كيف تتأثر نفسية الأشخاص الذين يعايشون الحروب؟ وما سبل حمايتهم؟

التأثيرات النفسية لمعايشة الحروب
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: ما هي التأثيرات النفسية لمعايشة الحروب؟ وكيف يبرز الإجهاد المزمن كأحد الحالات النفسية التي تُسهم في ظهور اضطرابات نفسية في مراحل لاحقة من حياة الأشخاص في مناطق الحرب والنزاع؟ هذا وتفاصيل أخرى مرتبطة ستتعرّف إليها في هذا المقال.

توضّح الطبيبة النفسية الفلسطينية، إيمان فرج الله، إن تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لا يعكس ما يعاني منه الناس في غزة. فما يحدث حقيقة هو صدمةٌ مستمرة تحدث على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. والعديد من الأشخاص الذين يعانون من أعراض الصدمة والاكتئاب يُصارعون للتعافي بسبب الإجهاد المزمن (Chronic Stress) نتيجة الفقر والخسائر في الممتلكات الشخصية.

ويشير أستاذ واستشاري الطب النفسي، طارق الحبيب، إلى أن أغلب التغيّرات النفسية التي تطال الأفراد نتيجة الحروب تكون غير ملموسة وآثارها بعيدة. ويؤكّد على وجود دراسات عديدةٍ تثبت إصابة الأشخاص الذين عاشوا في مناطق الحرب والنزاع في طفولتهم ـ ممن يفتقرون إلى مهارات التكيّف مع ضغوط وأزمات الحياة ـ من أمراض واضطراباتٍ نفسية عدّة في مراحل لاحقة من حياتهم.

ما هي التأثيرات النفسية لمعايشة الحروب؟

أكّدت الباحثة “أمريتا راثي” (Amrita Rathi) من كلية المعلمين بجامعة كولومبيا (Columbia University) الأميركية، في ورقة بحثية نشرتها الجمعية الأميركية لعلم النفس (American Psychological Association) على الآثار النفسية العميقة والمتنوّعة التي تُحدثها الحرب على المدنيين، بما يشمل الضحايا المباشرين وغير المباشرين.

فبالإضافة إلى العواقب الجسدية مثل الوفاة والإصابة والعجز، نجد أن الآثار العاطفية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق هي الحالات النفسية الأكثر شيوعاً بين الأفراد الذين عايشوا الأحداث المؤلمة المتعلقة بالحروب، حيث يمكن أن تسهم تلك الضوائق النفسية في تعطيل سيرورة الحياة اليومية، وتضرّر العلاقات الاجتماعية.

أما المُعالجة والمحللة النفسية، ثروت دليقان، فتوضّح إن الإحساس بالظلم، والخوف من الجوع والموت هي مجموعة من المشاعر السلبية التي تطغى في أوقات الأزمات كالحروب، فتُضعف الأفراد المتأثّرين بها نفسياً وعاطفياً، فينعدم لديهم الإحساس بالأمان. وفيما يتعلّق بتأثيرات الحروب على نفسية الأطفال، فقد أشارت المتخصصة النفسية إلى الأعراض التالية:

  • نوبات البكاء والغضب غير المتوقعة.
  • التبول اللإرادي.
  • الخوف من فقدان الأبوين.
  • قضم الأظافر.
  • عدم القدرة على التركيز.
  • العزلة وانخفاض الرغبة في التواجد مع الأقران أو العدائية.
  • اضطرابات النوم والكوابيس.
  • الكبت والنسيان كآلية دفاعية نفسية.

تسونامي من سوء الصحة النفسية يهدد المنطقة!

اضطراب ما بعد الصدمة ليس العرض الوحيد لدى الأشخاص الذي يعيشون في مناطق الحرب، أو نجوا من أحداثها، فقد أوضحت مراجعة بحثية نُشرت في عام 2019، عمل عليها باحثون من مجموعة بارناسيا (Parnassia Group) الهولندية، المختصة بالصدمات النفسية، إن ثمّة آثاراً خفيّة طويلة الأمد قد تظهر بشكلٍ متأخّر لدى الأفراد نتيجة التعرّض للحرب والعنف، وهي تتجاوز بالتأكيد اضطراب ما بعد الصدمة.

