دراسة سعودية حديثة ترصد تفاصيل العلاقة بين السرطان والإصابة بالاكتئاب

4 دقيقة
السرطان
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أظهرت الدراسات العلمية أن الاكتئاب والقلق ينتشران كثيراً بين مرضى السرطان؛ ما يؤثر سلباً في نوعية حيواتهم وكفاءة العلاج. وبالطبع، يختلف انتشار هذه الاضطرابات النفسية بين الدراسات والمجموعات السكانية المختلفة، وإليك في هذا المقال مدى انتشارها في المملكة العربية السعودية، وسر العلاقة بين هذه الاضطرابات النفسية ومرض السرطان، وكيف يمكن لأفراد الأسرة مساعدة مريض السرطان على التعامل مع الاكتئاب والقلق.

السرطان، بحضوره الثقيل، لا يتحدى الصحة الجسدية فحسب؛ بل يلقي بظلاله أيضاً على الصحة النفسية؛ إذ غالباً ما تظهر اضطرابات الاكتئاب والقلق بوصفهما مشكلات محتملة مرافقة للسرطان؛ ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم التحديات الصعبة التي يواجهها المرضى بالفعل. ويعد فهم مدى انتشار اضطرابات الصحة النفسية بين مرضى السرطان أمراً بالغ الأهمية في توفير الرعاية التي يحتاجون إليها.

لذلك؛ ونتيجة أن الدراسات التي تعطي فكرة واضحة عن مدى انتشار الاكتئاب والقلق بين مرضى السرطان ما زالت محدودة في البلدان العربية؛ فقد سعى بعض الباحثين إلى الكشف عن مدى انتشار أعراض هذه الاضطرابات النفسية بين مرضى السرطان في مركز الأورام بمستشفى الملك خالد بنجران في المملكة العربية السعودية، وإليك النتائج التي توصلوا إليها.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة تكشف علاقة وثيقة بين ضعف البصر والإصابة بالاضطرابات النفسية

ما نسبة انتشار الاكتئاب والقلق عند مرضى السرطان؟

في الدراسة العلمية المنشورة في دورية كيوريوس (Cureus) في فبراير/شباط عام 2024، تعاون فريق من الباحثين من جامعة الأزهر في مصر مع فريق بحثي من مركز الأورام التابع إلى مستشفى الملك خالد في مدينة نجران بالسعودية، وقد توصلوا إلى أن 42.4% من مرضى السرطان يعانون الاكتئاب؛ في حين يعاني ما نسبته 23.9% القلق. وجد الباحثون ارتباطاً كبيراً بين الاكتئاب والحالة الاجتماعية، وعزوا ذلك إلى أن تفكك الأسرة وتبعاته والخسائر المالية والتكلفة المرتفعة للعلاج كلها تُفاقم خطر حدوث مشكلات نفسية عند مرضى السرطان.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين الاكتئاب واضطرابات الطعام؟ دراسة جديدة تجيب

بالإضافة إلى ذلك، رصدوا ارتباطاً كبيراً بين الاكتئاب والألم، فمرضى السرطان الذين يعانون الألم يكونون أكثر عرضة إلى الإصابة باضطرابات الاكتئاب مقارنة بالمرضى الذين لا يتألمون. ولا يمكن القول إن هذه النتائج مفاجئة؛ إذ بيّن العديد من الدراسات السابقة أن معدل انتشار الاكتئاب والقلق بين مرضى السرطان يفوق انتشاره بين عامة السكان.

على سبيل المثال؛ وجدت دراسة سابقة أُجريت في مركز الحسين للسرطان في الأردن ونُشرت في دورية الحدود في علم النفس (Frontiers in Psychology) عام 2021، بقيادة أستاذ كلية الصيدلة في جامعة عمان، عبد الله ناصر، أن معدل انتشار أعراض الاكتئاب والقلق بين مرضى السرطان كان 23.4% و19.9% على التوالي. وكانت أعراض الاكتئاب أكثر انتشاراً بين المرضى الذين أُدخلوا إلى المستشفى (37.1%) مقارنة مع المرضى في العيادات الخارجية (14.5%).

وقد وجدت دراسة علمية أُجريت في إحدى مستشفيات البرازيل ونُشرت في دورية بي إم سي (BMC) عام 2023، أن نسبة انتشار الاكتئاب والقلق بين المرضى بلغت 44.3% و25.7% على التوالي؛ أما نسبة الأشخاص الذين يعانون أعراض الاكتئاب والقلق معاً، فبلغت 52.9%.

في حين بينت دراسة أخرى نُشرت في دورية بي إم جيه (BMJ) عام 2019، وأُجريت في مركز علاج السرطان في مستشفى حواسا الجامعي التخصصي في جنوب إثيوبيا، أن 58.8% من مرضى السرطان يعانون الاكتئاب؛ في حين يعاني ما نسبته 60% منهم القلق.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: عمر المصاب بالوسواس القهري قد يكون أقل من غيره بـ 9 سنوات!

لماذا يزداد انتشار الاكتئاب والقلق بين مرضى السرطان؟

من منظور بيولوجي، يمكن للتغيرات الفيزيولوجية التي يسببها السرطان وعلاجاته أن تسبب الالتهابات أو تعطل وظيفة الناقلات العصبية والتوازن الهرموني؛ ما قد يسبب نشوء اضطرابات المزاج. ومن ناحية نفسية، فثمة عوامل عديدة تفسر ذلك؛ إذ أشارت دراسة منشورة في مجلة طب الأسرة والرعاية الأولية (Journal of family medicine and primary care) عام 2022، إلى أن تجربة التشخيص بالسرطان في حدّ ذاتها تجربة مرهقة ومؤلمة، فعدم اليقين بشأن المستقبل، والخوف من نتائج العلاج، والتهديد الوجودي الذي يشكله المرض؛ كلها عوامل تسهم في ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب.

