نمط الحياة البطيء أم السريع: أيهما أفضل لصحتك النفسية؟

7 دقيقة
نمط الحياة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: نعيش في عصر يتسم بالسرعة وكل شيء يتم في لمح البصر؛ ولهذا قد يشعر بعض الأشخاص بالضغط ويركضون من أجل تحقيق الإنجازات قبل أن يمر الوقت. وعلى الجانب الآخر، ثمة حركة عالمية تدعو إلى التباطؤ حتى يستمتع الأفراد باللحظة الحاضرة، فما نمط الحياة الأنسب؟ وكيف يجب أن تسير وتيرة أيامنا؟ الإجابة من خلال هذا المقال.

“عندما تجري الأمور بسرعة، لا يمكن لأحد أن يكون متأكداً من أي شيء؛ أي شيء على الإطلاق، ولا حتى من نفسه”!

رواية “البطء” للكاتب الفرنسي ميلان كونديرا (Milan Kundera)

يبدأ أغلب الأشخاص بوضع أحلامهم الكبرى مع بداية العام الجديد كما يقوم آخرون بسرد إنجازات العام السابق؛ مئات الكتب التي قُرئَت، والمقالات والأبحاث التي كُتبت والأفلام التي شوهدت. الكل يتسارع ليكتب إنجازاته ويلهث من أجل تحقيق المزيد منها خلال العام الجديد، وبين هؤلاء وهؤلاء، كنت أقف في المنتصف لا أدري ماذا أفعل: هل أضع أهدافاً جديدة وكثيرة من أجل تحقيقها؟ أم أحاول الاستمتاع بأيامي ببطء ودون عجلة؟ هل يجب أن نحقق الكثير قبل أن يمر العمر؟ أم يمكننا التباطؤ من أجل الاستمتاع بالرحلة؟ وما السرعة الأنسب لقطع أيامنا؟ الإجابة من خلال هذا المقال.

ماذا يُقصد بـ “متلازمة إيقاع الحياة”؟

توضح مستشارة علم النفس التنظيمي هاجر القايدي إننا نختلف كثيراً في تعاملنا مع أحداث الحياة اليومية؛ بعضنا يسرّع وتيرة حياته ويستعجل النتائج، والبعض الآخر يتمهّل، وقد أطلق علماء الأعصاب على هذه الفكرة اسم “متلازمة إيقاع الحياة”، فإيقاع بعضنا عجول ويظهر ذلك في أنه يبدأ المشي قبل عامه الأول، وبعضنا الآخر إيقاعه بطيء إلى درجة أن والديه يدفعانه إلى الحركة.

ما هو نمط الحياة البطيء؟ 

يُقصد بنمط الحياة البطيء فن عيش الحياة بوتيرة مريحة. إن الحياة البطيئة في جوهرها، هي عقلية تقدر الجودة على الكمية، وعادة ما يتعلق الأمر بالتباطؤ والانفصال عن الضوضاء المستمرة والمشتتات والتركيز على ما يهمك حقاً، ويجب علينا القول إن الحياة البطيئة لا تعني الكسل أو عدم الإنتاج؛ حيث يتعلق الأمر برغبتك في أن تكون حاضراً من أجل الاستمتاع بالرحلة، وليس مجرد الإسراع للوصول إلى الوجهة.

وقد بدأ التعرف إلى نمط الحياة البطيء خلال عام 1986 حينما جمع الصحفي الإيطالي كارلو بيتريني (Carlo Petrini) مجموعة من الناشطين في ساحة المدرجات الإسبانية بروما لمساعدته في الاحتجاج على إقامة أول فرع لمطعم ماكدونالدز في إيطاليا. ولم يكتفِِ بيتريني بالاحتجاج فقط؛ حيث أسس حركة الطعام البطيء (Slow Food) من أجل العودة إلى طهو الطعام في المنزل والابتعاد عن الوجبات السريعة. وفيما بعد، انتقل المفهوم إلى مناحي الحياة الأخرى؛ حيث ظهر نمط الحياة البطيء كشكل من أشكال التمرد على ثقافة الصخب وسرعة وتيرة الحياة.

