كيف نستخدم الطبيعة لعلاج الاضطرابات النفسية؟

العلاج بالطبيعة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد تساورنا الشكوك حول حقيقة الاعتماد على الطبيعة من حولنا لعلاج بعض الاضطرابات النفسية والعقلية ومدى فعاليتها. وفي ظل عدم وضوح الصورة الكاملة للبعض منّا، قد ننسى أحياناً أننا نحن البشر جزء لا يتجزأ من النظام البيئي (Ecosystem).
ويشير المعنى اللغوي لكلمة “إيكو” (Eco) إلى “البيئة”، كما أنها مشتقة من كلمة أخرى تعني المنزل في اللغة اللاتينية. لذا، تُعرف الممارسات العلاجية التي تتضمن القيام بأنشطة خارجية في الطبيعة باسم العلاج بالطبيعة (Ecotherapy).

فحسب تعبير علماء من وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA)، في دراسة منشورة عام 2018 لصالح مجلة “فرونتيرز” (Frontiers) في قسم علم النفس؛ تجعلنا ممارسات العلاج بالطبيعة قادرين على التفاعل مع الطبيعة لتعزيز الشفاء والنمو.

لذا؛ دعونا نتعرف إلى العلاج بالطبيعة وتطبيقاته في علاج الاضطرابات النفسية والعقلية.

العلاج بالطبيعة يختلف من شخص لآخر

يمكن أن يأخذ العلاج بالطبيعة أشكالاً مختلفة تعتمد كلياً على الهدف الرئيس منه. ولا يرتبط العلاج بالطبيعة فقط بالذهاب إلى مكان محدد تغلب عليه درجات اللون الأخضر؛ إنما تتناسب تلك الممارسات العلاجية مع تفضيلات الإنسان وبيئته المحيطة.

فعلى سبيل المثال؛ قد يفضّل بعض الأشخاص القيام ببعض الأنشطة الفردية مثل العناية بحديقة الحي أو ممارسة الرعاية المنتظمة لحديقة الفناء الخلفي للمنزل. بينما يهوى أشخاص آخرون تجربة الانغماس في الطبيعة من خلال الاستمتاع بالمناظر في أثناء المشي أو ركوب الدراجات عبر الغابات. فيما يجد آخرون متعتهم في قضاء وقت ذي معنى أعمق من خلال مشاركة اللحظات مع الأهل أو الأصدقاء في الطبيعة بإعداد وجبات الطعام ومشاركتها معاً.

بعض أنواع العلاج بالطبيعة

يمكن أن تتضمن برامج العلاج بالطبيعة مجموعة واسعة من الأنشطة الخارجية في البيئة المحيطة بنا. فعلى سبيل المثال:

  • العلاج بالمغامرة: يتضمن القيام بأنشطة بدنية تتسم بروح المغامرة في مجموعات؛ مثل تسلق الصخور أو الكهوف والتزلج على كثبان الرمل والتجديف نزولاً في المنحدرات النهرية.
  • العلاج بمساعدة الحيوانات: يتضمن التواجد في مساحات خاصة؛ مثل المزارع التي يقضي بها الإنسان وقتاً للاسترخاء مع الحيوانات إما بإطعامها أو اللعب معها.
  • العلاج من خلال العناية بالغطاء النباتي: يتضمن ذلك القيام بأنشطة بدنية مناسبة لكثير من الأعمار؛ مثل نثر البذور أو حصد المحاصيل أو المساعدة في إدارة الغابات والمحميات الوطنية المعنية بحماية المساحات الطبيعية والعناية بها.
  • العلاج من خلال الفنون والحرف اليدوية: يقوم الناس بأعمال فنية في البيئات الخضراء من حولهم. وقد يستخدمون البيئة نفسها كمصدر إلهام لعمل منتج فني، أو بعض المواد التي تهديها لهم الطبيعة؛ مثل الرمل أو الخشب أو العشب أو الطين.

العلاج بالطبيعة والاضطرابات النفسية والعقلية

في دراسة نُشِرَت في عدد يناير/كانون الثاني 2022 لصالح “مجلة الطب التكاملي والتكميلي” (Journal of Integrative and Complementary Medicine)، ذكر علماء من مايو كلينيك في جاكسونفيل أن العلاج بالطبيعة يُمثّل التَوجُّه الحالي للطب الحديث.

