هل يمكن أن يسبّب الإجهاد والتوتر سرطان الثدي؟

سرطان الثدي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يُعدّ سرطان الثدي من أخطر ما يمكن أن يهدّد صحة المرأة ويقضّ مضجعها. تشخيص طبي صعب من شأنه أن يبثّ الخوف والهلع في نفسيتها، ويقلب حياتها رأساً على عقب. تتطلّب رحلة العلاج المليئة بالهواجس والعثرات صبراً وقدرة على التقبّل والمواجهة بشجاعة؛ لكن تلقّي التشخيص لأول مرّة يمكن أن يسبّب الكثير من الآثار الجانبية التي تحطّم ركائز الصحة النفسية فتؤدي إلى القلق والإجهاد والتوتر، وبخاصة إذا افتقرت المصابة إلى وجود دعم الشريك أو الدعم الأسري.

تسهم مجموعة من العوامل في رفع احتمالات الإصابة بسرطان الثدي؛ مثل السن والعوامل الوراثية. لكن هل يمكن أن يزيد التعرض للإجهاد من احتمالية الإصابة بسرطان الثدي؟ تشير بعض الدلائل العلمية إلى أن الإجهاد قد يكون بالفعل عاملاً مشاركاً في تطور هذا النوع من السرطانات لدى النساء من خلال آلية تتضمن هرمون الإجهاد؛ الكورتيزول في حال تمّ إفراز كميّات كبيرة منه لمدة طويلة.

الأعراض النفسية بعد تشخيص سرطان الثدي

يُعد سرطان الثدي (Breast Cancer) ثاني أكثر أنواع السرطانات شيوعاً بعد سرطان الرئة، والسبب الرئيسي للوفيات المرتبطة بالسرطان بين النساء.

ووفقاً لجمعية السرطان الأميركية (ACS)؛ تعاني نحو 1 من كل 4 نساء مصابات بسرطان الثدي من الاكتئاب، إضافةً إلى أنهنّ يكنّ أكثر عرضة لاختبار أعراض نفسية أخرى مثل تقلب المزاج والقلق والتعب وكرب ما بعد الصدمة (PTSD).

ويرى الخبراء من موقع بريست كانسر (Breast Cancer)، أنه من الممكن أن تعاني النساء بعد تشخيصهنّ بسرطان الثدي من اضطرابات النوم، بالإضافة إلى تغيرات الشهية التي قد تؤدي إلى فقدان الوزن أو زيادته، ونقص الطاقة، وصعوبة التركيز.

غير أن بعض هذه العلامات قد يرتبط بشكل مباشر بعلاجات سرطان الثدي كآثار جانبية لها، فلا يسبب العلاج الكيميائي (Chemotherapy) التعب والغثيان وفقدان الشهية فقط؛ بل يمكن أن يؤدي إلى زيادة أعراض الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم. كما يمكن أن تؤثر العقارات المستخدمة في العلاج الهرموني (Hormonal therapy) سلباً في الحالة المزاجية.

اقرأ أيضاً: كيف تهيئ نفسك في حالة إصابتك بالسرطان؟

ما هو الإجهاد؟

تعرّف منظمة الصحة العالمية الإجهاد بأنه أي نوع من التغيير يسبب ضغوطاً جسدية أو عاطفية أو نفسية، فهو استجابة الجسم لأي شيء يتطلّب الانتباه أو تصرّف تجاهه. ولكن تجدر الإشارة إلى اختلاف استجابة كل شخص للإجهاد؛ إذ يبقى ذلك تجربة فردية تخضع لعدة معايير.

وأوضح الباحثون في مراجعة تحليلية أجرتها الباحثة من جامعة واشنطن، ديبورا بوين (Deborah Bowen) بمشاركة الباحثة من برنامج كاليفورنيا لبحوث سرطان الثدي، سينيدا فرنانديز بول (Senaida Fernandez Poole) وزملاءَ آخرين، الدور المحتمل للإجهاد في تطوير الإصابة بسرطان الثدي، وأشاروا إلى ثلاثة مصطلحات شائعة الاستخدام ومترابطة في تعريف الإجهاد وهي الضغوط والتوتر والضيق.

ولأنه لا يمكن فصل الإجهاد عن الحياة، فهو تفاعلٌ مستمر بين الفرد وبيئته؛ تظهر الضغوط في البيئة المحيطة للفرد فتخلق ظروفاً تتّسم بالتهديد أو التحدّي أو القيود. يمكن أن تتجلى هذه الظروف في شكل أحداث معينة كفقدان الوظيفة أو الطلاق أو الاعتداء؛ كما يمكن أن تتمثّل في ضغوط موجودة باستمرار مثل الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

ويعاني بعض الفئات من الناس كالأقليات الملونة أو الثقافية، من طبقة إضافية من التوتر نتيجة احتمال أكبر لوجود العديد من الضغوط المنفصلة والمزمنة في وقت واحد؛ كالتمييز والتهديد بالعنف، أو العنصرية.

اقرأ أيضاً: كيف تدعم قريبك أو صديقك المصاب بالسرطان؟

دور الإجهاد النفسي في الإصابة بسرطان الثدي

وفقاً للمراجعة التحليلية المشار إليها سابقاً، فزيادة احتمالية إصابة النساء اللواتي يعانين من الضغط للإصابة بالسرطان هو ليس مفهوماً جديداً. فقد أثبت عدد من الأدلة من الدراسات البشرية والحيوانية تأثر نمو الورم بالتفاعل بين الإجهاد والشخصية وقلة الدعم النفسي والاجتماعي.

