كيف يمكن لغسل الصحون أن يحسن صحتك النفسية؟

غسل الصحون
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يمكنك تحويل مهمة غسيل الأطباق من مهمة روتينية مزعجة إلى نشاط يقلل مستوى التوتر في حال نُفِّذ على نحوٍ صحيح ويقِظ!

بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وأحد أثرى أثرياء العالم، يستطيع من أجل تخفيف شعوره بالتوتر أن يذهب إلى أجمل المواقع على هذه الأرض، أو أن ينخرط في أي نشاط مهدئ للأعصاب أياً كان نوعه؛ لكنه اختار أن يغسل صحون العشاء كل يوم من أجل تخفيف القلق وزيادة الانتباه!

لقد قرأت ذلك على نحوٍ صحيح؛ غسيل الصحون هو الروتين الذي يواظب عليه بيل غيتس يومياً من أجل تصفية ذهنه!

حسناً، قد لا يبدو ذلك مقنعاً، إذاً ما رأيك فيما قالته أغاثا كريستي؛ أشهر الكتّاب عن الجريمة والروايات البوليسية: “إن أفضل الجرائم التي كتبتها في رواياتي قد خطرت لي وأنا أغسل الصحون، فغسل الصحون عمل قادر على تحويل أي شخص إلى قاتل مهووس من طراز رفيع”؟! فهل كانت أغاثا تقصد أن غسل الصحون عمل يجبرك على التفكير في قتل شخص ما، أم أنه عمل يلهمك للإبداع؟

حسناً، وفقاً لبعض الدراسات العلمية؛ فإن غسل الصحون تجربة من شأنها أن تقلل الشعور بالتوتر وتزيد نسبة الإلهام، وإليك كيف يمكن تحقيق ذلك.

اقرأ أيضاً: أنا أطهو، إذاً أنا موجود

أكثر من مجرد واجب منزلي: الجانب الآخر لغسيل الأطباق

توصلت دراسة نفذتها مجموعة من الباحثين بقيادة آدم هانلي (Adam Hanley) من جامعة فلوريدا، ونُشرت في دورية “اليقظة الذهنية” (Mindfulness)، إلى أن غسيل الأطباق بطريقة أكثر وعياً وتركيزاً يهدئ العقل ويقلل التوتر، فكيف ذلك؟

حسناً، سعت الدراسة أساساً إلى التحقق مما إذا كان بالإمكان استخدام غسيل الأطباق بمثابة ممارسة تأملية غير رسمية لتعزيز حالة اليقظة الإيجابية؛ أي تركيز الانتباه على المشاعر والأفكار في اللحظة الحالية؛ حيث افترض الباحثون أن تلقي المشاركين تعليمات عن غسل الصحون بطريقة واعية من شأنه أن يحقق قدراً أكبر من اليقظة والانتباه والتأثير الإيجابي، ويقلل في المقابل التأثير السلبي، بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى المبالغة في تقدير الوقت الذي يقضيه الشخص في غسيل الأطباق.

كانت النتيجة أن المشاركين الذين غسلوا الأطباق بانتباه؛ أي ركّزوا على شم رائحة الصابون والشعور بدرجة حرارة الماء ولمس الأطباق، قد ازداد شعورهم بالإلهام بنسبة 25% وانخفضت مستويات التوتر لديهم بنسبة 27%، في حين أن المجموعة التي لم تغسل الأطباق بانتباه وتعاملت مع المهمة مثل عمل روتيني لم تستفد من النشاط شيئاً.

جدير بالذكر أن حجم الدراسة كان صغيراً؛ إذ تألفت من 51 طالباً فقط. ومع ذلك، فقد اقترح الباحثون أنه يمكن تحقيق اليقظة الذهنية من خلال مجموعة متنوعة من الأنشطة اليومية الشائعة؛ وهو ما قد يسهم في تقليل التوتر وتحسين الرفاهية النفسية.

بالإضافة إلى ذلك، أشار الاختصاصي النفسي محمد عازب في مقابلة تلفزيونية إلى أن غسيل الصحون قد يسهم في تنفيس عن الانفعالات وتخفيض مستوى القلق وتحسين الحالة المزاجية.

اقرأ أيضاً: دليلك لتعزيز مرونتك النفسية ضد الصدمات

بالإضافة إلى غسيل الأطباق، كيف تمارس اليقظة الذهنية لتحسين صحتك النفسية؟

اليقظة الذهنية هي نوع من أنواع التأمل الذي تركز فيه انتباهك ووعيك على ما تحس به في اللحظة الراهنة؛ أي الإحساس الواعي بمحيطك بالإضافة إلى حالتك الداخلية في الوقت الحالي، بدلاً من العيش في الماضي أو الإسقاط على المستقبل، ودون إصدار أحكام أو تأويلات. باختصار؛ إنها الانتباه إلى ما هو موجود الآن.

