انشغالك الدائم ربما يدل على هروبك من مشاعرك المؤلمة، فكيف تواجهه؟

4 دقائق
الانشغال الدائم
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: "المنشغل دائماً هو الأكثر نجاحاً"، تعكس الجملة السابقة قناعة منتشرة في أذهان الكثيرين دفعت البعض منهم إلى محاولة جعل جدول مهماته مزدحماً قدر الإمكان، فأصبح يصنَّف ممن يعانون الانشغال الدائم؛ وهو ما يؤدي لاحقاً إلى المعاناة نفسياً وجسدياً، فما أسباب الاندفاع وراء هذا السلوك المضر؟ وكيف تُمكن مواجهته؟ الإجابات في هذا المقال.

دعني أنطلق معك في مقالنا هذه المرة من تصور كان شائعاً في عقول الكثير منا في الطفولة؛ ألا وهو أن الشخص الشديد الانشغال هو بالضرورة شخصية مهمة في محيطه ومن ثم ترتفع قيمته الذاتية. ربما تسببت هذه الفكرة في سعي البعض، دون وعي، إلى الدخول في هذه المساحة، فصار يزاحم نفسه بالمهمات التي لا تنتهي ليدرك لاحقاً أنه وقع في فخ، فأصبح يعاني بغية التواصل مع ذاته وممارسة الأنشطة التي يحبها بالفعل؛ لا تلك التي يتظاهر بحبها.

وتعكس الممارسة السابقة ما يُعرف بـ "الانشغال الدائم" الذي يجعل الكثيرين يستنزفون صحتهم النفسية والجسدية في سبيل الظهور بمظهر مجتمعي مميز، فيصيبهم الندم في لحظة إدراك أن الخسائر الفادحة لا تتناسب مع المكاسب الوهمية؛ لكن ما علاقة الاضطرابات النفسية بهذا السلوك؟ وكيف يمكن التغلب عليه؟ هذا ما سنتعرف إليه معاً.

متى يكون الانشغال الدائم بوابة للهروب؟

يرى الكاتب السعودي أحمد حسن مشرف، أن الانشغال الدائم له علاقة أحياناً بالكسل، ويقصد به الكسل عن مواجهة الأخطاء الكبيرة في سلوكياتنا أو مواجهة مخاوفنا، فهو ربما يعكس وجود مخاوف داخل الشخص يود الهروب منها؛ بعضها يكون مرتبطاً بجوانب شخصية، والبعض الآخر منها يكون متصلاً بالجانب المهني؛ مثل حاجته إلى إثبات استحقاقه للترقية القادمة التي يطمح إليها، وخوفه من ألا يحصل عليها.

وتوضح المختصة النفسية شايان براينت (Cheyenne Bryant)، إن هناك 8 علامات تشير إلى أن الشخص يستخدم الانشغال الدائم بوصفه وسيلة للهروب من مشاعره المزعجة:

  1. بمجرد ظهور المشاعر المزعجة، يندمج الشخص في أداء مهمات العمل حتى ولو لم تكن عاجلة.
  2. عند توقفه عن العمل أو أخذه اجازة، تظهر تلك المشاعر المؤلمة على السطح وتجعله يعاني الحزن واليأس من كونه لم يفلح في الهروب منها تماماً.
  3. كثيراً ما يشعر بالغضب أو الإحباط أو تقلُّب المزاج أو القلق.
  4. لا يوجد لديه وقت للاعتناء بنفسه والترفيه عنها.
  5. يلفت انشغاله الدائم انتباه مَن حوله، فيطمئنون عليه ويسألونه إذا كان بخير.
  6. جدول أعماله ممتلئ باستمرار.
  7. يشعر بالإرهاق نتيجة عدم قدرته على التقاط أنفاسه والاستراحة ولو قليلاً.
  8. لا يتواصل مع ذاته إلا في فترات متباعدة للغاية.

وتؤكد المحللة النفسية كريستين بيسلي (Kristen Beesley)، إن الانشغال الدائم يكون في كثير من الأحيان أسلوباً دفاعياً للهروب من القضايا الشخصية الأساسية التي تجب على الشخص مواجهتها ومعالجتها؛ مثل مروره بتجربة انفصال عن شريكته أو معاناته آثار الإساءات التي تعرض لها في الطفولة، فهو يلهيه عن مشاعره المزعجة والمؤلمة ويجعله غير متاح لإداركها، فيتحول إلى أسلوب لقمعها.

