ما سبب الخوف الشديد من الهجر لدى بعض الأشخاص؟

الخوف من الهجر
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل تلاحظ أنك تعاني من العزلة والعدوانية والنشاط الزائد؟ إذا كانت لديك هذه الأعراض فربما تكون ضحيةً لما يُسمى “متلازمة الهجر” أو الخوف من الهجر دون أن تدري ذلك؛ وهي معاناة يعود أصلها إلى مرحلة الطفولة.
بحسب دانيال دوفور؛ الطبيب والمرشد في دورات التنمية الشخصية؛ يُعتبر الخوف من الهجر أحد أكثر الأمور التي تسوء الفرد وتسبب له الشقاء شيوعاً، وعند البحث في أصل هذه المعاناة، فإننا دائماً ما نجد تجربةً محبِطةً اعترت حياة الجنين أو الرضيع أو الطفل.

وقد لا تكون هذه التجربة ناجمةً عن تعرض الطفل لهجر فعلي أو حقيقي؛ إنما قد ترجع على سبيل المثال إلى غياب الأب، أو حالة الأم التي تسيطر عليها مشاعر القلق، أو حالة الوالدين المتحابين جداً، أو ولادة أخ أصغر، أو الإقامة في مدرسة داخلية، أو وفاة أحد الأجداد الذي كانت له علاقة وطيدة بالطفل.

التعامل مع الصدمة ونشوء الخوف من الهجر

إذا كانت هذه الأحداث -جميعها أو بعضها- قد تمر بسلام دون أن تسبب أي عواقب وخيمة للبعض، فإنها قد تكون مدمرةً ومؤلمةً للبعض الآخر، فنحن لا نتساوى في مواجهة الألم، ونتساءل هنا لماذا لسنا متساوين في مواجهة الأحداث المؤلمة؟
توضح مختصة التحليل النفسي كاثرين أوديبرت أننا جميعاً عانينا في حياتنا من الانفصال، وأدركنا في كثير من الأحيان في وقت مبكر جداً؛ أن الأب و الأم لن يكونا دائماً تحت تصرفنا، ولن يكونا حاضرَين في كل وقت نحتاج فيه إليهما، وأنهما ليسا مستعدَّين دائماً لتلبية جميع رغباتنا؛ لكن بالتأكيد لم يختبر الجميع الشعور بهذه الوحدة الجديدة (الحدث المؤلم) بالطريقة نفسها.

وقد يرجع ذلك إلى أن بعض الأطفال كانوا محظوظين بحيث أن من حولهم -كالوالدين والأجداد- انتبهوا إلى مخاوفهم وأخذوها بعين الاعتبار، وحاولوا التخفيف من وطأتها، أو قد يتعلق الأمر بأسباب تربوية أو أخلاقية، أو ربما لم يستطع بعض الآباء الوقوف مع أبنائهم ومساعدتهم في التغلب على هذه المخاوف بسبب ضيق الوقت، أو عدم القدرة على فهم مخاوف أبنائهم أو تقديرها تقديراً صحيحاً.

ومع ذلك؛ لا يمكن اعتبار الآباء مخطئين في حق أبنائهم، فكل ما في الأمر أنهم لم يعلموهم التعامل مع حالة الانفصال بثقة وهدوء، ربما لأن هؤلاء الآباء أنفسهم لم يسبق لهم التعامل مع هذا الأمر بطريقة صحيحة.

الخوف من التعرض للرفض مرةً أخرى

أحياناً؛ يسارع الطفل ضحية الموقف إلى نسيان الحادثة المؤلمة والتقليل منها، أو محاولة التعايش معها، فما الذي يمكن أن يكون طبيعياً أكثر من ولادة أخ صغير جديد، أو أروع من حب الأبوين لبعضهما البعض؟

ومع الوقت تتلاشى المشاعر السلبية التي رافقت الأحداث السعيدة؛ كالشعور بالغضب والحزن الذي سيطر على الطفل عند ولادة أخيه مثلاً.

ويوضح دانيال دوفور: “مع عدم وجود ما يبرر اختبار هذه المشاعر السلبية، فإن كل ما يبقى هو إنكار حق الفرد بالشعور بها، وحتى لو تم كبتها، فهي تظل حاضرةً للغاية. فظاهرياً؛ يقودنا منطقنا وكذلك تربيتنا إلى الاعتقاد بأن كل ما حدث هو أمر من الماضي، ويجب نسيانه؛ لكن الحقيقة هي أن تلك المشاعر السلبية تبقى متأججةً في نفسنا”.

