4 تمارين ستعزز نظرتك الموضوعية للأمور

تعزيز النظرة الموضوعية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في مواجهة الرحيل الوشيك لابنها الوحيد؛ حاولت إحدى صحفيات مجلة “بسيكولوجي” خوض هذا التحدي من خلال مقابلة أربعة معالجين متخصصين في التنمية الشخصية. دعونا نتعرف معاً في السطور التالية إلى تجربتها الملهمة وكيف تمكنت من تعزيز النظرة الموضوعية للأمور.
كنت أعي مشكلتي تماماً، فقد كانت هناك فكرة تمنعني من النظر إلى الأمور بأي طريقة موضوعية، وهي رحيل ابني الوحيد العام المقبل لمتابعة دراسته على بُعد 1,000 كيلومتر من المنزل.

القلق والحزن والألم؛ هي بعض المشاعر التي كانت “تتطفل” على رغبتي -مهما كانت حقيقيةً- في رؤية ابني يزدهر ويحقق ذاته في حياته الجديدة القادمة كطالب ورجل. التحدي الأول هو تهدئة الاضطراب العاطفي الذي تثيره هذه التجربة التي أعيشها.

طريقة فيتوز (Vittoz method)

إفراغ النفس من المشاعر المسيطرة

توضح مارتين مينغانت؛ مختصة العلاج النفسي: “تهدف طريقة فيتوز إلى مساعدة الشخص على تقبل الأمور بصورة صحيحة من جهة، وقبول أحاسيسه التي يشعر بها من جهة أخرى. يساعد تمرين فيتوز على التخلص من كثرة التفكير ومشاعر القلق المصاحبة لذلك. تتطلب هذه الممارسة أن أكون وحدي بسلام ومعي حصاة صغيرة أضعها على مكتبي بالقرب مني”.

المرحلة الأولى

أقف مع فرد الذراعين على طول الجسم، وأتنفس عبر أنفي، وأرخي رقبتي وكتفيّ. أفكر الآن بمشكلتي وأقيّم خلال ذلك حالة جوانب ثلاثة: جسدياً (أنا أشعر فعلاً براحة أكبر)، وذهنياً (ليست لدي أي أفكار طفيلية)، وعاطفياً (شعور القلق حاضر جداً)، لذا أصف حالتي العامة بجملة واحدة هي أن “شعور القلق لدي يتأجج”.

المرحلة الثانية

أُمسكُ الحصاة وأركز على لونها وشكلها ووزنها ودرجة حرارتها، ثم ألفها بيدي وأسحبها مجدداً بأطراف أصابعي، وألاحظ أنها دافئة وسطحها أملس وناعم.

بعد عدة دقائق؛ أطرح على نفسي هذا السؤال: “ما هي الكلمة التي تصف حالتي العامة في هذه اللحظة؟ إنها “الخلو” وهي كلمة تفرض نفسها بقوة، فبكامل إحساسي؛ أشعر فعلياً بخلو نفسي من أي عاطفة أو فكرة.

نصحتني مارتين مينغانت باستخدام هذا التمرين عدة مرات في اليوم (في أثناء الاستحمام، وتقشير الفاكهة، وما إلى ذلك)، لأعتاد رفع معنوياتي، كما قررتُ الاحتفاظ بهذه الحصاة معي.

علم النفس عبر الشخصي

العودة إلى الواقع

تقول مختصة العلاج النفسي؛ برناديت بلين: “يأخذ علم النفس عبر الشخصي في الاعتبار البُعد الروحي للفرد. يدور صراع داخل كل منا بين الأنا والذات، وتحاول كل منهما فرض سيطرتها. تمثل الأنا الصورة التي نمتلكها عن أنفسنا، أما الذات فتمثل وجودنا الداخلي بمعزل عن مخاوفنا. يساعدنا التمرين التالي؛ الذي يسمى “ماندالا الوجود” (Mandala of being) في التواصل مع الذات”.

