كيف يمكنك اكتشاف إرثك العاطفي؟

شجرة عائلتك
shutterstock.com/Francisco Duarte Mendes
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

الخوف والحزن والغضب، إنها مشاعر تنتقل من جيل إلى آخر. يُمكنك من خلال استخدام طريقة صممتها اختصاصية في علم النفس والأنساب، القيام بعملية جرد وتقييم لتلك المشاعر “المستعارة” من ماضي عائلتك، والتخلص بالمقابل من المشاعر التي لا تمت لك بصلة، وترتبط هذه الطريقة على بناء مخطط شجرة عائلتك أولاً.

  • بادر إلى بناء مخطط شجرة عائلتك
  • كن واعياً بالأنواع العاطفية في عائلتك
  • حدد حالات التكرار
  • حدد ما هي معتقدات عائلتك
  • حرر نفسك من السلاسل العاطفية

لكل عائلة تاريخ خاص بها، وقيم ومعتقدات تؤثر في سلوك أفرادها. تشرح ماري جينيفيف توماس ذلك؛ إذ تقول: “يتشكل الميراث العاطفي في وقت مبكر لدى المولود حديثاً، لأنه نظراً لافتقاره للقدرات اللغوية في هذه الفترة الحديثة من حياته، فأول ما يكتسبه هو المشاعر الكامنة”. وبذلك يستحوذ على المشاعر التي بداخله؛ ما يجعله يحمل بسهولة حزن والديه، أو ما يشعران به من غضب أو خوف. يمكننا القول إن المولود الجديد لديه بالفعل معرفة بلاوعي والده ووالدته. بالنسبة للاختصاصية النفسية: “فإن الشعور بالإرهاق أو الجمود (أو القفلة/ الكبت) المنتظمين الناتجين عن العواطف المستحكمة، هو مؤشر على أن هذه العواطف قد تكون عابرةً للأجيال؛ أي أنها تعود إلى فرد آخر من العائلة”، ومن ثم فإدراك هذا الأمر يشكل بحد ذاته خطوةً معتبَرةً للتحرر من مشاعر غيرنا والتمسك بالتي تخصنا. سعياً منها إلى تسليط الضوء على جذور عواطفنا؛ صممت ماري جينيفيف توماس طريقةً استوحتها من مخطط شجرة العائلة؛ وهي عبارة عن شجرة أنساب أُنشئت بالاستعانة بالذاكرة على مدى عدة أجيال، وتقوم على تجسيد الأحداث البارزة والروابط العاطفية للعائلة. هذه الطريقة تسمح لنا بإعادة كتابة قواعدنا العاطفية.

1. بادر إلى بناء مخطط شجرة عائلتك

املأ خانات شجرة عائلتك في دفتر خاص، سجلْ ما تعرفه عن الأماكن، وبلد المنشأ، والتنقلات بين المساكن، وعمليات التباعد عن البعض، والانفصال والوفيات، وكذلك جميع الأحداث الهامة المتعلقة بكل شخص. لإكمال البحث؛ يمكنك طرح أسئلة توضيحية على والديك وإخوتك وعائلتك الممتدة، ومن المهم الانتباه والأخذ في الاعتبار الكيفية التي أبلغوك بها هذه المعلومات (نبرة الصوت، والمشاعر البادية عليهم، المفردات والتعابير المستخدَمة، اللحظات الصامتة…)، سجلْ كل شيء.

حدِدْ نقاط الضعف والانكسار من خلال تسجيل الأحداث المؤلمة (حالات الإجهاض العرضية، وعمليات الإجهاض الطبية، ونوبات الاكتئاب، والأمراض النفسية، والحوادث، والإعاقات، وزنا المحارم، والاغتصاب، والانتحار، وما إلى ذلك). حاول أيضاً أن “تُنقّب” في الفترات التاريخية الصعبة؛ مثل الحروب.

إيلاء الاهتمام بالأحداث الإيجابية (الولادات، الترقيات الاجتماعية، الارتباطات السعيدة وطويلة الأمد…)، والاهتمام كذلك بالكيفية التي عاش بها المعنيون هذه الأحداث، وكيف أثرت على أفراد الأسرة. حددْ أيضاً الروابط والأماكن التي ساهمت في البناء وحالة الاستقرار. وفور الحصول على هذه الملاحظات وجمْعِها و”التفكير فيها”؛ سترتسم أمام أعينك الفصول الرئيسية من رواية عائلتك، وتظهر أمامك خطوط الشرخ والقوة. ويمكنك أيضاً فهم الكيفية التي عن طريقها حددت جميع هذه الأحداث، سلوكيات وخيارات الجميع؛ بل وحتى سلوكياتك واختياراتك شخصياً.

