كيف يكون دماغنا مسؤولاً عن انجذابنا الجنسي تجاه الآخر؟

الانجذاب الجنسي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يتفق مختصو التحليل النفسي وعلماء الأعصاب، على أن الدماغ هو المسؤول الوحيد عن الانجذاب الجنسي والتحكم في رغبتنا الجنسية؛ وهو ما تؤكد عليه الأبحاث.
هناك علامات جسدية على الرغبة الجنسية لا لُبس فيها؛ مثل خفقان القلب، وتعرق راحتيّ اليدين، واتساع حدقة العين، فهكذا يتحدث جسدنا عن رغبتنا. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه المؤشرات الفيزيولوجية ليست سوى ثمرة “صداع” عصبي ونفسي حقيقي.

يقول المعالج النفسي و الجنسي آلان هيريل: “الدماغ هو أول عضو جنسي لدينا”؛ وهو ما تشير إليه الدراسات والأبحاث السريرية الأحدث المنشورة حول هذا الموضوع؛ إذ يؤكد الباحثون أن الدماغ يعطي أوامر الانجذاب الجنسي تجاه الآخر، كما أنه يوضح الدافع وراء هذا الانجذاب ويفصّله.

ما الذي يحفز الانجذاب الجنسي لدينا؟

تُعرِّف عالمة البيولوجيا العصبية لوسي فينسنت، الرغبة على أنها اهتمام جنسي بشريك، ينجم عن عنصرين؛ العنصر الأول هو الرغبة في التكاثر، أما العنصر الثاني فيمثل كل القرائن الجسدية والعاطفية والسلوكية المخزنة في تاريخ كل شخص.

وتبدأ هذه القرائن بعلاقة الشخص مع والديه منذ ولادته؛ توضح لوسي فنسنت: “تُدرج جميع الخصائص الجسدية والنفسية للمسؤولين عن تربية الطفل ورعايته في دماغه؛ حيث يربط الدماغ هذه الخصائص بأحاسيس ممتعة مثل الانتباه والاهتمام، وبمعنى آخر؛ كل ما يضع الطفل في حالة من الرفاهية. وفي وقت لاحق من حياته؛ عندما يلتقي بشخص آخر يذكّره بخصائص والديه؛ كلون الشعر والعينين، وشكل الوجه، والرائحة، فإن الدماغ يتعرف على هذه الخصائص، ويربطها على الفور بمفهوم المتعة؛ ما يسبب الانجذاب نحو هذا الكائن بالذات”.

ويوضح الباحث أن المعلمات الأخرى تؤدي أيضاً دوراً من سن البلوغ: “عندما يحدث التطور الجنسي، فإن الهرمونات -الإستروجين للفتيات، والتستوستيرون للأولاد- تجهّز الدماغ ليكون منتبهاً للعلامات المتعلقة بالجنس”.

من جهة أخرى؛ تختلف طريقة الانجذاب نحو الآخر بين المرأة والرجل، تبعاً للاختلاف البيولوجي بينهما. ينتج الرجل مليارات الحيوانات المنوية، بينما تعطي المرأة بويضةً واحدةً في الشهر، وعندما تكون حاملاً، يتوقف إنتاجها لمدة 9 أشهر على الأقل؛ لكنها تحصل على مكافأة في المقابل – ألا وهي يقينها من أن هذا الطفل هو طفلها.

أما الرجل، فلا يكون متأكداً من أبوّته البيولوجية، لذا فهو يحاول دون وعي منه أن يجد امرأة خصبةً ووفيةً لضمان نسبه، فتتحفز رغبته من خلال ما يحدده الدماغ على أنه علامات على الخصوبة و”الجدية” المحتملة؛ كالشفاه الفاتنة، ونسبة الخصر إلى الورك المتناغمة، والشعر اللامع، والنظرة مسبلة الأهداب، والابتسامة، والصدر الممتلئ ورائحة الفيرومونات، فهي كلها تفاصيل مبشرة؛ قد يكون الرجل حساساً تجاهها.

من جانبها؛ تسعى المرأة إلى ضمان بقاء نسلها وسلامته. تنجذب بعض النساء إلى نبرة الصوت العميقة، وشكل الوجه، والروائح والفيرومونات أيضاً؛ مثل هرمون الأندروستيرون؛ الذي يملك تأثيراً قوياً جداً في تحفيز الانجذاب الجنسي لدى الجنس اللطيف وفقاً للوسي فنسنت.

ما الذي يحفز الإغواء بين الطرفين؟

تختلف أهمية المعايير التي تحفز الإغواء لدينا وفقاً لخلفيتنا وخبراتنا العاطفية، وتتحد هذه العوامل بطريقة مختلفة بين كل شخصين، لتحفيز عملية الإغواء بينهما.

