ما تأثير اضطراب الساعة البيولوجية في صحتك النفسية؟ وكيف تعيد ضبطها؟

الساعة البيولوجية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: "من زان نومه، زان يومه"! تعكس المقولة السابقة أهمية النوم لاتزان صحتنا النفسية والجسدية؛ لكن أحياناً يضطرب نومنا وتختل ساعتنا البيولوجية نتيجة المرور بظروف خارجة عن إرادتنا، وعندما نحاول العودة إلى مواعيد نومنا الأساسية نواجه صعوبة بالغة، لذا يعرّفك هذا المقال إلى التأثيرات النفسية التي تحدث لك عندما تتراجع جودة نومك، ويقدم لك مجموعة من الإرشادات العملية لإعادة ضبط الساعة البيولوجية.

يؤثر نومنا في استقرار صحتنا النفسية على نحوٍ ملموس فعندما تتراجع جودته قد يتمكن منا الاكتئاب والقلق والتوتر ويكون من السهل أن نُستثار عصبياً. وتُعد الساعة البيولوجية بمثابة عمود الأساس لجودة نومنا، فهي تضبط إيقاع الحياة اليومية، وتجعل عمل وظائف أجهزة الجسم متوافقاً مع هذا الإيقاع.

لكن أحياناً تضطرب ساعتنا البيولوجية نتيجة تعرضنا لظروف معينة خارجة عن إرادتنا؛ مثل سفرنا بالطائرة إلى مكان توقيته مختلف بدرجة كبيرة عن البلد الذي سافرنا منه، أو عملنا في وظيفة تقتضي طبيعتها أن نعمل ليلاً أو بنظام ساعات العمل المتغيرة، أو حصولنا على إجازة طويلة تجعلنا نفضل السهر ليلاً والنوم نهاراً، فنواجه صعوبة بعد انقضائها في العودة إلى نظام حياتنا الطبيعي.

ولا تتوقف هذه الصعوبة عند محاولاتنا المستمرة للعودة إلى النوم ليلاً والاستيقاظ نهاراً فقط؛ إنما تمتد إلى ظهور تغيرات نفسية مرهقة نمر بها نتيجة اختلال نومنا، لذا نستعرض في هذا المقال ما نمر به في تلك المرحلة وكيفية إعادة ضبط ساعتنا البيولوجية.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين النوم والصحة النفسية؟

كيف تعمل ساعتنا البيولوجية؟

تُعد الساعة البيولوجية أشبه بأجهزة توقيت طبيعية تتفاعل مع خلايا الجسم لتخبرها بالموعد المناسب لفعل الأنشطة اليومية، فتنظم موعد إفراز الهرمونات التي تُشعرنا بالنعاس أو اليقظة أو الجوع.

ويشير الباحث في علم النوم بجامعة كولورادو الأميركية (University of Colorado)، كينيث رايت  (Kenneth Wright) إلى أن جسمنا يمتلك ساعة بيولوجية واحدة موجودة في منطقة الوطاء بالدماغ يعتمد عملها على استشعار الضوء أو الظلام الذي نتعرض له في الخارج.

ويتداخل هرمون الميلاتونين بشكل أساسي مع عمل الساعة البيولوجية، فهو يُفرَز عندما يتلقى معلومات من الأعصاب البصرية بأن الضوء في الخارج انخفض، وحينها يزداد إنتاجه في الدماغ لنشعر تلقائياً بالنعاس والرغبة في النوم.

اقرأ أيضاً: 5 مفاهيم خاطئة عن النوم

ما تأثير اضطراب ساعتنا البيولوجية في صحتنا النفسية؟

وجدت غالبية الدراسات العلمية التي بحثت في العلاقة بين اختلال الساعة البيولوجية واضطرابات المزاج، أن عدم انتظام النوم يزيد احتمالية المعاناة من الاكتئاب، فقد توصل تحليل بُعديّ (تلويّ) أجرته جامعة هاليم بكوريا الجنوبية (Hallym University)، إلى أن العاملين في النوبات الليلية أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة 40% بالمقارنة مع العاملين في النهار؛ كما وجد التحليل أيضاً أن المصابين بالاكتئاب ينتشر بينهم اضطراب الساعة البيولوجية.

تتماشى مع النتيجة السابقة دراسة علمية أجرتها جامعة غلاسكو البريطانية (University of Glasgow) ارتدى فيها الأشخاص الذين خضعوا للدراسة أجهزة لمراقبة نشاطهم على مدار أسبوع كامل، بهدف قياس درجة اضطراب ساعاتهم البيولوجية.