اقرأ أيضاً: تجنَّب استخدام هاتين الكلمتين حتى لا تخسر أصدقاءَك

كيف يؤذيك الانشغال الدائم؟

يوجد فرق من المهم توضحيه بين أن يكون الشخص مشغولاً وأن يكون مُنتِجاً، فكونه منشغلاً دائماً لا يعني بالضرورة أنه شخص مُنتِج أو متمكِّن من تنظيم وقته ومهماته بكفاءة عالية، وقد يؤدي الانشغال الزائد إلى اختلال التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

يُحدث ذلك تِباعاً سلسلة من الآثار السلبية المتعددة؛ في مقدمتها أنه لا يتمكن من الإقدام على قرارات جيدة وصائبة من الأساس، فتركيزه وإدراكه يصبحان أشبه بنفق مظلم نتيجة الضغوط المتلاحقة التي تحيط به؛ ما يعني عدم تمكُّنه من رؤية ما يدور حوله بصورة شاملة. وبصفة عامة، يمكن القول إن الشخص الواقع تحت الضغط غالباً ما يتخذ قرارات سيئة.

يتصل بالبُعد السابق العيشُ في حالة من التوتر الدائم نتيجة تكاثر المهمات على الشخص، وشعوره بأن الوقت المتاح لديه لا يكفي لتأديتها؛ وتنتج من التوتر المستمر معاناة أعراض جسدية مزعجة مثل: ارتفاع معدل نبض القلب، وتشنج العضلات، وتراجع المناعة، وظهور اضطرابات النوم، ومشكلات الجهاز الهضمي، والإصابة بالصداع، والإرهاق.

وتظهر على الشخص الدائم الانشغال أعراض نفسية عِدّة؛ أهمها: القلق، والحزن، والإحباط، والغضب، ومعاناة الوحدة، والشعور بالذنب أو بعدم الجدارة نتيجة عدم قدرته على الانتهاء من قائمة المهمات الطويلة التي يُلزم نفسه بها في الوقت المحدد؛ ما قد يقلل ثقته بنفسه، ويؤدي إلى وقوعه ضحية لاضطرابات أكثر خطورة مثل الاكتئاب أو تعاطي المخدرات.

ولا ننسى أن مَن يعاني الانشغال الدائم غالباً ليس لديه الوقت اللازم للتواصل مع محيطه الاجتماعي؛ وهذا يؤثر في علاقاته سلباً نتيجة شعور المقربين منه بالرفض أو الغضب تجاه عدم وجوده بصفة دائمة، فينعكس عليه بزيادة توتره لعدم قدرته على الاندماج في علاقاته والحضور فيها كما يجب.

اقرأ أيضاً: متى تستسلم وتتخلى عن طموحك المهني الخاطئ؟

5 إرشادات عملية لتتجنَّب الوقوع في فخ الانشغال الدائم

إذا كنت تعاني الانشغال الدائم، فربما تشعر بأنك غارق في دوامة لا تنتهي من المهمات يصعب الخروج منها بعض الشيء. لذا؛ نساعدك بتقديم بعض الإرشادات العملية:

1. أَعِد ترتيتب أولوياتك

مهما كانت أهمية العمل في حياتك، فحقيقة الأمر أنه يمكن استبدال أمور أخرى به إلى حد ما؛ لكن عندما يتعلق الأمر بتدهور صحتك أو علاقتك بأسرتك، فغالباً ما ستكون الآثار فادحة وممتدة.

2. مارِس اليقظة الذهنية

يؤدي الانشغال الدائم إلى فقدانك اتصالك مع ذاتك بنسبة كبيرة؛ لذا حاول ممارسة بعض تمارين اليقظة الذهنية وأيضاً تمارين الاسترخاء والتأمل من أجل إفساح المساحة للتفكر فيما تفعله بحياتك.

3. خطّط لإجازة

ستساعدك هذه الخطوة على استعادة طاقتك المستنزَفة؛ لكن احذر أن تملأ جدول أنشطتك الترفيهية مثلما كنت تفعل في جدول مهماتك.

4. ضَع حدودك

حان الوقت من أجل أن تعيد إقامة حدودك في أماكنها، فتتوقف عن قول "نعم" باستمرار وتخصص وقتاً لنفسك كل يوم تفعل فيه ما يحلو لك.

5. لا مانع من المواجهة

إذا كان انشغالك الدائم بسبب معاناتك بعض الاضطرابات النفسية أو المشاعر المزعجة، فاستعدَّ لمواجهتها، ولا تتردد في طلب مساعدة المختص النفسي عند الحاجة.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر عدم الفصل بين حياتك الشخصية والمهنية في صحتك النفسية؟ وماذا تفعل لتجنُّبه؟

أخيراً، تذكّر أن الانشغال الدائم، على الرغم من التسويق له في عصرنا على أنه ميزة، في الحقيقة ليس كذلك، فهو سيدفعك إلى الجري في مسار من الضغوط التي لا تنتهي؛ لذا تذكّر دائماً أن الحفاظ على صحتك هو الأولوية.