ولقد حدد الباحثون من خلال مراجعتهم لعدد من الدراسات والأبحاث السابقة أربعة مصادر رئيسية تؤدي إلى الإجهاد المسبّب لسرطان الثدي؛ وهي كالآتي:

  1. أحداث الحياة المجهِدة: وتُقصد بها الأحداث النفسية الاجتماعية ذات الطبيعة السلبية التي تعطل سيرورة الحياة الطبيعية. ويمكن أن تشمل على سبيل المثال وفاة أحد الزوجين أو أحد الأقارب أو الأصدقاء المقربين، أو نهاية علاقة كالطلاق أو الانفصال العاطفي، أو المرض أو الإصابة، أو فقدان الوظيفة. وتشير الدلائل إلى أن أحداث الحياة المجهدة قد تكون مرتبطة بزيادة طفيفة في خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى النساء اللواتي عانين من أحداث حياتية مجهدة.
  2. أحداث الطفولة المعاكسة (ACEs): وتُقصد بها الأحداث السلبية في مرحلة الطفولة والضغوط والصدمات التي يمكن أن تكون قد سبّبتها أحداث مثل الاعتداء النفسي والجنسي والإساءة الجسدية وانفصال الأبوين وتعاطي أحد الوالدين المخدرات أو الكحول. ولقد أشار الباحثون إلى إمكانية ارتباط هذه الأحداث بالإجهاد السام (Toxic Stress)، وزيادة مستويات هرمون الكورتيزول من خلال دلائل قدمتها عدة دراسات حول العلاقة بين تاريخ من الإجهاد الاجتماعي والظروف الصعبة في الطفولة والإصابة اللاحقة بسرطان الثدي.
  3. العنصرية: أشار الباحثون في مراجعتهم التحليلية إلى أن تأثير الإجهاد يكون أكبر لدى فئات معينة من الأشخاص أكثر من غيرهم؛ مثل الأقليات العرقية والملونة والسكان الأصليين وذلك نتيجة تعرضهم للعنصرية؛ حيث إنهم يواجهون توتراً زائداً حين يتعلّق الأمر بتلبية احتياجاتهم الأساسية والقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية.
  4. الإجهاد المزمن (Chronic Stress): بالإضافة إلى الإجهاد الحاد الذي يستمر لفترة قصيرة، يمكن أن تسبب أحداث الحياة المجهدة مثل فقدان أحد الأحباء أو الطلاق أو المرور بضائقة مالية، ضغوطاً حادة تستمر لفترة زمنية طويلة. كما أشارت الدراسة إلى علاقة ذلك بنقص الدعم الاجتماعي لدى النساء ذوات الاستعداد الوراثي للإصابة بالسرطان.

هل يعني تقليل التوتر احتمال أقل للإصابة بسرطان الثدي؟

يُقرّ الباحثون في مراجعتهم إنه بالرغم من وجود عدة دراسات تثبت ارتباط الإجهاد وسرطان الثدي؛ لا يوجد دليل كافٍ لقول إن التوتر والإجهاد المزمن يزيدان من خطر الإصابة به. فالنتائج لم تكن قاطعة في معظمها، وذلك لأسباب معينة تشمل وجود اختلافات في تصميم الدراسة، وأنواع الإجهاد النفسي، وطرق جمع المعلومات الشخصية المعتمدة في هذه الدراسات.

لكن يؤكد الباحثون إن العلاقة بين التوتر وسرطان الثدي قد تكون معروفة علمياً، غير أن الحد من التوتر والإجهاد لا يضمن تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي. يؤثر الإجهاد المفرط سلباً في صحة الإنسان بشكل عام. وهناك بعض التدخلات التي يُنصح بها للحد من تأثيرات الإجهاد السلبية في الصحة النفسية والجسدية؛ وتتضمن على سبيل المثال تمارين اليقظة (Mindfulness) والعلاج المعرفي (Cognitive Therapy) والتمارين الرياضية والحصول على شبكة من الدعم الاجتماعي كالأصدقاء والأزواج وأفراد العائلة، وذلك بهدف تخفيض مستوى التوتر النفسي أو الإجهاد المُتصور (Perceived Stress)؛ وهو الدرجة التي يقيّم بها الشخص الأحداث في حياته على أنها مرهِقة وغير متوقَّعة ولا يمكنه السيطرة عليها.

يتبيّن جليّاً من خلال ما توصل إليه القائمون على المراجعة التحليلية أن الباحثين في بعض الدراسات لم يتمكنوا من دعم الارتباط بين الأحداث المجهدة وسرطان الثدي، أو حتى دحضه. لكن ما هو مؤكّد وفقاً للمراجعة أن الكيفية التي يختبر بها الفرد الحدث المجهد ويستوعبه قد تكون عاملاً أكثر أهمية، فالإجهاد لا يؤثر في الإصابة بالسرطان ولكن الحساسية للتوتر وآليات التأقلم غير الصحية والاستجابات العاطفية السلبية يمكن أن تمثّل عاملَ خطرٍ مشاركاً في تطوير إمكانية الإصابة.