تعلّم فن النظر إلى الأشياء في 5 خطوات

فن النظر إلى الأشياء
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: جاء في كتاب “السعادة شعور داخلي” (Le bonheur est à l’intérieur Broché) أن التركيز الحسي يساعدنا على الغوص في أعماق نفوسنا ومعايشة اللحظة الحالية. وسوف نستعرض في السطور التالية برنامجاً بعنوان “فن النظر إلى الأشياء”، وقد خضع هذا البرنامج لاختبارات مكثفة خلال فترة الحجر الصحي.

تُعد حاسة البصر أكثر الحواس تطوراً لدى البشر، وقد جرى استخدامها بشكل تعسفي في ثقافتنا المعاصرة؛ إذ لا تكف عيوننا عن التنقل من شاشة إلى أخرى دون توقف، فما الفارق بين الرؤية والنظر؟! نتلقى سيلاً متدفقاً من المعلومات والصور طوال اليوم؛ ما يجعل نظرنا يُصاب بالكلل والتبلُّد، ويصيب عقولنا بالتشبع ويضطرها إلى مواجهة المزيد من الصعوبات في تسجيل البيانات. وإذا أردنا أن نمنح أذهاننا بعض الراحة ونصقل حدة نظرنا، فيجب أن نتبع نظاماً غذائياً صحياً ونركز على الجودة بدلاً من الكم.

تقول الروائية الفرنسية المعروفة، سيدوني غابرييل كوليت (Sidonie-Gabrielle Colette)، إن المبادئ التعليمية لأمها تتلخص في كلمة واحدة: “انظري”! وبهذه الطريقة تعلم الكتَّاب المؤمنون بالمذهب الحسي كيفية وصف الأحداث وفك رموز العالم والطبيعة والوجوه منذ نعومة أظفارهم، ولم يكن أحد يباريهم في القدرة على تمييز النواحي الجمالية أو رصد التناقض أو العاطفة في أدق التفاصيل. فلنحذُ حذوهم ونتعلم كيف نلقي نظرة فاحصة على كل ما يحيط بنا،

وإليك بعض الطرائق لإعادة تعلم كيفية مشاهدة الأشياء:

  1. اختر زاوية في أحد أركان منزلك أو قطعة أثاث، واجلس قبالتها أو انظر إليها من الوضع واقفاً وتأمّل تفاصيلها. دع نظرك يحلل كل ما يراه تحليلاً تفصيلياً دون إصدار أي أحكام (يمكنك أن تتخيل نفسك تصف ما تراه عيناك لشخص غائب أو لا يستطيع رؤيته). ركّز على انعكاسات الضوء والظلال والأنماط والأشكال والعلامات المختلفة (بقع، ثقوب، خدوش، اهتراء، غبار، إلخ).
  2. افتح خزانة الملابس أو غرفة الملابس. انتبه إلى الألوان المختلفة والظلال المختلفة التي تعكسها المجموعات اللونية المتشابهة، ثم تجوّل في شقتك لمواصلة التعرف على مجموعتك المرئية من الألوان. دوّن الألوان التي تظهر بشكل متكرر، ولاحظ ما تثيره في نفسك (الذكريات المرتبطة بها) ولماذا تجدها ممتعة.
  3. اختر صورة شخص عزيز عليك تحبه أو تقدره. قد يكون أحد أقربائك أو شخصية مشهورة. انظر بتمعن إلى ملامح وجهه وتعبيراته، ثم انتقل إلى عينيه وفمه، ما التعبير السائد على وجهه بشكل عام؟ ثم تمعّن في تفاصيل ملابسه وأخيراً الديكور والبيئة المحيطة. اقلب الصورة، أو أخفِها إذا كنت تستعرضها على شاشة الهاتف أو الكمبيوتر، واكتب أي شيء تلاحظه كما لو كنت تطلب من رسام أن يرسم الشخص الذي في الصورة.
  4. افتح نافذتك وراقب بعناية ما تقع عليه عيناك. ربما يكون هذا الديكور أو المنظر الطبيعي مألوفاً لك، وقد تعتقد أنك تحفظهما عن ظهر قلب؛ لكن لعلك نسيت بعض التفاصيل، وبالتالي فإن ما تقع عليه عيناك هنا والآن، في هذه اللحظة بالتحديد، سيكون جديداً تماماً ولم تره من قبل. وقديماً، قال الفيلسوف اليوناني هرقليطس (Heraclitus) إن المرء لا يخوض النهر نفسه مرتين. وبالمثل، فإنك لن ترى المنظر الطبيعي نفسه مرتين؛ حيث تؤدي انعكاسات الضوء والأصوات التي تتردد في الخلفية والعناصر دائمة التحرك التي لا تشكل جزءاً أصيلاً من المشهد إلى تجدّد مكوّناته في كل لحظة. وإن أردت أن تجرب بنفسك، فما عليك إلا أن تلتقط صوراً للمناظر الطبيعية المعتادة كل يوم لكي تتأكد من “حركتها الدائبة” وتقيس قوة ملاحظتك.
  5. انظر إلى الجوانب غير العادية في الأشياء العادية. يدعونا أستاذ فن الزن، دوجين (Dôgen) (1253-1200) في كتابه الذي جاء تحت عنوان: “تعاليم إلى أساتذة الطبخ وفق فلسفة الزن” (Instructions au cuisinier zen) من إصدار مؤسسة برومنيه (Promeneur)، إلى عدم النظر إلى “الأشياء العادية نظرة عادية”، ويدعو الطهاة إلى تحويل ورقة ملفوف الكرنب البسيطة إلى تحفة فنية. ويمكن اعتبار الطريقة التي ننظر بها إلى بيئتنا والآخرين وحياتنا مقياساً لمشاعرنا الداخلية، فحينما نشعر بالكسل والضيق سينعكس هذا الشعور على بيئتنا أيضاً. وإذا كنا نشعر بالسأم والضجر، فإن هذا يرجع إلى حدٍّ كبير إلى نظرتنا المتسرعة للعالم من حولنا.

شاهد الجانب الاستثنائي في ورقة العشب التي نمت على حافة نافذة منزلك، في العنكبوت الصغير الذي ينسج خيوطه في أحد أركان غرفتك، في انعكاس الضوء على نوافذك. هذه التفاصيل كلها تدل على مرورك بلحظة استثنائية أو عثورك على مكان استثنائي؛ إنها تشكل جزءاً من حياتك، والأمر متروك لك للاحتفاء بها والنظر إليها نظرة تخلو من السأم أو تشتت الانتباه.