ما شكل أيامك وفق نمط الحياة البطيء؟

يؤكد الكاتب الصحفي كارل أونوريه (Carl Honoré) في كتابه “في مديح البطء: حراك عالمي يتحدى عبادة السرعة” (In Praise of Slowness)، إن حركة البطء لا تعني فعل كل شيء بإيقاع السلحفاة؛ كما أنها ليست محاولة لإعادة الكوكب إلى عصر ما قبل التكنولوجيا والتطور الصناعي؛ ولكنها تعني ألا يستسلم الإنسان لعبودية الوقت وأن يركز في اللحظة الحالية ويبطئ نفسه من أجل أن يفتح عينيه على الصورة الكبيرة. والحقيقة أن العيش وفق نمط الحياة البطيء له العديد من المميزات؛ مثل:

  1. تعزيز الصحة النفسية والرفاهية: توضح المعالجة النفسية سوزان أفيري ستيوارت (Susan Avery Stewart) إن نمط الحياة البطيء يعزز الصحة النفسية وذلك لأنه يقلل حدة التوتر؛ حيث إن القيام بالكثير من الأشياء والتسرع في محاولة إنجاز كل شيء أمر مرهق ويؤدي إلى رفع كمية هرمون التوتر (الكورتيزول) في الجسم إلى مستويات غير صحية مرتبطة بارتفاع ضغط الدم، وضعف وظائف المناعة، والاكتئاب، والصعوبات الإدراكية، وفقدان السيطرة العاطفية.
  2. توضيح أولويات الحياة: حين يكون لدينا الكثير من المهام اليومية التي يجب إنجازها، لا نملك الوقت الكافي حتى نفكر في الأشياء التي تهمنا حقاً؛ ولكن التباطؤ والتقاط الأنفاس يساعداننا في التركيز على أولوياتنا الحقيقية ويشجعاننا على التخلي عن الالتزامات والأنشطة الأقل أهمية. ونتيجة لذلك؛ تصبح الحياة أكثر اتساعاً، ومليئة بالمعنى، وأكثر بهجة.
  3. ممارسة اليقظة الذهنية: حين تعيش حياتك ببطء، ستتمكن من ممارسة اليقظة الذهنية بانتظام. واليقظة الذهنية هي ممارسة الحضور الكامل والانخراط في اللحظة الحالية. ومن خلال ممارسة اليقظة الذهنية، يمكننا تحسين تركيزنا وانتباهنا ورفاهيتنا بصفة عامة.
  4. تحسين العلاقات الاجتماعية: عندما نتباطأ ونتواصل مع الآخرين على مستوى أعمق، يمكننا تعزيز علاقاتنا وقضاء المزيد من الوقت مع الأشخاص الذين نحبهم.
  5. توليد الانسجام: تشرح المعالجة النفسية ستيوارت إن التحرك بوتيرة أبطأ يجلب إحساساً بالهدوء والسلام ويجعلنا نشعر بأننا على وئام مع الآخرين؛ في حين أن التسرع لا يحرمنا متعة الحاضر فحسب؛ بل يلحق الضرر بكيفية تعاملنا مع الآخرين.
  6. ممارسة الأنشطة المفضلة دون تأجيل: ما هوايتك المفضلة التي تساعدك على الاسترخاء والراحة؟ تخيل أن لديك المزيد من الوقت لممارستها، هل سبق لك أن قلت لنفسك “في الأسبوع المقبل، سأسجل في برنامج الفنون الذي كنت أرغب في تجربته” أو “هذا الصيف، سأذهب إلى رحلة  كنت أخطط لها منذ سنوات؟”. الحقيقة إن نمط الحياة البطيء سوف يسمح لك بممارسة الأنشطة المفضلة التي كنت تؤجلها بسبب نمط الحياة المتسارع والمهام الوظيفية التي لا تنتهي.

وعلى الرغم من مزايا نمط الحياة البطيء فإنه ليس مثالياً على طول الخط؛ حيث تعتقد المختصة الاجتماعية السريرية جوليا تشايلدز هيل (Julia Childs Heyl) إن العيش البطيء يمكن أن يسبب لك القلق والخوف، فقبل أن تقرر تبني نمط هذه الحياة يجب أن تكون مستعداً لمواجهة ما سينشأ في المساحة التي سوف تخلقها، فقد تواجه الحكم على الذات أو مشاعر غير مألوفة. وفي سياق آخر، قد تشعر بأنك متأخر عن العالم من حولك، ففي النهاية الجميع يضع الأهداف ويحقق الإنجازات، وفكرة العمل نحو تحقيق هدف تبدو متناقضة مع مفهوم الحياة البطيئة؛ وذلك لأن الهدف هو التباطؤ، والعيش أكثر، والعمل أقل.

