ما هو معنى الأمان النفسي في العمل؟ وكيف تحققه؟

11 دقيقة
الأمان النفسي في العمل
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

يشير مفهوم الأمان النفسي في بيئة العمل إلى شعور الموظف بالقدرة على التعبير عن أفكاره وأسئلته ومخاوفه، وحتى أخطائه، دون خوف من العقاب أو السخرية أو الإقصاء. ويعد هذا الأمان أحد العوامل الأساسية التي تعزز الإنتاجية، وتدعم الإبداع، وتفتح المجال للتعلم والتطوير المستمر. وحت…

تخيل أنك في اجتماع مهم، وبينما يشرح مديرك خطة العمل المقبلة، تلاحظ إمكانية إجراء بعض التعديلات المهمة على تلك الخطة، هل ستقترح التعديل؟ أم ستلوذ بالصمت خوفاً من مديرك؟ هذا التردد البسيط الذي شعرت به يكشف الفرق الواضح بين بيئة عمل صحية، وأخرى غير صحية. والحقيقة أن ما يمنعك من اقتراح التعديل ليس نقص المهارة، بل غياب الأمان النفسي، فما هو المقصود بالأمان النفسي في العمل؟ وكيف يمكن تحقيقه؟ الإجابة تجدها في هذا المقال.

ما هو الأمان النفسي في العمل؟ 

وفقاً للجمعية الأميركية للطب النفسي، فإن الأمان النفسي هو الشعور بالقدرة على التعبير عن الآراء بحرية، وطرح الأسئلة، وإبداء المخاوف، وتقبل الأخطاء، ما يعني أن يحس الموظف بالقدرة على أن يكون على طبيعته، وأن يكون منفتحاً وصادقاً، وتشرح أستاذة القيادة والإدارة في كلية هارفارد للأعمال ومؤلفة كتاب "المنظمة الآمنة: خلق بيئة عمل آمنة نفسياً للتعلم والابتكار والنمو"، إيمي إدموندسون، أنه يجب على القادة إعطاء الأولوية لثقافة التعلم والابتكار لكي يشعر أعضاء الفريق بالراحة في التعبير عن آرائهم والمجازفة وتبادل المعلومات، وهذا لا يحدث تلقائياً، بل ينشأ بالجهد والاهتمام وتوفير الأمان النفسي، وعند تحقيقه تكون النتيجة فريقاً ومنظمة أكثر إبداعاً وإنتاجية ونجاحاً.

ويشرح الموقع الرسمي لكلية هارفارد للأعمال أن الأمان النفسي يرتكز على 4 عناصر أساسية، ولكي تكون بيئة العمل آمنة نفسياً يجب أن تستوفي هذه العناصر الأربع وهي:

  1. الاستعداد للمساعدة: إذ يؤمن الموظفون بأن طلب المساعدة أمر مقبول، وأن زملاءهم على استعداد لتقديمها.
  2. الشعور بالانتماء: إذ يحس الموظف أن خبراته وتجاربه المتنوعة ذات قيمة.
  3. تقبل الأخطاء والفشل: ينظر الموظفون إلى الأخطاء والإخفاقات على أنها مقبولة، باعتبارها فرصاً للتعلم.
  4. الحوار المفتوح: يرى الموظف أن الحوارات المفتوحة آمنة ويمكن المشاركة فيها.

ويمكن القول إن بيئة العمل الآمنة نفسياً لا تعني أن يكون الجميع لطفاء بعضهم مع بعض طوال الوقت، بل تعني أن يشعر الأفراد بحرية التعبير عن أفكارهم بصوت عال، والتحدث عن أفكارهم غير المكتملة، وتحدي الوضع الراهن بصراحة، وتبادل الملاحظات، والعمل معاً على حل الخلافات، لعلمهم أن القادة يقدرون الصدق والصراحة والتواصل الفعال، وأن أعضاء الفريق سيدعم بعضهم بعضاً.