اقرأ أيضاً: دراسة جديدة تكشف ضرر الضغوط المالية في صحتك النفسية، فكيف تواجهها؟

بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الصعبة لعلاج السرطان؛ بما يشمل أساليبه المملة ومدته الطويلة، تُفاقم الضائقة النفسية، فكل من الإجراءات الجراحية، والعلاج الكيميائي، والعلاج الإشعاعي، لا يؤثر سلباً في الصحة البدنية فحسب؛ بل قد يؤثر سلباً في الرفاهية العاطفية أيضاً.

وتؤدي العوامل الاجتماعية والاقتصادية أيضاً دوراً مهماً في تطور الاضطرابات النفسية بين مرضى السرطان؛ إذ تؤدي المشكلات العائلية أو الافتقار إلى الدعم العاطفي أو الضغوط المالية إلى تفاقم مشاعر العزلة واليأس؛ ما يسهم في ظهور القلق والاكتئاب أو تفاقمهما.

علاوة على ذلك، فإن الطبيعة المزمنة للسرطان وتأثيرها في الأداء اليومي تعطل إحساس المرضى بالحياة الطبيعية والاستقلال؛ إذ يمكن أن تؤدي الأعراض المرتبطة بالسرطان مثل الألم والتعب والقيود الجسدية إلى فقدان الاستقلالية وانخفاض نوعية الحياة، ما يسهم في زيادة مشاعر الاكتئاب والقلق. وتشير الدراسة أيضاً إلى أن المرضى الذين يعانون الاكتئاب يكونون أكثر عرضة للمعاناة من الألم المرتبط بالسرطان وانتشاره، وهذا ما يشير إلى أهمية علاج الاضطرابات النفسية في تعزيز كفاءة العلاج في مرضى السرطان.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: يمكن تشخيص الاكتئاب عن طريق العينين، فكيف سيحدث ذلك؟

كيف يمكن لأفراد الأسرة مساعدة مرضى السرطان على إدارة القلق والاكتئاب؟

يؤكد الطبيب النفسي طارق الحبيب أن الاكتئاب يصيب نصف مرضى السرطان، لذا لا بد من الإسراع في علاجه حتى لا يجتمع هم المَرضين كليهما على الشخص. في الواقع، تعد معالجة الاضطرابات النفسية عند مرضى السرطان أمراً بالغ الأهمية لتحسين الصحة العامة ونتائج العلاج. وتقترح الدراسة السابقة تدخلات نفسية مختلفة؛ مثل العلاج المعرفي السلوكي وبرامج الدعم الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، فإن دمج الدعم النفسي والاجتماعي في مراكز رعاية الأورام يمكن أن يعزز مرونة المرضى وآليات التكيف، ما يؤدي في النهاية إلى تحسين نوعية حياتهم.

وبالطبع، يمكن لأفراد الأسرة مساعدة مرضى السرطان على إدارة القلق والاكتئاب من خلال توفير الدعم والتفهم الضروريين. فيما يلي بعض الطرائق التي يمكن لأفراد الأسرة المساعدة من خلالها:

  • التعرف إلى علامات الاكتئاب والقلق وتشجيع طلب المساعدة المتخصصة: يجب على أفراد الأسرة تشجيع المريض على طلب المساعدة النفسية المتخصصة عند ملاحظة علامات القلق أو الاكتئاب، لما له من دور في تحسين صحتهم النفسية وتعزيز كفاءة العلاج.
  • تقديم الدعم العاطفي: يساعد الاستماع الفعال وإظهار التعاطف ومرافقتهم إلى جلسات العلاج على تخفيف مستويات القلق عند مرضى السرطان وتحسين نوعية حيواتهم.
  • المساعدة على أداء المهام اليومية: تسهم بعض الأفعال مثل إدارة العلاج الموصوف، والتعامل مع أعراض المريض، والتعامل مع زيارات المستشفى، وإعداد الوجبات، والأعمال المنزلية، ورعاية الأطفال وغير ذلك، في تخفيف العبء على مرضى السرطان وتحسين رفاهيتهم.
  • التشجيع على الرعاية الذاتية: تشجيع مرضى السرطان على اتباع ممارسات الرعاية الذاتية؛ مثل التحدث مع الأصدقاء، والانخراط في الأنشطة الممتعة، والانضمام إلى مجموعات الدعم، وممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التأمل واليوغا؛ إذ قد تساعد هذه الاستراتيجيات على إدارة الاكتئاب والقلق.
  • ممارسة الرعاية الذاتية: وُجد أن مقدمي الرعاية معرضون لخطر متزايد للإصابة بالاكتئاب والقلق هم أيضاً؛ لذلك على أفراد الأسرة الذين يقدمون الرعاية لمرضى السرطان أن يهتموا بصحتهم الجسدية والعاطفية والنفسية حتى يستطيعوا تقديم المساعدة والرعاية للغير، وعليهم ألا يترددوا في طلب المساعدة المتخصصة عند وجود صعوبة في التعامل مع مشاعرهم.

المحتوى محمي !!