اقرأ أيضا: طفلي لا يحترمني ويصرخ على ويضربني.

2. كن واعياً بالأنواع العاطفية في عائلتك

من الناحية التجريبية؛ سلّط علم النفس والأنساب الضوء على الروابط القائمة بين عواطف معينة وأحداث عائلية محددة، تتكرر أو تنتقل آثارها من جيل لآخر. هذا ما يحدد شكل التصنيفات العائلية، من قبيل أسر الغاضبين، القلقين، المكتئبين، غير الراضين، الضحايا…

الحزن غالباً ما يكون نتيجة حالات حداد غير مكتملة، أو انفصال مؤلم حدث خلال طفولة الشخص المعني.

الخوف ينتُج عن أحداث “تاريخية” صادمة (الحرب والهجرة والترحيل) والأحداث “الخاصة” الخطيرة (سلسلة من الوفيات نتيجة حوادث أو أمراض).

الغضب يمكنه أن يرتبط بظواهر الظلم (الاجتماعي أو داخل الأسرة) وسوء المعاملة (اعتداء جسدي أو نفسي؛ مثل الإهمال والازدراء وعدم الاعتراف بمكانة الأشخاص والمطالب المفرطة…).

الشعور بالخجل والخزي يتبع الأفعال المدانة، بمعيار أخلاق الأسرة (الطفل مجهول النسب، الزنا، التحرر الجنسي المطلق، الروابط الاجتماعية غير المناسبة)، أو بموجب القانون (جميع الأفعال الإجرامية) أو من منظور التاريخ (التعاون مع العدو).

الشعور بالذنب يتوّلد عن إحساس الشخص بأنه سبب لحدث غير مرغوب فيه، أو غير سعيد أو مأساوي (زواج ناجم عن حمل غير متوّقع، أو وفاة بعد الانفصال، أو نية حسنة تسفر عن حدث مأساوي…).

3. حدد حالات التكرار

كل حالة من هذه الحالات تشير إلى ولاء أسري واعٍ (لأحد أعضاء الأسرة) أو عن غير وعي، قد يتعلق الأمر بتكرار للأسماء الأولى، أو التواريخ، أو المهن، أو الأحداث الخطيرة (الحوادث، المرض، الانفصال) أو الأحداث السعيدة (الارتباطات، الولادات المتوقعة، “ضربات الحظ”).

الاسم الأول يجعلنا نشعر بالقرب من الذين يحملون نفس الاسم. اسأل والديك أو غيرهما من أفراد الأسرة، لمعرفة ما الذي دفعهم إلى اختيار اسمك. عينة من الأسئلة المقترحة: ما هي أوجه الشبه أو الاختلافات الموجودة بيني وبين أفراد عائلتي الذين يحملون- أو حملوا مثلي- هذا الاسم الأول؟ ما هي الآمال التي ربما علقها علي- عن وعي منهم أو بغير وعي- الذين اختاروا لي هذا الاسم تحديداً؟

التواريخ تخبرنا نحن “ورثاء” مَن، أو ما هو المصير الذي يتذكرونه من خلالنا. على سبيل المثال: قد يتوافق تاريخ ولادة متكرر في أفراد الأسرة، مع يوم وفاة مبكرة لأحد الأجداد. الأسئلة التي يمكن طرحها: هل يوجد في حياتي تواريخ متكررة؟ ما هي المشاعر العاطفية المرتبطة بها؟

مكان التراتب بين الأشقاء (الأكبر، الأوسط، الأصغر) يحيلنا إلى أفراد آخرين من الأسرة، يشغلون (أو شغلوا) نفس المكان التراتبي بين أشقائهم. الأسئلة المقترحة: ما هي العلاقات التي نَسَجها مَن هم (أو كانوا) مثلي، في نفس المرتبة، أكبر الإخوة، أو الأوسط أو الأصغر سناً، مع ذويهم؟ ما هي العلاقات التي نسجتُها أنا مع أقاربي؟ ما هي المشاعر المرتبطة بهذه الرتبة بين الإخوة؟

المهن المتكررة تلقي بالضوء على صفات أفراد عائلتنا الذين نرغب في محاكاتهم واتباع مسارهم أو أولئك الذين نريد (أو نُدفع دفعاً) باتجاه طريق مواصلة عملهم. الأسئلة المقترحة: هل حقاً اخترتُ مهنتي؟ ما هو شعوري إزاء مَن يمارسها أيضاً أو مارسها من قبلُ، بين أفراد عائلتي؟

4. حدد ما هي معتقدات عائلتك

يتعلق الأمر هنا بتحديد المعتقدات التي تشكل أساس ثقافة كل عائلة؛ والتي تتناقل من خلال تراثها العاطفي. هذا التمرين يسمح بتسليط الضوء على الرسائل القديمة المتوارثة والمندمجة في الأشخاص.

