسأل نفسك أولاً "هل هذه المعلومات متحيزة؟ أم دقيقة" وفي كل الأحوال لا تعتمد أبداً على مصدر واحد من أجل تلقي المعلومات واحرص على تصفح مصادر مختلفة وموثوقة.
تحقق من مصدر المعلومات
تنتشر نظريات المؤامرة اليوم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، وعلى الرغم من أن الإنترنت سهّل علينا التواصل وتبادل المعلومات، فإنه سهّل أيضاً انتشار نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة، ولذلك عليك التحقق من مصدر المعلومات جيداً، وإذا حدث وشاهدت خبراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، اسأل نفسك "هل مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي الذي شارك هذه المعلومات موثوق؟ هل هو تابع لمنظمة إعلامية محترفة؟ هل هو خبير أم يدّعي أنه خبير؟ من أين حصل على هذه المعلومات؟
افحص الصور ومقاطع الفيديو المصاحبة لمنشورات التواصل الاجتماعي
غالباً ما يستخدم الأشخاص المؤمنون بنظرية المؤامرة صوراً قديمة أو مُعدّلة من أجل دعم موقفهم، لذلك أجرِ بحثاً عكسياً عن الصور على جوجل لمعرفة إذا ما كانت الصورة قد ظهرت في مكان آخر، أو حدث التلاعب بها، إذا كان الأمر كذلك، فهناك احتمال كبير يؤكد تعرضك للتلاعب أنت أيضاً.
فكر جيداً قبل المشاركة
قبل أن تشارك منشوراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، تأكد أولاً من صحة المعلومات ثم اسأل نفسك؛ هل القصة واقعية؟ هل النبرة موضوعية، أم إنها مثيرة؟ هل يعكس العنوان القصة بدقة؟ وتأكد جيداً أن نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة تنتشر من خلال إثارة رد فعل قوي من المؤمنين بها، ولهذا إذا أزعجتك المعلومات أو أغضبتك، فقد يكون ذلك علامة على تعرضك للتلاعب.
جرّب التخيل الموجه
أكدت دراسة بحثية نشرتها مجلة الشخصية والفروق الفردية (Personality and Individual Differences) خلال عام 2023 أن هناك علاقة بين القلق ونظرية المؤامرة، حيث كشفت نتائج الدراسة أن الأفراد الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة يعانون مستويات أعلى من القلق، ويحاولون تقليلها عبر تصديق المعلومات المضللة لنظرية المؤامرة، ولهذا حين تداهمك الأفكار السلبية الساحقة المصاحبة للقلق وتجعلك تصدق أفكار المؤامرة جرب التخيل الموجه، أغلق عينيك وتخيل أنك على الشاطئ في أثناء عطلة الصيف، واستبدل بالسيناريوهات الأسوأ أخرى إيجابية.