اقرأ أيضاً: الأمان النفسي سر إبداعك في وظيفتك

لماذا يعد الأمان النفسي مهماً في بيئة العمل؟ 

يشرح خبير الصحة المهنية، سعود العمر، أن غياب الأمان النفسي في العمل يؤدي إلى انعدام الشغف وضعف الإبداع والابتكار، علاوة على ذلك، فإن بيئة العمل التي لا تدعم الأمان النفسي غالباً ما تكون بيئة سامة؛ إذ يحس الموظفون فيها بالخوف من التعرض للنقد، والخوف من ارتكاب الأخطاء وانعدام الثقة بين أعضاء الفريق، لهذا يعد الأمان النفسي مهماً للغاية، لأنه يساعد الأفراد والشركة على تحقيق التطور والنمو، ويحقق العديد من الفوائد التي نذكر منها على سبيل المثال:

1. تحسين الإبداع والابتكار 

عندما يعلم الموظفون أن بإمكانهم مشاركة أفكارهم بأمان، فإنهم سيطرحون أفكارهم الإبداعية؛ فمن دون بيئة آمنة نفسياً، قد يكتم هؤلاء الموظفون أفكارهم، ولن تعرفها الشركة أبداً، ما يعني أن البيئة الآمنة نفسياً تعزز الإبداع والابتكار.

2. تعزيز العمل الجماعي والتعاون 

الأمان النفسي في الشركة يعزز العمل الجماعي والتعاون بين أعضاء الفريق، وذلك لأن الموظفين يشعرون بالراحة في طرح أفكارهم دون خوف، ومن ثم يمكنهم التواصل بمستويات أعلى من الثقة، كما أن كل موظف يحس أن خبرته ذات قيمة ولهذا لن يشعر بالتهديد، بل على العكس سوف يرغب في المساهمة بخبرته ومؤهلاته من أجل تحسين أداء العمل، وهذا يجعل أداء الفريق أكثر كفاءة لأن أعضاءه يمكنهم البناء على أفكار بعضهم بعضاً وتطويرها.

3. زيادة الإنتاجية 

يستطيع الموظفون إنجاز المزيد من العمل، وطرح الأفكار الجديدة والمختلفة عندما يكونون في بيئة آمنة ولا يضطرون للقلق بشأن العواقب السلبية عند تجربة شيء جديد، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الإنتاجية في العمل.

4. تخفيف التوتر والاحتراق النفسي 

عندما تعمل في شركة ترسي دعائم الأمان النفسي، سوف يتلاشى شعورك بالتوتر والضغط، خاصة في ظل التقلبات المستمرة التي تكتنف ثقافة العمل الحديثة؛ ففي رحاب هذا الأمان، لن تحس بالقلق من فقدان وظيفتك بين عشية وضحاها، بل ستجد المساحة الكافية للإفصاح عن إنهاكك بصدق قبل أن تبلغ حافة الاحتراق النفسي. علاوة على ذلك، فإن المؤسسة التي توفر الأمان النفسي غالباً ما تضع الصحة النفسية لموظفيها في صدارة أولوياتها، ما يعني أنها تمنحهم بيئة مريحة، ورضىً وظيفياً حقيقياً ومستداماً.

اقرأ أيضاً: كيف تعزز الألعاب الصحة النفسية لفريق عملك؟

ما هي مراحل الأمان النفسي؟

هناك 4 مراحل للأمان النفسي، ينتقل الموظفون عبر كل مرحلة من هذه المراحل ليشعروا بالراحة في طرح التحديات أو الأسئلة والمخاوف، ووفقاً لمنصة "إنديد" فإن هذه المراحل هي: 