عموماً؛ يأتي هذا الاهتمام نتيجة الاعتقاد العميق بالأثر ثنائي الاتجاه للطبيعة على صحة الإنسان (يؤثر الإنسان بالطبيعة ويتأثر بها). ويمكن ملاحظة آثارها المتعددة؛ منها الجسدية والعاطفية والنفسية والروحانية.

فالأطباء ومختصو الصحة النفسية أصبحوا أكثر انفتاحاً لإمكانية تَبنّي الممارسات العلاجية التي تعزز العلاقة بين الإنسان وبيئته المحيطة، وتستفيد منها في زيادة فعالية الخطط العلاجية المقرَّرة.

تُحسِّن ممارسات العلاج بالطبيعة الصحة النفسية والعقلية من خلال ربط الناس بالطبيعة، وتسهيل تواصلهم الاجتماعي، وتوفير الدعم المجتمعي لهم، وإشراكهم في المهام التي يعتبرونها هادفة، بحسب مراجعة لفريق “ناتشورال إنغلاند” (Natural England) منشورة عام 2016.

وفي دراسة حديثة نُشِرَت عام 2020 لصالح مجلة “فرونتيرز” (Frontiers) قسم الصحة العامة، تحدث علماء من الهند عن فعالية تقنيات العلاج بالطبيعة في مواجهة عدد من الاضطرابات النفسية والعقلية؛ مثل الاكتئاب والتوتر واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).

كيف نمارس العلاج بالطبيعة؟

بحسب منظمة “مايند” (Mind) الخيرية التي تنشط في مجال الصحة النفسية، فليس هناك تعريف واحد يمكن الاتفاق عليه بالإجماع لما قد يوصف على أنه علاج بالطبيعة؛ ولكن في الأغلب يصف المصطلح العام أي نشاط له هيكل واضح ويحدث بشكل منتظم.

فعلى سبيل المثال؛ قد يقود مختصون مُدَربُون -بينهم معالجون نفسيون- تلك الممارسات التي تحدث في بيئة مهيأة ومناسبة في الطبيعة، والتي ستركز حينها على استكشاف وتقدير العالم الطبيعي من حولنا، بما يضمن قضاء وقت من شأنه جعلنا أفضل وأكثر صحة.

وفي حال اتخذ الشخص قراراً بتجربتها دون إشراف مختص، فيمكن القيام ببعض الخطوات التي شاركتها كريستال رايبول في مقالها المنشور في منصة “هيلثلاين” (Healthline):

  • ممارسة أنشطة بسيطة للغاية: يمكن تجهيز كيس فارغ وارتداء قفازات مطاطية لجمع القمامة خلال ممارسة المشي حول الحي.
  • تجربة العناية بالطبيعة: يمكن أن تساهم أعمال الحفر والزراعة والحصاد في إضافة بُعد جديد وتجربة عميقة، من خلال ملامسة التراب واستنشاق الروائح والتَمعُّن في الطبيعة حولنا.
  • تجربة مشاهدة النجوم ليلاً: يمكن للأشخاص الليليين أو بوم الليل (Night Owls) الاستمتاع بالطبيعة في الليل عوضاً عن الاستلقاء أمام التلفاز.
  • قضاء يوم في الغابة: يمكن الاستغناء عن الهواتف الذكية، وعوضاً عنها؛ يحضر الشخص كتاب وقراءته أو يمارس التأمل أو يجرب ممارسة التدوين أو الرسم.
  • تجربة بعض من الأنشطة اليومية في الطبيعة: يمكن ممارسة الرياضة من خلال ركوب الدراجة أو الركض على طول مسارات المتنزه أو حتى الجلوس على مقعد تحت شجرة أو ممارسة اليقظة الذهنية في أثناء تناول وجبة في بيئة طبيعية جميلة.

في النهاية؛ من شأن العلاج بالطبيعة إحداث الفرق عند استخدامه في الخطط العلاجية لبعض الاضطرابات النفسية والعقلية، خاصة مع انعدام التكلفة المالية تقريباً؛ ما يجعل تبنّيه أمراً يسيراً لدى الكثير من الناس.