8 إرشادات لتُبقي على نشاط دماغك وحيويته

5 دقيقة
المرونة العصبية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: محمد محمود)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: المرونة العصبية هي قدرة الدماغ على التعلم والتكيف. وحتى وقت قريب نسبياً، كان هناك اعتقاد سائد مفاده أن الدماغ البشري له قدرات ثابتة لا تتغير، وأنه مع وصول الأشخاص إلى فترة المراهقة، تقل الخلايا العصبية وتموت مع مرور الوقت؛ لكن تَبين بطلان هذا الاعتقاد؛ حيث إن أدمغتنا يمكن أن تنمو وتتغير، خاصةً إذا تعاملنا مع مساراتنا العصبية بأسلوب صحيح، فكيف يمكنك تدريب دماغك بهدف زيادة مرونتك العصبية؟ الإجابة في هذا المقال.

هل سبق أن سألت محرك البحث جوجل عن كيفية إعادة تهيئة دماغك للحب أو تحقيق النجاح أو الوصول إلى السعادة؟ الحقيقة أنك إذا فعلت ذلك فستجد ضمن نتائج البحث مفهوم “المرونة العصبية”؛ الذي هو مصطلح شامل يشير إلى قدرة الدماغ على تغيير الشبكات العصبية أو إعادة تنظيمها أو تنميتها. وتساعد تقوية المرونة العصبية على التعافي من السكتات الدماغية أو إصابات الدماغ المؤلمة، علاوة على أنها تعزز القدرة على تعلم أشياء جديدة، فكيف يمكنك تدريب دماغك بهدف زيادة مرونتك العصبية؟ الإجابة في هذا المقال.

ما المرونة العصبية؟

يشير مصطلح “المرونة العصبية” (neuroplasticity) إلى قدرة الدماغ على التغيير وإعادة هيكلة نفسه، ففي كل مرة يعالج فيها الدماغ معلومات جديدة، تنشط الخلايا العصبية، وتتشكل مسارات جديدة، ويغير الدماغ المرن شكله وبنيته. وفي هذا السياق، توضح المعالجة النفسية مارشا تشينيتشيان (Marsha Chinichian) إن الدماغ البشري قادر على تكوين الاتصالات العصبية وإعادة تنظيمها.

وتضيف تشينيتشيان قائلة: “لقد اعتقدنا لفترة طويلة أن البشر يملكون الكثير من الخلايا العصبية في بداية حيواتهم وحتى سن المراهقة، ومع التقدم في العمر، تموت هذه الخلايا؛ لكننا تعلمنا الآن أن هذا ليس صحيحاً، ففي الحقيقة، يمكن إجراء التغييرات بهدف تطوير الدماغ، وتجديد الخلايا العصبية”.

وتتضمن المرونة العصبية إنشاء الخلايا العصبية اتصالات ومسارات جديدة استجابة للتغيرات في السلوك أو البيئة أو الإصابة، فعلى سبيل المثال؛ عند حدوث تلف في الدماغ، يمكن للخلايا العصبية غير المتأثرة التكيف والتعويض عن طريق إعادة تنظيم الاتصالات أو تشكيل اتصالات جديدة؛ ما يساعد على استعادة الوظائف المفقودة. يمكنك تخيل الأمر كما لو كان عقلك عبارة عن شبكة واسعة من الطرق السريعة المترابطة. في هذه الحالة، كل طريق سريعة تمثل مساراً عصبياً مسؤولاً عن وظيفة أو سلوك معين، وعندما تنخرط في أنشطة جديدة أو تكتسب معرفة جديدة، يكوّن دماغك روابط جديدة بين خلاياه العصبية؛ بحيث تعمل هذه الروابط كمسارات تسمح بتدفق المعلومات على نحو أكثر كفاءة؛ ما يمكّنك من التعلم والتطور والنمو.

اقرأ أيضاً: المرونة: ما نتعلمه من مختصي الأعصاب

كيف تفرّق بين المرونة الوظيفية والهيكلية؟

تعد السنوات القليلة الأولى من حياة الطفل وقت النمو السريع للدماغ؛ ففي وقت الولادة، تحتوي كل خلية عصبية في القشرة الدماغية على ما يقدَّر بنحو 2,500 مشبك عصبي؛ والمشابك العصبية هي الوصلات التي تقع بين الخلايا العصبية وتعمل على توصيل الإشارات من خلية إلى أخرى.