اقرأ أيضاً: إلى كم من وقت الفراغ نحتاج يومياً حتى نشعر بالسعادة؟

ما أضرار العيش وفق نمط الحياة المتسارع؟ 

يتميز العالم الحديث بأسلوب حياة سريع الخطى يبدو أنه أصبح القاعدة بالنسبة إلى العديد من الأفراد، فنحن نعيش في عصر أصبح فيه كل شيء فورياً، بدءاً من الوجبات السريعة وحتى المراسلات بين الأشخاص. وفي حين أن أسلوب الحياة هذا قد يبدو مريحاً؛ إلا أنه يأتي أيضاً بنصيبه العادل من المخاطر التي يجب أن نكون على دراية بها والتي تتجسد في:

  1. اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية: تعد إيقاعات الساعة البيولوجية ضرورية للبقاء على قيد الحياة وذلك من أجل مواءمة الجسم مع ما يحدث في العالم الخارجي؛ ولكن إيقاع الحياة الحديث والمتسارع أدى إلى اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية؛ حيث تراقب النواة فوق التصالبية التي تعمل كالساعة الرئيسة للدماغ وتقع في أعماق منطقة ما تحت المهاد، شدة الضوء المحيط باستمرار، فالضوء الساطع في الصباح يضبط ساعة الجسم البيولوجية في أثناء النهار، ويدفع ظلام المساء الأعضاء إلى وضع الليل؛ حيث يتدفق هرمون الميلاتونين الذي يسبب النعاس؛ ما يُعِد الجسم للراحة. وإذا واجهت الساعة الداخلية ضوءاً ساطعاً في الليل فإن ذلك يؤثر في عملها. وبسبب العمل ليلاً نتيجة إيقاع الحياة المتسارع؛ ظهرت مجموعة كبيرة من المشكلات الصحية. وفي هذا السياق، تشرح أستاذة علم الأعصاب لورا فونكن (Laura Fonken) إن نمط الحياة الحديث له تأثيرات كبرى في وظائف الجسم؛ حيث يدمر الإيقاع الطبيعي ويمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب.
  1. الشعور المستمر بالإرهاق والتوتر: مع وجود الكثير مما يجب القيام به والقليل من الوقت، فمن السهل الوقوع في دائرة لا تنتهي من الركض من مهمة إلى أخرى؛ وهذا يمكن أن يؤدي إلى الإرهاق والقلق والتوتر.
  2. تدهور العلاقات الاجتماعية: تحتاج العلاقات الاجتماعية إلى الوقت من أجل أن تنمو وتزدهر؛ ولكن نمط الحياة المتسارع يجعلنا في عجلة من أمرنا طوال الوقت ولهذا نهمل استثمار الوقت والجهد في تعزيز علاقاتنا مع أحبائنا، وهذا يمكن أن يؤدي إلى مشاعر العزلة والوحدة، وحتى انهيار العلاقات.
  3. الضغط المستمر لتحقيق التوقعات العالية: في طريقنا إلى تحقيق النجاح، قد نجد أنفسنا نسعى باستمرار إلى تحقيق المزيد، ولا نشعر أبداً بالرضا عن إنجازاتنا؛ وهذا يمكن أن يؤدي إلى مشاعر عدم الكفاءة، والشك في الذات، والحاجة المستمرة إلى المقارنة مع الآخرين. وفي هذا السياق، يوضح مدير المركز الدولي للاستشارات النفسية محمد النحاس إن نمط الحياة الحديث حوّل الإنسان من بشر إلى شيء؛ حيث أصبحت قيمة الإنسان تُقاس بالأشياء التي حققها.
  4. عيش نمط حياة غير صحي: يمكن لنمط الحياة السريع أن يؤثر سلباً في صحتنا الجسدية؛ حيث  تعد عادات الأكل السيئة وقلة ممارسة الرياضة واضطرابات النوم من العواقب الشائعة لجدول أعمال مزدحم، ويمكن أن تؤدي هذه العادات غير الصحية إلى زيادة الوزن وضعف جهاز المناعة وزيادة خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

وعلى الرغم من سلبيات نمط الحياة المتسارعة فإنه يحمل بعض الإيجابيات؛ فمن خلال هذه السرعة تطورت المجتمعات وأصبح أفرادها أكثر إبداعاً، علاوة على أن نمط الحياة السريع يجعل الأشخاص أكثر قدرة على الإنتاج ومن ثم يزداد شعورهم بالسعادة والرضا. والحقيقة أن هذا النمط من الحياة أدى إلى دفع عجلة الابتكار وتسبب في زيادة الثروات وأسهم في الحد من هدر الوقت. وفي سياق متصل، يمكن القول إن  قدراً معيناً من التوتر مفيد؛ فالحياة دون المتطلبات والمفاجآت والتحديات سوف تكون مملة.