يستنتج الشخص بأنه طالما قد تعرض للهجر بالفعل، فإن ذلك يعني أنه لا يستحق أن يكون محبوباً؛ وبالتالي يرسم هذا الاعتقاد كل علاقاته الاجتماعية والعاطفية؛ ما يؤدي إلى تأرجحه بين فرط التواصل والعدوانية المفرطة؛ تبعاً لما إذا كان يشعر بالحاجة الشديدة لأن يكون محبوباً، أو ما إذا كان يرغب في إثارة رفض الآخر له، مقتنعاً بأنه سيتعين عليه حتماً أن يواجه هذا الرفض يوماً ما؛ ما يبقيه ضمن حلقة مفرغة تقوده إلى سلوكيات متناقضة.

يبذل رأفت؛ 45 عاماً، قصارى جهده ليحظى بتقدير جميع رؤسائه في العمل؛ لكنه يضحي في المقابل بحياته الشخصية، أما كوثر؛ 20 عاماً، فدائماً ما تعارض والديها؛ ولكن كل ما تحلم به هو أن تحظى بحبهما.

هيثم هو مراهق في الثالثة عشرة من عمره؛ فتىً متحفظ يفعل كل ما في وسعه حتى لا يُزعج عائلته أو يؤذيها، وينسى نفسه. يحمل كل من ذُكروا في هذه الأمثلة في أنفسهم ألماً وخوفاً من التعرض للرفض والهجر مرةً أخرى.

تأثير أزمة الخوف من الهجر في الحياة الزوجية

يجعلنا الحب أكثر حساسيةً تجاه جروحنا النفسية السابقة. وتوضح كاثرين أوديبرت أن العلاقة الزوجية غالباً ما تكون الحيز الذي يحاول فيه الزوجان تسوية حساباتهما مع طفولتهما؛ إذ يُسقطان القلق الذي عانيا منه في الماضي على بعضهما.

يعيش مازن؛ 45 عاماً، خوفاً كبيراً من أن تتركه زوجته، أما منى؛ 33 عاماً، فهي تحلم حقاً بعلاقة زوجية دائمة ومستمرة؛ لكنها تتجنب الالتزام، ولا تظن أنها تقدر عليه، ولا يتقبل كمال؛ 27 عاماً، انسجام شريكته مع صفاته، ويحاول دائماً ان يثبت لها أنه أسوأ شخص يمكن لامرأة أن تعيش معه.

يوضح دانيال دوفور: “هناك وجهان لهذه المعاناة، فمن ناحية يشعر الشخص بأنه لن يلبي توقعات شريكه، ومن ناحية أخرى يتيقن بأن الانفصال أمر حتمي؛ الأمر الذي إذا حدث سيكون بمثابة دليل إضافي له على اعتقاده بأنه غير محبوب”.

علّم طفلك كيفية الاستقلال بثقة

على الرغم من سعي الآباء لحماية أطفالهم من مخاوف الهجر، فإنه يجب الحذر من المبالغة؛ إذ توضح كاثرين أوديبرت أنه من الضروري الالتزام بتوازن صحيح، ويتمحور الأمر حول تعليم الطفل كيفية الاستقلال بهدوء وثقة.

وبناء عليه، فإن “تحرير” الطفل قبل أن يكون مستعداً لذلك هو أمر في غاية الخطورة؛ كما أن المبالغة في حمايته من جهة أخرى ستقوده إلى المعاناة من أزمة الخوف من الهجر نفسها.

من الجيد أن نمنح الطفل منذ سن مبكرة لحظات صغيرة خاصة به حتى لو كان يشعر بالملل؛ إذ يتيح له ذلك استكشاف نفسه وتطوير إبداعه وفضوله، فنحن كثيراً ما نبالغ في الاستثمار في الطفل لإبقائه مشغولاً طوال الوقت، ونشرح له باستمرار ما يحدث حوله؛ متناسين أحياناً أنه قادر تماماً على خوض تجاربه الخاصة، وتعلّم كيفية إدارة وحدته والتعامل مع غيابنا عنه.