ويمكن تشبيه الأمر بلعبة كرة الطاولة؛ إذ يتبادل الطرفان خلال العملية رسائل غير واعية عبر الدماغ “آلاف الكُرات”، وتنتشر هذه المعلومات دون علمنا؛ لكن دماغنا يسجلها بشكل مثالي؛ مثل المعلومات حول شكل جسم الآخر، على سبيل المثال.

وإذا كان هناك تعاقب في هذه التبادلات، فإن موافقة الشريك، وكل العوامل التي تستميلنا إليه؛ ستجعل دماغنا يُظهر هذا الشخص رائعاً بالنسبة لنا.

ولكن في بعض الأحيان يكون هناك عدم تزامن بين رغبتيّ الطرفين؛ وهذا يعني أننا قد لا نرغب في بعضنا البعض في الوقت ذاته. فقد يكتشف أحد الطرفين إمكانية وجود هذه الكيمياء بينهما في 3 ثوانٍ، بينما قد يستغرق هذا التحفيز لدى الطرف الآخر عدة أشهر؛ عبر لمسة من الفكاهة، أو غمزة ما على سبيل المثال.

يؤكد جان ديدييه فينسينت؛ أستاذ علم وظائف الأعضاء في كلية الطب بجامعة باريس، والمدير السابق لمعهد “ألفريد فيسارد” لبيولوجيا الأعصاب في المركز الوطني للبحث العلمي: “قد لا يكون بإمكاننا توجيه رغبتنا؛ ولكن عندما يعلن دماغنا عن هذا الانجذاب فإنه يضع استراتيجيات للحفاظ عليه، واستكمال مرحلة الزخم التالية له”.

ما الذي يسبب فقدان الشغف بين الطرفين؟

تقول لوسي فينسينت: “تنتهي فترة الشغف بعد حوالي 3 سنوات من العلاقة، أما ما يحافظ على الانجذاب بين الطرفين فهي القدرة على التجديد المستمر في العلاقة”.

في نهاية فترة الحب المجنون، تنتهي مرحلة “العمى” التي تنشأ من الناحية الفيزيولوجية في الدماغ، وتصبح مناطق الدماغ المرتبطة بالعواطف والمتعة أقل تحفيزاً عند رؤية شريكنا، ولمسه كما عرفناه.

ومن وجهة نظر نفسية؛ قد تتلاشى الرغبة عندما ندرك أن الآخر ليس هو المثل الأعلى لرغبتنا الذي كنا نتخيله. “لقد وضعنا حاجزاً خيالياً بيننا وبينه؛ ولكن بمرور الوقت، فقد حدث أننا رأينا فيه حقيقةً أخرى.

مثلاً؛ نكتشف أننا رغبنا فيه لأنه يذكرنا بالأم أو الأب، أو ذلك الأخ الذي نحبه (الأشخاص الذين حُرم علينا الاستمتاع معهم جنسياً)، وأنه ليس ذلك الشخص الذي عبّرت عنه رغبتنا بالفعل، ثم نصطدم برسالة مفادها “توقف، أنا لست والدك أو والدتك”؛ والتي إما أن تثير في أنفسنا الكراهية أو الحب؛ الحب الذي سيكون بمقدوره وحده الحفاظ على رغبتنا في الآخر”.

كيف نحفز شغفنا بشريكنا؟

لا تحاول اتباع التعليمات الجاهزة

يوضح المحلل النفسي باتريك لامبولي: “بدايةً يجب الابتعاد عن التعليمات الجاهزة، فليس هنالك دليل محدد لتحفيز الرغبة مجدداً، فالحقيقة هي أن محاولة إدارة الرغبة عبر اتباع أي “بروفات” تؤدي إلى إضعافها”.

تغيير الاتجاهات الزمانية والمكانية

تتجدد الرغبة لدينا عندما نفقد اتجاهاتنا المكانية والزمانية، كما يحدث خلال العطلات. ولا يعود ذلك إلى اختلاف هذه اللحظات أو وجود عنصر جديد فيها؛ بل إلى الثغرات التي تسببها مثل هذه المشاريع غير المخطط لها مسبقاً في جدولنا الزمني، والصدف التي نترك أنفسنا لها.

التغييرات المفاجئة

تتيح المفاجآت “تحفيز” الدوائر الدماغية لدينا، وتوضح لوسي فينسينت: “عندما نكون على علاقة لفترة طويلة؛ لا يمكننا جذب انتباه الآخر إلا إذا أحدثنا تغييراً في سياق هذه العلاقة. على سبيل المثال؛ يمكننا تعديل “حساسية” الشريك عن طريق تغيير العطر الذي اعتدنا وضعه عندما نكون معه”.

أطلق العنان لخيالك

تشجع مختصة العلاقات الجنسية جيسلين باريس مرضاها على تحفيز خيالهم مجدداً: “يتعلق الأمر بتحرير قدرتك على التفكير في الجنس، وتخيل سيناريوهات مثيرة. كما أن تغيير المكان الذي اعتدنا أن نمارس فيه العلاقة الحميمة يمكن أن يثير رغبتنا ورغبة شريكنا مجدداً”.