  1. مرحلة الاندماج: تلبي هذه المرحلة الشعور بالانتماء والقبول، حيث يحس الموظف بأن الآخرين في العمل يتقبلونه، ومن ثم يشعر بالأمان والراحة في التعبير عن نفسه.
  2. مرحلة التعلم: في هذه المرحلة، يشعر الموظف بالراحة في الانخراط بعملية التعلم، بما في ذلك ارتكاب الأخطاء، وطرح الأسئلة، وتقديم الملاحظات وتلقيها.
  3. مرحلة المساهمة: في هذه المرحلة، يشعر أعضاء الفريق بالرضا الوظيفي ومن ثم يسعون إلى إحداث فرق، ولهذا يستخدمون معرفتهم وخبراتهم وإمكاناتهم للمساهمة في بيئة العمل.
  4. مرحلة إحداث التغيير: تعد هذه المرحلة أعلى مراحل الأمان النفسي، وخلالها يسعى الموظف إلى تحسين الأمور في بيئة العمل وتغييرها، وذلك عبر تقديم الاقتراحات وتعديل أساليب العمل المعتادة.

5 استراتيجيات تساعد الموظفين على تحقيق الأمان النفسي

لا تظن أن الأمان النفسي مسؤولية الإدارة وحدها؛ فأنت بصفتك فرداً تشكل جزءاً من ثقافة العمل، وإليك كيف تبدأ بنفسك وتحقق الأمان النفسي بناءً على نصائح منصة "إنديد": 

  1. اطرح الأسئلة: حتى لو بدت لك ساذجة أو تافهة، وسوف يفعل الآخرون مثلك، وعند طرح سؤال، استمع إلى الإجابة بفعالية، وشجع النقاش المفتوح مع إدارة العمل ومع أعضاء فريقك.
  2. اطلب المساعدة: لا يعد طلب المساعدة علامة ضعف، بل هو دعوة واضحة لترسيخ الأمان النفسي؛ فعندما تبادر بطلب العون، تمنح الآخرين الإذن الضمني لفعل الشيء نفسه، بالإضافة إلى ذلك، فإن تلبية احتياجات زملائك يبني شبكة أمان نفسي داخل العمل، حيث يدرك الجميع أن المساندة ليست مجرد خيار، بل هي قيمة جوهرية تظلل الفريق بأكمله.
  3. كن صادقاً: سواء كنت تعبر عن رأيك أو تقدم نقداً بناءً، من المهم أن تكون صادقاً ومحترماً لأن هذا يظهر للآخرين أنه من الآمن مشاركة مشاعرهم، حتى لو كانت مختلفة عن مشاعر الآخرين في الفريق.
  4. عبر عن امتنانك: يتجاوز الامتنان أنه مجرد كلمة شكر ليكون أداة فعالة في بناء جسور الثقة؛ فعندما تثمن جهود زملائك في العمل، فإنك تمنحهم الأمان الذي يدفعهم للإفصاح عما يجول في خاطرهم دون حرج، مع مرور الوقت تتحول ثقافة التقدير إلى ممارسة جماعية، حيث يغدو الاعتراف بفضل الآخرين لغة مشتركة ترفع الروح المعنوية للمؤسسة بأكملها.
  5. أرس قواعد الثقة: إن بناء جسور الثقة مع زملائك يمنح الجميع مساحة من الراحة لطلب المساعدة، ومشاركة المخاوف، والإقدام على المخاطرة دون خوف، ومن شأن الحوار المفتوح أن يوطد العلاقات الإنسانية، ويرسخ شعوراً جماعياً بالأمان النفسي والانسجام داخل نسيج الفريق.