أحضرت 5 قصاصات من الورق وكتبت عليها بأحرف كبيرة الكلمات الخمس التالية: “الحاضر”، و”المستقبل”، و”الماضي”، و”الآخر”، و”أنا”، ثم وضعت هذه القصاصات على الأرض وفق ترتيب الاتجاهات الأربعة؛ “المستقبل” إلى جهة الشمال، و”الماضي” إلى جهة الجنوب، و”أنا” إلى جهة الغرب، و “الآخر” إلى جهة الشرق، وأخيراً وضعت “الحاضر” في المركز.

أصيغ رغبتي الآن بصوت عالٍ: “أفكر بهدوء في رحيل ابني ثم في الواقع الحالي؛ عندما أفكر في الأمر أشعر بأن الأرض تتلاشى تحت قدميّ” ثم أذكر “المعطيات” التي تكمن وراء “واقعي” الذي أعيشه الآن وهي: “أولاً أن ابني أصغر من أن يعيش بعيداً عن عائلته، وثانياً؛ سأفتقده بشدة”.

أقف الآن في وسط شكل الماندالا وأتنفس بعمق مغمضةً عينيّ، ثم أتحرك “شرقاً” إلى القصاصة التي كُتب عليها “الآخر” (وهو ابني لأن أفكاري تتمحور حوله)، وأصرح عن أفكاري هذه بصوت عالٍ: “إنه أصغر من أن يغادر المنزل، وسوف أفتقده”.

والآن أتساءل؛ كيف أشعر؟ لم آخذ الكثير من الوقت لأجيب عن هذا السؤال، فأنا أشعر حرفياً بأن الأرض تمتصني، ويسيطر عليّ هذا الشعور وأعي كم هو سلبي، ثم يأتي سؤال برناديت بلين: “هل افتراضك حول رحيل ابنك صحيح؟” أجبتُ: “نعم ولا”، فتقول لي المعالِجة: “إذا لم يكن صحيحاً بنسبة 100%، فلا يمكن القول إنه كذلك” ربما أدركتُ للمرة الأولى أن ما اعتبرته حقيقةً لا يمكن دحضها هو مجرد فكرة.

بالعودة إلى مركز الماندالا (القصاصة التي كتب عليها “الحاضر”) أوافق على التخلي عن هذه الفكرة، وتسألني برناديت بلين عن شعوري من دونها.

دون أدنى شك؛ بدا كل شيء فجأةً أبسط بالنسبة لي؛ لدي انطباع بالخفة ويسيطر عليّ هذا الشعور اللطيف، ثم أنظر إلى مشكلتي في ضوء هذا الشعور الجديد.

من الغريب أن كل ما تبقى في ذهني هو الحقائق المجردة  –”سيذهب ابني بعيداً للدراسة”– دون أن تصاحبها موجة القلق والحزن المعتادة. ومع ذلك؛ أشعر أن هذه الحالة الإيجابية لن تدوم، فمقاوماتي ما زالت موجودة.

طريقة البرمجة اللغوية العصبية

تحديد الرغبة الحقيقة

يوضح آلان لوسير؛ المعالج المتخصص في البرمجة اللغوية العصبية، أن اتخاذ خطوة إلى الوراء يمكّنك من النظر إلى الموقف الذي تعيشه بطريقة مستقلةً؛ ما يتيح لك فهم الآخر وفهم نفسك، ويساعدك بالتالي على تحديد دورك واهتماماتك وأهدافك بوضوح.

السؤال الأساسي الذي يطرحه هذا التمرين هو: “ما الذي أريده حقاً؟” السؤال يجعلني أبتسم قليلاً، فمن الواضح أنني كأم أريد الأفضل لابني؛ لكنني عازمة على لعب اللعبة، وسأتبع تعليماتها مثل جندي صغير جيد.

في غرفة معيشتي، أضع 3 كراسٍ؛ واحد للأم وواحد للابن، وواحد للمراقب الودود. أجلس على كرسي الأم، وأعبر عن مشاعري بصوت عالٍ: “أشعر بالقلق والحزن حيال فكرة الانفصال القادم، وأخشى أن ابني ليس ناضجاً بما يكفي وأنه سيفتقر إلى دعم أسرته، ثم إنني –وبأنانية- ما زلت أرغب في الاستفادة من وجوده في المنزل. آلاف الكيلومترات هي مسافة بعيدة جداً لتفصلني عنه؛ لكنني في الوقت نفسه أريده أن يحقق ذاته ويزدهر”.