واكتشف الباحثون أن الأفراد الذين نشطوا ليلاً عانوا من التشويش الذهني وارتفعت احتمالية إصابتهم باضطراب مزاجي بنسب تراوحت بين 6% و10% عند مقارنتهم بالأشخاص الذين كان إيقاع يومهم نموذجياً باستيقاظهم نهاراً ونومهم ليلاً، ولم يتوقف التأثير عند حد الإصابة بالاكتئاب، فقد عانوا كذلك من الشعور بالوحدة واتخاذ ردود أفعال غير متناسبة مع المواقف المختلفة نتيجة عدم الاتزان النفسي.

كما يسهم اضطراب الساعة البيولوجية في ارتفاع معدل القلق لأن السهر ليلاً يجعل الشخص يميل إلى النعاس نهاراً؛ ما يؤدي إلى انزعاجه وتوتره بسهولة، وتؤكد ذلك دراسة علمية أجرتها جامعة ليون الفرنسية (University of Lyon) على الأشخاص الذين عانوا من اضطراب الرحلات الجوية الطويلة (jet lag)، واكتشفت أن معدلات معاناتهم من القلق والاكتئاب كانت مرتفعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي يجعلنا ننام في ساعة متأخرة وكيف نتعامل مع هذه المشكلة؟

خطوات عملية لإعادة ضبط ساعتك البيولوجية

يضرب الطبيب السعودي عمار العمار مثالاً على اضطراب الساعة البيولوجية بما يحدث في الأعياد، عندما يلجأ الأشخاص إلى السهر ليلاً والنوم نهاراً ومن ثم يسعون إلى قلب نظام يومهم رأساً على عقب فور انتهاء العيد بالنوم ليلاً والاستيقاظ صباحاً، وهو ما يصفه العمار بأنه أمر غير ممكن؛ إنما المجدي حينها العمل على العودة إلى النظام الصحي بالتدريج.

وتشير الطبيبة المصرية المتخصصة في اضطرابات النوم، شهيرة لوزة إلى أن ما يحدث في فترات ما بعد الأعياد من اضطراب الساعة البيولوجية أشبه باضطراب رحلات الطيران الطويلة، وبالإمكان مواجهته بخطوات عديدة مثل الذهاب إلى النوم عند الشعور بالنعاس فقط، والأهم بعد ذلك الاستيقاظ في وقت باكر قدر الإمكان حتى لو لم ينل الشخص القدر الكافي من النوم، وبمرور الوقت سيجد أن نومه اتزن من جديد، مؤكدة على أنه لا مفر من الإرهاق في البداية مقابل الراحة لاحقاً.

ومن وجهة نظر لوزة، فإن نظام الاستيقاظ لمدة 24 ساعة ثم النوم ليلاً في الموعد المعتاد سيؤدي غالباً إلى انهيار الشخص نهاراً ودخوله في الدوامة المتكررة نفسها، لذا فالحل الأسلم هو العمل على استعادة نظام النوم الطبيعي بالتدريج.

من جانبه، يقدم الطبيب النفسي السعودي إبراهيم حمدي عدة نصائح فعالة لتعديل الساعة البيولوجية؛ ومنها التوقف عن تناول المشروبات المنبهة قبل النوم بـ 6 ساعات، وتقليل النوم في النهار قدر الإمكان، وتجنُّب المجهود الرياضي قبل النوم.

يضيف الطبيب النفسي السعودي أحمد الجدعاني إلى النصائح السابقة تخصيص غرفة النوم للنوم فقط، وتجنُّب ممارسة أي أنشطة أخرى فيها حتى لا تصل رسالة إلى الدماغ بأن غرفة النوم مخصصة لمختلف الأنشطة فتظهر صعوبات النوم، إلى جانب عدم النوم في حال الشبع أو الجوع، وضبط درجة حرارة الغرفة بجعلها متوسطة، والحرص على أن تكون الغرفة مظلمة قدر الإمكان لتسهيل إفراز هرمون الميلاتونين الذي يساعد على النوم.

اقرأ أيضاً: 7 طرق لمقاومة النوم القهري

أخيراً، يمكن القول إن كلمة السر في ضبط الساعة البيولوجية هي الصبر، فالأمر يحتاج إلى بعض المجهود والوقت؛ ولكن لأن "مَن زان نومه، زان يومه"، فالأمر يستحق المحاولة المتكررة حتى تنجح في النهاية وتهنأ بحياتك.