القلب المكسور: هل يمكننا تعلّم كيفية الإقلاع عن حب شريك حياتنا السابق؟

الإقلاع عن الحب
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

جلسات التدريب ما بعد الانفصال، وكتب النصائح، وتطبيقات المواعدة للعثور على الشريك(ة) التالي(ة)… العصر الحديث يَعِد بتخليصنا من عذابات القلب وانفطاره. دعونا نطوي الصفحة بأي ثمن! نعم؛ ولكن ليس بهذه السرعة، شَطبُ قصة حب شريك حياة سابق وأحياناً سنوات من العلاقة، أو الإقلاع عن الحب بجرة قلم ليس بهذه البساطة، ولا يمكن تحقيقه بهذه السرعة. فيما يلي أربع مقاربات موّجهة للقلوب المفطورة.

أي صدر يضمك ويمحو أحزانك، ويجفف دموعك؟ شعوراً منهم بالعار نتيجة الخسارة العاطفية التي تكبدوها؛ يطرح جميع من عانى حرقة القلوب المحطمة في العالم نفس السؤال منذ فجر البشرية: إلى من نتجه لتجاوز هذه المحنة التي تُعتبر من أقسى المحن التي يصعب التغلب عليها؟ إلى من نتجه طلباً للمساعدة؛ للنسيان أم التعافي؟

منذ الِقدم؛ حاول أوفيد (Ovide) الإجابة عن هذا السؤال في قصيدة طويلة مخصصة لـ “فن الإقلاع عن الحب”؛ لكن من دون نتيجة، حتى يومنا هذا. وفي الوقت الذي أصبحت فيه القلوب المكسورة تشكل أيضاً عائقاً اجتماعياً يحرمنا من “فعاليتنا”، يبدو أن الرهان قد تحقق! شبكة الإنترنت و”تجارة الحزن” (وفقاً لعنوان كتاب الطبيب والمحلل النفسي باتريك لاندمان “ماكس ميلو”) يعداننا بذلك: “فك قيودك، بسرعة! وفي تسع خطوات، وفقاً لـ “ويكي هاو” (WikiHow)؛ أول دليل على الإنترنت “يعلمك كل شيء”.

انتشر المدربون الذين يمدون أيديهم لضحايا القلوب المحطمة -على اختلاف أنواعهم- في كل مكان: مؤتمرات، وورش عمل، وكتب، مثل هذا الكتاب الإرشادي الصغير “كيف استطعتُ فك الارتباط بشريكي السابق” (Comment j’ai décroché de mon ex) لكاتبه آن بوتيلان، مرفق بمجموعة من النصائح حول كيفية اتخاذ “مسار إيجابي لما بعد الانفصال”.

في 2016، في وقت تمكن فيه الجراحون من زرع قلوب اصطناعية، أصبح تسريع عملية الإقلاع عن حب شريك حياتنا أو الإقلاع عن الحب أمراً ممكناً؛ لكن أي مسار نسلكه عندما يكون المرء مستعداً للتضحية بكل شيء حتى لا يعاني من جديد؟ لقد سألنا أربعة متخصصين، وقد اتضح لنا أن مقارباتهم -على اختلافها الكبير- لا تقل أي منها أهميةً عن الأخرى، بحسب شخصية الشخص المعني والهدف الذي يبتغيه.

الفلسفة للمواساة

رسالتها: “اقبل الفكرة التي تفيد بأن الشيء المفقود غير قابل للاستبدال”.

لماذا تختار الموقف الأقل تعقلاً والأكثر تدميراً للنفس؛ موقف “من لا يمكن مواساته؟” الذي وصفه مايكل فوسيل؛ أستاذ الفلسفة في كلية الفنون التطبيقية ومؤلف كتاب “وقت المواساة” (Le Temps de la consolation). يشرح المؤلف فكرته قائلاً: “الشخص غير القابل للمواساة هو الذي يستبدل “الآخر” بالحزن”. إنه بطل سامٍ لا يضاهى، في صورة أنتيغون (Antigone)؛ التي ترفض أي صفقة، ثمناً لاستعادة راحة بالها [لا يتزعزع ولا يقبل بأقل تنازل قد يمنحه راحة البال]. بالنسبة لهذا الشخص؛ نسيان المحبوب بمثابة خيانته؛ وبالتالي يرفض فعل ذلك”، من هنا ينشأ خطر “التحجر” في وضع الفقد والبؤس…

اقرأ أيضا:

هناك شخصية جهنمية أخرى: شخصية “المتصالح”؛ والذي يفضل إنكار خسارته من خلال إرهاق نفسه بوحشية في العمل، والرياضة، وتناول الكحول… أو الانغماس في “فقدان الشهية العاطفية”. هل وضعه أقل خطورةً؟ “لا يقل شعوراً بالفخر من الصنف الأول” يجيب المتخصص. في كلتا الحالتين؛ هناك ميل إلى الاعتقاد بإمكانية التصرف إزاء ما يشعر به من حزن، كما يحلو له”.