كيف يمكن للمدير تحقيق الأمان النفسي في العمل؟ 

بصفتك مديراً، هناك الكثير من الخطوات التي يمكن تنفيذها من أجل تحقيق الأمان النفسي لموظفيك، ومن أهم تلك الخطوات وفقاً للموقع الإلكتروني الرسمي لكلية هارفارد للأعمال:

1. تحدث عن الأمان النفسي وأعطه الأولوية

على الرغم من بساطة الأمر ظاهرياً، فإن الخطوة الأولى لخلق الأمان النفسي في العمل هي التحدث عنه، ومن خلال إعطاء الأولوية للأمان النفسي بصفتك مديراً، يمكنك تحديده وتبديد المفاهيم الخاطئة عنه. على سبيل المثال، الإحساس بالأمان النفسي في العمل يختلف عن شعور الراحة، الأمان النفسي لا يعني موافقة الجميع على أحد القرارات؛ بل يشجع أعضاء الفريق على تقبل الاختلاف للوصول إلى أفضل حل ممكن، بالإضافة إلى ذلك، يمكنك من موقعك مديراً أن تجري نقاشات مفتوحة حول الأمان النفسي وتظهر التعاطف وتشجع طرح الأسئلة.

2. شجع التعلم من الأخطاء 

تشجع بيئة العمل الآمنة نفسياً على مبدأ التجريب والتعلم من الأخطاء؛ لذا، امنح فريقك مساحة للمجازفة والإبداع. فحين يدرك أعضاء فريقك أن الفشل ليس نهاية الطريق، سيتوقفون عن رؤية الأخطاء بصفتها عقبات، وينظرون إليها باعتبارها فرصاً ثمينة للتعلم والتطور، ما يصب في نهاية المطاف في مصلحة الشركة ونجاحها المستدام.

3. عزز عملية الحوار البناء 

لا مفر من ظهور الخلافات واختلاف الآراء أحياناً في العمل، لكن تعزيز الحوار البناء يظهر للموظفين أن من الآمن طرح وجهات نظر مختلفة أو التعبير عن المخاوف. لهذا ضع قواعد محورية لكيفية التعامل مع الخلافات بين أعضاء الفريق بطريقة بناءة، ومع مرور الوقت سوف يشعر الموظفون بالأمان النفسي خاصة في ظل ثقتهم من أن طرح مخاوفهم يؤدي إلى نقاش بناء وأن الآراء المختلفة مقبولة.

4. عبر عن تقديرك للشجاعة في مكان العمل 

عندما يبدأ الموظفون في التقدم عبر مراحل الأمان النفسي، قد يحتاجون إلى تعزيز إيجابي للتحقق من قبول التعبير عن الآراء. وانطلاقاً من ذلك، عندما يعبر أحد الموظفين عن نفسه بصدق وشفافية -عبر طرح سؤال، أو تقديم ملاحظات، أو مشاركة فكرة إبداعية، أو الاعتراف بخطأ- بادر بالرد بتعبير صادق عن تقديرك أو إعجابك، وسوف يلاحظ الموظفون الآخرون ذلك ويدركون أن بإمكانهم هم أيضاً التعبير عن أنفسهم بصراحة.

5. أظهر اهتمامك بأعضاء الفريق بصفتهم أفراداً

يعد مد جسور التواصل الإنساني مع فريقك أمراً مهماً للغاية، لهذا جرب الاطمئنان على موظفيك، حتى تظهر اهتمامك بهم باعتبارهم أفراداً، إذ يمكن لهذا الإجراء البسيط أن يساعد أعضاء الفريق على الشعور براحة أكبر في التعبير عن آرائهم لأنهم يعلمون أنك تقدرهم على أنهم أفراد، وليس فقط منتج لعملهم.

6. وفر طرقاً متعددة للموظفين لمشاركة أفكارهم

بينما قد يشعر بعض الموظفين بالراحة في مشاركة أفكارهم في الاجتماع، قد يفضل آخرون مزيداً من الوقت للتفكير في ردودهم، لهذا شجع أعضاء الفريق على مشاركة ملاحظاتهم عبر البريد الإلكتروني، أو من خلال مجموعات الدردشة على واتساب، أو عبر النقاشات المباشرة وجهاً لوجه.

اقرأ أيضاً: رهاب النقص: عندما يعرقل الخوف من ارتكاب الأخطاء حياة الشخص

المحتوى محمي