اقرأ أيضاً: هل تغضب بسرعة؟ إليك 4 خطوات فعالة لحل هذه المشكلة

إذاً عليك أن تعلم أن تمضية وقت زائد في التخطيط، أو التفكير في حلول للمشكلات، أو أحلام اليقظة، أو التفكير بسلبية أو عشوائية؛ كلها أنشطة مستهلكة للطاقة، وقد تجعلك أكثر عرضة للضغط العصبي والقلق والاكتئاب. لذلك؛ يمكنك من خلال ممارسة اليقظة الذهنية أن تصرف انتباهك بعيداً عن هذا النوع من التفكير وأن توجهه الى الارتباط بالعالم من حولك.

ولقد ثبت أن اليقظة الذهنية تقلل التوتر والقلق وتحسِّن الانتباه والذاكرة وتعزز تنظيم المشاعر والتعاطف، بالإضافة إلى أنها تساعد على الخروج من دوامة المشاعر السلبية التي يسببها الكثير من الإجهاد اليومي والمزاج السيئ وعادة اجترار الأفكار السلبية، وتساعدك أيضاً على وضع الأحداث المُجهدة في منظورها الصحيح وبناء المرونة اللازمة للمستقبل.

اقرأ أيضاً: الأنا العليا: رقيب أم طاغية؟

إذاً، وفي حال اتبعت النهج الصحيح، ستصبح الأعمال اليومية مثل البستنة أو تنظيف المنزل أو غسيل الأطباق أو الاستماع إلى الموسيقا ممارسات في اليقظة الذهنية. ويمكنك تحقيق ذلك بأن تركز على الحاضر، وأن تهدئ هذا الصوت في داخلك؛ ذلك الصوت الذي يعلّق على ما تفعله وما فعلته وما ستفعله، وليس الهدف هنا إسكات ما يحدث في ذهنك؛ وإنما مراقبة أفكارك دون إصدار الأحكام، وإعادة تركيزك بلطف الى الحاضر عندما تلاحظ شرود ذهنك. وإن أردت أمثلة عملية، فانظر إلى التالي:

  • عند الغسيل: ركِّز على رائحة الصابون والإحساس بالفقاعات الدافئة على بشرتك.
  • عند المشي: لاحظ الأشجار والمنازل التي تراها على طول الطريق، وانتبه إلى كيفية احتكاك قدميك بالرصيف وتأرجُح ذراعيك وجسمك في أثناء الحركة.
  • عند تنظيف المنزل: اشعر باهتزازات المكنسة الكهربائية وأنت تدفعها على الأرض، واستمتع بدفء الغسيل المنعش عند إخراجه من الغسالة.
  • عند الاستماع إلى الموسيقا: ركِّز على صوت كل نغمة واهتزازاتها، والمشاعر التي تثيرها الموسيقا في داخلك، وغيرها من الأحاسيس اللحظية.
  • عند الأكل أو الشرب: ركِّز على القوام ونكهة الطعام والأحاسيس التي تأتي مع كل لقمة.
  • عند الانتظار في طابور ما أو في عيادة الطبيب: بدلاً من النظر إلى الهاتف، خُذ أنفاساً عميقة وركِّز على ما يدور حولك؛ ما الأشياء الشيقة التي يمكنك رؤيتها من حولك؟ ما الروائح الموجودة في الهواء؟ ماذا تستطيع أن تسمع؟

قد يكون من الصعب أن تبقى يقظاً عند الانتقال من نشاط إلى آخر على مدار اليوم؛ لكن يمكنك العودة إلى المسار الصحيح من خلال التوقف بين الحين والآخر لممارسة بعض تمارين اليقظة الأساسية، فحتى تمارين اليقظة التي تستغرق دقيقة واحدة عدة مرات في اليوم يمكن أن تُحدث فرقاً في نفسيتك ومزاجك.

إذاً وفي الختام، نعم يمكنك أن تحوّل عملية غسل الأطباق من واجب تستصعبه إلى استراحة ذهنية؛ وذلك بأن تفعل كما فعل المشاركون في التجربة؛ أي أن تركِّز على الأشياء الجيدة التي تنطوي عليها هذه المهمة مثل شم رائحة الصابون، والإحساس بالماء الدافئ وفقاعات الرغوة على يديك، والشعور بملمس الأطباق تحت صنبور الماء.

حاول أن تبقى مركزاً وحاضراً خلال هذه اللحظات، فمن يعرف؟ ربما يمكنك أن تغسل عنك التوتر مثلما تغسل الأوساخ عن هذه الأطباق! ومما لا شك فيه أنك ستكسب رضا والدتك أو شريكتك إن أرحتها من غسيل الأطباق مرة ما، وهي فائدة إضافية، صحيح؟!