مبدؤها: مواساة النفس تتطلب التخلي عن الشيء المحبوب، وقبول العواقب المترتبة على ذلك؛ ولكن السماح للنفس أيضاً بالاعتقاد بأنه من المحتمل أن تعوّض خسارتها بأشياء أخرى. وفق هذا المسار؛ يدعو الفيلسوف إلى تحوّل الشخص المعني إلى الفن “في جميع أشكاله”، يوّضح ميكائيل فوسيل، لأن الفن وحده هو الذي يُقدر خصوصية الجرح وتميُّزه عن غيره، وبجعل منه معاناةً عالميةً. لذلك فإن “الرغبة في أن يصير المرء “حكيماً” تعني الاستماع إلى الموسيقى واللجوء إلى روائع النحت والرسم والسينما. دون أن ننسى الأدب؛ كتب مارسيل بروست: “الأفكار هي بدائل للأحزان”، وقد حوّل الخسارة إلى وسيلة لإثراء الذات.

حدودها: الفلسفة تساعد على التفكير من أجل وقف المعاناة. الشروط الأساسية الوحيدة: الهدوء، الوقت… والصبر، الذي قال بشأنه عالم اللاهوت والمفكر الدنماركي كيركجارد إنه “ضروري لتصبح إنساناً”.

اقرأ أيضا:

التنويم المغناطيسي للتهوين من فجاعة الوضع

رسالته: “دع الآخر يمضي في طريقه، واتبع أنت طريقك”.

في “المقاربة الاستعجالية/ الطارئة”، يقترح التنويم المغناطيسي الإريكسوني، على الشخص المفجوع، أن يحطم بأسرع ما يمكن نمط الاعتماد العاطفي.

“بعد دعوته أولاً إلى الحديث عن حزنه، يحُث المعالج المريض على ترك محبوبه السابق يغادر ذهنه؛ من خلال إذابة الشحنة العاطفية المرتبطة به”، تُوّضح المدربة ميريام رور؛ مؤلفة كتاب “أطِلق العنان لتتطور إيجاباً” (Lâcher prise pour évoluer)، وهذا لتحقيق هدف واحد: “الإسراع بالمراحل الواجبة والضرورية من الحداد العاطفي؛ المتمثلة في الإنكار والغضب والظلم والحزن وحتى الاكتئاب… ثم التجدد والانبعاث”، تلخص المؤلفة كل ذلك في أقل من ستة أشهر.

مبدؤه: “بعد جلوسه بشكل مريح، وانغماسه في حالة تعديل طفيف للوعي، يترك المريض نفسه يُقاد من خلال استعارات طبيبه المعالج؛ والذي يتيح له إدراك الوضع ورؤيته بشكل مختلف من خلال تسليط الضوء على فقدان ضوء آخر”، تشرح الاختصاصية النظر إليه بهدوء أكبر. وتتابع قائلةً: “في هذه المرحلة، يتعلق الأمر باقتلاع الصدمات، ثم إنشاء ركائز جديدة أكثر أماناً”.

احتياط منهجي: طوال العملية، يتأكد المعالج من “إبطال برمجة” مشاعر الندم أو الرغبة أو الحنين أو البغض أو الكراهية تجاه الشريك السابق، لأنه من غير الوارد تحويل مشاعره إلى كراهية؛ إذ أن ذلك سيكون في الواقع طريقة أخرى فحسب لعدم فك الارتباط به.

حدوده: يُبدي البعض مقاومةً لعملية التنويم المغناطيسي. وتوّجه أحياناً مآخذ على التنويم المغناطيسي، ويُعتبر مجرد تقنية “توجيه لا شعوري”: هل عملية غرس فكرة، أو صورة، أو قناعة في عقل الشخص المعني، تؤدي إلى نفس التأثير كما لو وجدها الشخص بنفسه؟ لكل إجابته الخاصة.

التحليل النفسي لإعادة البناء

رسالته: يقول لاكان: “نحن لا نتعافى لأننا نتذكر، وإنما نتذكر لأننا نتعافى”.

بالنسبة إلى التحليل النفسي؛ عندما تحدث خيبة أمل رومانسية، “فلا ينبغي أبداً الانجرار وراء “التصرف الفوري دون إبطاء”، حسبما يشير المحلل النفسي ميغيل دي أزامبوجا؛ مؤلف كتاب “وبعد ذلك، يوماً ما ننهار” (Et puis, un jour, nous perdons pied).