أجلس الآن على كرسي الابن، وأعبر عما أعتقد أنها مشاعره: “بالطبع سأفتقد عائلتي، والمنزل؛ لكنني أريد اكتشاف الأشياء والعيش بطريقة مختلفة، وأشعر أنني سأكون قادراً تماماً على عيش حياتي باستقلالية. علاوةً على ذلك، فأنا لن أكون بمفردي؛ حيث سيكون أعز أصدقائي شريكي في السكن، وفي حال حدوث أي مشكلة، فإن الرحلة بالطائرة لن تستغرق أكثر من ساعة ونصف”.

أجلس الآن على كرسي المراقب الودود الذي يُعبر بدوره عن رأيه: “أرى شاباً مرتبطاً بأُسْرته؛ ولكنه يحتاج إلى الانفصال عنها لخوض تجاربه الخاصة. تدرك والدته مدى صحة رغبته، وتعرف أن هذه الرحلة ضرورية بالنسبة إليه، كما أنها لم تكن لتسمح له بالذهاب ما لم تظن أنه قادر على خوض هذه التجربة، ورغم ذلك فهي تشعر في أعماقها بحزن شديد بسبب ابتعاده عنها”.

أعود الآن إلى كرسي الأم وأنا أتلقى نصيحة الصديق اليقظ وأعيد صياغتها: “إن الإنجاز الشخصي لابنك ومستقبله يمران عبر هذه التجربة”. أليس جلّ ما تتمنيه هو مساعدته على خوضها؟ لذلك؛ ثقي به وبنفسك أيضاً، واعلمي أن ابتعاده عنكِ لآلاف الأميال لا يعني أنكِ لم تعودي أمه.

تبدو هذه الجملة صحيحةً ومؤلمةً للغاية في الوقت ذاته لدرجة أن صوتي يتهدّج عندما أنطقها.

بعد الانتهاء من التمرين، أشعر بالتعب والارتياح معاً، لقد تمكنت من التعبير بالكلام عن ثقتي بموارد ابني الشخصية؛ لكن أزعجني أيضاً إدراك أنني أخشى أن أُحرم من الأمومة.

تمارين التخيل

تصوُّر الموقف تصوراً إيجابياً

تؤكد ليز بارتولي؛ مختصة علم النفس: “من خلال التفكير بالواقع الإيجابي والشعور به، فإننا نمنحه وجوداً في حياتنا”. يتمحور تمرين التخيل هذا -الذي تجب ممارسته عدة مرات في اليوم- حول استخدام التدريج الواقعي للوصول إلى النسخة الأكثر إيجابيةً من الحدث الذي يزعجنا أو يخيفنا.

وأوضحت المختصة لي أنه كلما كانت طاقتي النفسية إيجابية؛ كانت رحلة ابني وحياته أفضل.

أبدأ التمرين بالاسترخاء في وضعية الجلوس أو الاستلقاء، مع إغماض عينيّ والتنفس بعمق من أنفي. ثم أتخيل ابني في حياته الجديدة، وكيف سيكون مبتسماً وسعيداً ومكتفياً؛ محاطاً بأصدقائه ويمارس شغفه بعزف الموسيقى.

أراه يسير في الشارع، والابتسامة تعلو وجهه على الدوام ويتمتع بصحة جيدة، ويحملني ذلك على الابتسام، فهذه الرؤية مبهجة للغاية.

يجب أن أتخيل الآن شعاعاً يخرج من قلبي ليدخل قلبه؛ شعاع أراه كشريط ذهبي عريض، ثم أقول هذه الجملة: “نحن مرتبطان ببعضنا البعض بغض النظر عن مكان وجود كل منا”، فألمس بذلك قلب خوفي وحزني بينما الدموع تلسع عينيّ.

أنا الآن “أصنعُ” فقاعةً من الضوء تحيط بابني؛ فقاعة هائلة وخفيفة ولامعة أراه يبتسم سعيداً في وسطها، ثم أنطق هذه الجملة: “هذا النور الذي يغلف طفلي سيحميه في كل مكان وفي كل وقت”، وأكررها عدة مرات كشعار أعرف أنني ما زلت بحاجته.