اسأل نفسك حول القواعد -الضمنية أو الصريحة- المعمول بها، على النحو التالي. في عائلتي: بماذا نؤمن وبمن (قيمة العمل، الأب أم الأم، الله، إلخ)؟ ما هي الدراسات التي يجب عليك متابعتها؟ ما هي المهن التي تنوي مزاولتها؟ هل ثمة خيارات محظورة أو لا تحظى بالقبول والسمعة الطيبة؟ ما هو “الخطاب” المعتمد حول الجنس؟ هل لا بد من الزواج؟ من هو الزوج المفضل؟ ومن هو الذي لا يُنظر إليه بعين الرضا؟ كيف هو نمط العيش (منفتحون، منغلقون على الذات)؟ ما هي المكانة المخصصة للعمل والترفيه؟ كيف نربي الأبناء؟ وما هي القيم التي ننقلها إليهم؟ ما هي المكانة الممنوحة للسلطة الحاكمة، للدين، وللأخلاق؟ ما هي المواضيع التي تُعتبر من المحظورات أو التي يتبين أنها محل خلاف وتضارب؟

وفَور الحصول على الإجابات، راجعْها واحدةً تلو الأخرى، مع توخي الحذر وإيلاء الاهتمام لمشاعرك؛ مثل الغضب، والحزن، والشعور بالأمان، وما إلى ذلك. ثم اسأل نفسك من بين هذه القواعد والمعتقدات، ما هي التي اعتمدتها دون التشكيك فيها؟ من المعروف أن كل عملية إدماج “مفروضة عن النفس” هي مصدر للصراع الداخلي، ويمكن أن تطفو في شكل انفعالات عاطفية منتظمة.

5. حرر نفسك من السلاسل العاطفية

الهدف هنا هو السعي إلى الابتعاد دون قطع العلاقة، لأن أسرنا تمنحنا جذورنا: إنها ترسخ أقدامنا ووجداننا، في هذا العالم وعبر الزمن.

ارسم شجرة عائلتك بواسطة الصور والرسومات المهنية وأعلام الدول، وبكل ما تعتقد أنه يحمل مؤشرات وذكريات، لتبيان ثقافة عائلتك عن طريق الصور.

خذ ما يلزم من الوقت، لاستشعار ما يحدث بداخلك، تجاه سلالتيّ دمك (من ناحية الأب والأم). ما هي المشاعر التي “تغمرك”؟ اذكرها ثم حاول تقييم مدى شدتها.

اكتبْ جملاً تصالحية مع الذات في دفتر ملاحظاتك أو على هامش شجرة عائلتك، مثل: “أتحرر من (غضبي، مخاوفي، خجلي وخزيي، حزني…)”؛ “أبذل كل ما بوسعي للنجاح (في حياتي المهنية، حياتي العاطفية…)”. يمكنك أيضاً:

التأمل لمدة شهر (لوقت قصير) كل يوم، بشأن أفراد عائلتك الذين عانوا، والذين تشعر أنك تحمل “ظلالهم”. هذا المسار يشكل وسيلةً تساعد على تهدئتك، وتعيد لهم في الوقت نفسه- بطريقة رحيمة- تاريخهم الخاص.

عبر عن امتنانك لكل من تشعر أنهم نقلوا لك الصفات الحميدة والموارد والقيم؛ وهو ما يتيح لك الفرصة “للانفصال” عنهم بشكل رمزي، مع بقائك مدرجاً ضمن تاريخ عائلتك.

اصنع شجرة عائلتك المثالية. الأشخاص الذين نغبطهم هم في غالب الأحيان أولئك الذين نشاركهم الصفات والمواهب. اخترع لنفسك عائلةً جديدةً من خلال الانتقاء من بين أبطالك وبطلاتك، أولئك الذين ترغب في أن يكونوا آباءً لك أو أجداداً أو إخوةً وأخوات أو أعماماً وعمات، ثم خذ الوقت الكافي لتتخيل نفسك في قلب هذه الشجرة الجديدة، وانتبه للأفكار التي تراودك، وفكر في طبيعة الطاقة التي تغمرك، والرغبات التي تطفو إلى السطح… أخيراً؛ استشعر إمكانية تصور نفسك في المستقبل، بكل القوة والمتعة التي تمنحها لك عائلتك الجديدة.