على العكس؛ يتعلق الأمر بالاعتراف -خلال هذه المحنة- بالتجربة العالمية للحزن. وإذا كان العلم الفرويدى يؤكد أن المرء يجد دائماً آثاراً، في الحداد العاطفي، عودة للكبت الطفولي (للطفل المكبوت) المرتبط بالخوف من الهجر، فإنه يؤكد قبل كل شيء أن الرعاية “المفصلة حسب الطلب” هي وحدها القادرة على جعل القلب المكسور يتخلى عن معتقداته ليتمكن من العيش بحرية أكبر قليلاً.

مبدؤه: “لا نشعر أبداً بالبؤس والضيق أكثر مما نشهده عندما نفقد شيئاً محبوباً أو حبيباً لنا”، كتب فرويد. لذلك يؤكد التحليل النفسي على أن “الحب أيضاً يُحدث الخراب”. ويتابع ميغيل دي أزامبوجا: “التمسك بوهم إمكانية الإقلاع عن الحب هو أمر سخيف؛ مثله مثل الادعاء بأن عليك “تعلّم” الحب”.

هل يمكننا التحكم في كل شيء لنعيش وفق رغباتنا؟ يُفصل ميغيل دي أزامبوجا “تأكيد ذلك، يعني أننا ننفي أنه من واجبنا التعامل دائماً مع المجهول، حتى مع الأمور الغريبة… التي تمنح للحياة كل قوتها”. ما هي الفكرة التي يقترحها فرويد لتجاوز المحنة؟ يخلص فرويد إلى أنه علينا “بذل قصارى جهدنا لتجاوز الموقف بأفضل طريقة ممكنة”. فقط من خلال استكشاف المرء لمساحاته وأمكنته النفسية؛ يمكنه أن يفكك ويعيد البناء، لانطلاقة جديدة”.

حدوده: بالإضافة إلى أخذ ما يكفي من الوقت، فإن تطوير تمثيلاتنا الذهنية، يتطلب علاقةً معينةً بما يجري بداخلنا. لستَ مقتنعاً بفرضية اللاوعي؟ التالي!

العلاج المعرفي السلوكي (TCC) لتخليص النفس من وضعيتها الراهنة

الرسالة: “قاوم الغرائز والهواجس، وستنتصر”.

وفقاً للعلاجات السلوكية والمعرفية (TCC)؛ لا ينبغي النظر إلى قدرة الصمود اللازمة لتضميد جروح الحب، على أنها صفة فطرية ولا عملية شفاء؛ بل النظر إليها بوصفها طاقة يجب تعبئتها.

خلال الأشهر القليلة التي يستغرقها العلاج؛ يتمثل دور المعالج في مساعدة المريض أثناء عملية تحويل سلوكياته والتخلص من أفكاره المؤذية؛ لكن هذه الطريقة تهدف أيضاً إلى “تمكينه من تكوين شبكة اجتماعية عاطفية جديدة”، كما يؤكد الطبيب والمعالج النفسي بوريس غيمبل؛ مؤلف كتاب “تحويل حياتك بالعلاجات السلوكية والمعرفية” (Transformer sa vie avec les thérapies comportementales et cognitives)، “وهذا لكيلا تخاطر مرة أخرى بوضع كل بيضك في سلة واحدة”.

المبدأ: تستخدم العلاجات السلوكية والمعرفية (TCC)، ثلاثة محاور للعمل. على الصعيد السلوكي، يتعلم المريض التوّقف عن التواصل مع الآخر (عبر الهاتف، والأصدقاء المشتركين، والشبكات الاجتماعية، وما إلى ذلك). يقول بوريس غيمبل “الفكرة هنا، أن يتمكن من مقاومة الغريزة من خلال تحديات محددة مسبقاً مع المعالج”. من الناحية المعرفية؛ يُبيّن له أن استحضار الشخص المحبوب عن طريق التفكير (عبر الذكريات أو التخيلات)، يعزز دائماً الإحباط العاطفي. و”بهذا المعنى؛ يتعلم أيضاً مراقبة نفسه”، حسبما يشير الاختصاصي. وأخيراً؛ تسمح تمارين التأمل الواعي، بالتحكم في عواطفه بشكل أفضل.

هل يكفي هذا لتنهض وتتجاوز محنتك؟ هذه العلاجات تؤكد ذلك، خاصةً وأن المريض مدعو أيضاً لمساءلة “شخصيته العاطفية المثالية”. ويتابع: “إذا كان يريد اختبار “الحب الشغوف”، فعليه تحمل الآلام الكامنة في المشاعر العاطفية”. بالمقابل؛ إذا كان يريد علاقةً هادئةً، فيعود إليه الأمر، لإعادة تعريف نفسه…”.

حدودها: لا توجد أي فائدة ترجى، إذا رغب المرء في التساؤل حول سبب إخفاقه الرومانسي المتكرر. العلاجات المعرفية السلوكية معنية بـ “كيفية” الانتقال إلى شيء آخر.