فقد يُظهر هؤلاء الأفراد أنواعاً مختلفةً ومتغيّرة من الأعراض خلال مسارات حياتهم، وقد يتم تشخيصهم في بعض الأحيان بأنهم مصابون بأمراض نفسية مختلفة غير اضطراب ما بعد الصدمة. فمحاولتهم الدائمة للتأقلم مع هذا الأخير، قد يؤدي إلى تفاقم حالاتٍ أخرى مثل: الفصام، ومشكلات التعلّق، وتغيرات الشخصية، ومشاعر الذنب والعار والغضب، والأحاسيس الجسدية الناجمة عن تفعيل الإجهاد المزمن.

وفي تعليقّ على الأحداث الحالية في فلسطين، يقول عميد كلية الصحة العامة بجامعة بوسطن الأميركية، “ساندرو غاليا” (Sandro Galea): “نحن على أعتاب تسونامي من سوء الصحة النفسية في المنطقة”. ويوضّح إن أولئك الذين تأثّروا بشكلٍ مباشر بصدمة جماعية، والذين فقدوا شخصاً عزيزاً، أو أحد أطرافهم، أو منزلهم، هم بالطبع الأكثر عرضة لخطر الإصابة بأعراض الأمراض النفسية. حيث من المرجح أن يعاني من الأعراض المزمنة الأشخاص الذين عانوا من صدمات وصعوبات سابقة، والأشخاص الذين ما يزالون يعانون من إجهادٍ مزمنٍ في حياتهم، مثل انعدام الأمن الوظيفي والسكن، ونقص الدعم الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: ما هو الإجهاد التأكسدي؟ وكيف تحمي نفسك منه؟

كيف يمكن الحد من الأضرار النفسية للحرب؟

تشير ثروت دليقان إلى ما يسمى في التحليل النفسي ب”عودة المكبوت”؛ وهي الحالة النفسية التي يسترجع فيها الشخص مشكلاته المكبوتة في مرحلة الطفولة نتيجة صدمة أو عاملٍ محفّزٍ في الكبر. ويتسبّب ذلك في ظهور العديد من الاضطرابات والأمراض النفسية.

وبالنسبة للأطفال الذين فقدوا ذويهم أو عايشوا الأحداث الصادمة المرتبطة بالحرب، تكون الروابط العائلية المتماسكة أحد عوامل الحماية من خطر الاضطرابات النفسية والاكتئاب ونوبات القلق أو الهلع التي يمكن أن تظهر لديهم كبالغين نتيجة ما أسمته بعودة المكبوت.

هذا بالإضافة، إلى عوامل حماية أخرى، ولاسيما في حالة غياب أو فقد الأسرة، وهي؛ الدعم النفسي الذي يمكن أن تقدّمه الدول لمواطنيها. كما أشارت إلى عامل الإيمان الذي يمكن أن يحمي ويُقوّي البنية النفسية للأفراد الذين تعرّضوا لهذه الفئة من الأزمات.

كما تؤكّد الباحثة “أمريتا راثي” كذلك في ورقتها البحثية على أهمية مفهوم المرونة النفسية والمجتمعية كاستجابة للأحداث المؤلمة، والتي يمكن دعمها بعوامل وقائية مثل العلاقات الإيجابية لتعزيز الشفاء النفسي بعد الحرب.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يسبّب الإجهاد والتوتر سرطان الثدي؟ 

وأخيراً، مهما تحدّثنا عن سيناريوهات الحياة ما بعد الحرب أو حتّى خلالها، لا يمكن أن نضع أيدينا تماماً على كلّ ما يمكن أن يتجرّعه الأشخاص الذين عاشوا أو يعيشون في مناطق الحرب والنزاع. بدءً من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب إلى الفصام والإجهاد المزمن؛ يتعرّض هؤلاء إلى شّتى أنواع الاضطرابات والأمراض النفسية التي تتفاقم بعدم توفّر عوامل الحماية كالدعم النفسي.

المحتوى محمي !!