اقرأ أيضاً: ما الأثر الإيجابي الذي تخلفه تحديات الحياة في صحتك النفسية؟

ما السرعة الأنسب لقطع أيامك؟

إن اختيار نمط الحياة البطيء أو المتسارع هو تجربة فريدة تخص كل شخص؛ فالحدث الذي يعدّه البعض تحدياً مثيراً قد ينظر إليه الآخرون على أنه تهديد خطِر؛ ولهذا فإن إيقاع الحياة والسرعة الأنسب يختلفان بين شخص وآخر. ومع ذلك، هناك بعض الإرشادات التي يمكن أن تساعدك على عيش حياة صحية متوازنة:

  1. كن صادقاً مع نفسك: الخطوة الأولى والأهم لعيش حياة متوازنة هي الصدق مع النفس. عليك إعادة التفكير في أولوياتك والتفكير في الطريقة التي تريد أن تعيش بها. إذا كنت تشعر بالإرهاق المزمن وتستمر المشكلات في الظهور يومياً فهناك خطأ كبير في إيقاع حياتك وعليك أن تعدّله وفقاً لقيمك وأهدافك.
  2. خفف وتيرة سرعتك: إذا كنت تعيش وفق نمط الحياة المتسارع فلا بأس بإضافة بعض التباطؤ إلى يومك وذلك من خلال تقنية البومودورو (Pomodoro Technique) على سبيل المثال؛ التي ترتكز على التعامل مع الوقت على نحو مختلف قليلاً؛ حيث يمكنك العمل بجد واجتهاد مدة 25 دقيقة مع الابتعاد تماماَ عن عوامل التشتيت ثم الاستراحة مدة 5 دقائق وتكرار ذلك 3 مرات أخرى ثم أخذ استراحة مدة 30 دقيقة قبل بدء العملية مرة أخرى. وفي أثناء الاستراحة، تناول القهوة وحاول الاستمتاع بها أو امشِ في الخارج تحت ضوء الشمس واسمح لأشعتها أن تتخلل وجهك، ويمكنك التمدد في مكتبك دون أن تفعل شيئاً. وفي أثناء الإجازة الأسبوعية، استمتع بإعداد الطعام في البيت.
  3. عش بوعي: تحدَّ نفسك للتركيز على نحو كامل على نشاط واحد في اليوم. على سبيل المثال؛ هل يمكنك أن تكون حاضراً بالكامل في أثناء تنظيف أسنانك؟ لاحظ طعم معجون الأسنان الخاص بك، أو ركز مع رائحة القهوة والدخان الذي يتصاعد منها.
  4. قلل وقت الشاشات: حين ننتهي من أعمالنا ثم نبدأ تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، لن تشعر أدمغتنا بالراحة وسوف نرى أن حيوات الآخرين أفضل من حيواتنا ولديهم إنجازات أكبر ومن ثم سوف نشعر بأننا يجب أن نسارع لتحقيق المزيد؛ ولهذا من المهم أن نبتعد عن مواقع التواصل الاجتماعي حتى نحظى ببعض الراحة ونبطئ إيقاع أيامنا. في البداية، يمكنك الابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي قي أثناء تناول الوجبات وقبل النوم وفي أثناء قضاء الوقت في الطبيعة.
  5. أعطِ الأولوية لطقوس الرعاية الذاتية: وذلك من خلال ممارسة الأشياء التي تجعلك تشعر بالارتياح؛ مثل ممارسة الرياضة أو القراءة أو التمدد أو الطبخ أو كتابة اليوميات أو الخروج في الهواء الطلق.

في النهاية، أنت وحدك من يقرر نمط الحياة الذي يناسبه. إذا اخترت نمط الحياة البطيء سيأتي عليك وقت وتضطر إلى التسارع قليلاً لأن العالم من حولك كله سريع، وإذا تماشت حياتك مع النمط المتسارع يمكنك التريث قليلاً في بعض الأوقات؛ مثل وقت تناول الطعام وذلك بالتركيز على نكهات كل قضمة وقوامها، والاستمتاع بالأكل مع أحبائك.

المحتوى محمي !!