وبحلول سن الثالثة، يرتفع هذا العدد إلى 15,000 مشبك عصبي لكل خلية عصبية؛ ولكن مع وصول الشخص إلى سنّ البلوغ يكون لديه فقط نصف هذا العدد من المشابك العصبية؛ لأننا عندما نكتسب تجارب جديدة، تتعزز بعض الروابط بينما يُتخلَّص من البعض الآخر، وتُعرف هذه العملية باسم “التقليم التشابكي”.

والخلايا العصبية التي تُستخدم على نحو متكرر تطور اتصالات أقوى، وتلك التي نادراً ما تُستخدم أو لا تُستخدم أبداً تموت في النهاية. ومن خلال تطوير اتصالات جديدة وإزالة الروابط الضعيفة، يستطيع الدماغ التكيف مع البيئة المتغيرة، وهناك نوعان رئيسان من المرونة العصبية:

  1. المرونة الوظيفية: قدرة الدماغ على نقل الوظائف من المنطقة المتضررة من الدماغ إلى مناطق أخرى غير تالفة.
  2. المرونة الهيكلية: قدرة الدماغ على تغيير بنيته الهيكلية نتيجة التعلم.

اقرأ أيضاً: 5 طرق فعالة لتزيد مرونة ذاكرتك وتحسن قدراتها

8 إرشادات فعّالة لتدرّب دماغك بهدف زيادة مرونتك العصبية

تشرح أستاذة علم الأعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تارا سوارت (Tara Swart)، إن تعزيز المرونة العصبية يشبه إلى حد كبير الانتقال من طريق ترابية إلى طريق سريعة؛ فإذا كان مسارك العصبي طريقاً ترابية حالياً، فإن كثرة السير عليها عبر تطويرها بكثرة الأنشطة، ستحولها في نهاية الأمر إلى طريق سريعة.

وفي السياق نفسه، تؤكد أستاذة علم النفس وزميلة جمعية علم النفس البريطانية (The British Psychological Society)، ليندا شو (Lynda Shaw)، إن بنية الدماغ تشبه العضلات؛ ومن ثَمَّ إذا مرنت عقلك تمريناً صحيحاً، فإنه سيصبح أكثر قوة، وستزيد مرونتك العصبية. وإليك أهم الإرشادات العملية التي تساعدك على تدريب دماغك من أجل زيادة مرونتك العصبية:

  1. تناوَل الطعام الصحي: يشكّل دماغك نسبة ضئيلة فقط من إجمالي وزن جسمك؛ لكنه يستهلك ربع ما تأكله. ولهذا؛ إذا كنت تريد مسارات عصبية قوية، فستحتاج إلى نظام غذائي معزز. وتنصح أستاذة علم النفس، ناتاليا رامسدن (Natalia Ramsden)، بضرورة تناول الوجبات التي تحتوي المغنيزيوم وفيتامين د مثل الجوز والتوت والأفوكادو من أجل تعزيز المرونة العصبية.
  2. خذ قيلولة: من المعروف أن الحصول على قسط كافٍ من النوم ليلاً؛ أي مدةً تتراوح بين 7 و9 ساعات، يحسّن الحالة المزاجية ويساعد على زيادة التركيز والإنتاجية في العمل؛ لكن هل تعرف أن الحصول على قيلولة قصيرة بعد الظهر مدة 20 دقيقة تقريباً، يزيد إمكانات المرونة العصبية لديك على نحو أكبر؟ وذلك لأن القيلولة القصيرة تشجع على نمو الأشواك الجذعية التي تعمل بوصفها موصلات مهمة بين الخلايا العصبية في دماغك.
  3. استخدم اليد غير المسيطرة: تلعب تمارين اليد غير المسيطرة دوراً مهماً في تشكيل مسارات عصبية جديدة، فضلاً عن تعزيز الاتصال بين الخلايا العصبية الموجودة. على سبيل المثال؛ إذا كنت تستخدم يدك اليمنى، فحاول تنظيف أسنانك بيدك اليسرى،  تُمكنك أيضاً محاولة التوازن على ساق واحدة من أجل تعزيز المرونة العصبية.
  4. جرّب ألعاب الفيديو: هناك الكثير من الجدل الذي يدور حول إيجابيات الانخراط في ألعاب الفيديو وسلبياته؛ لكن إذا كنت بالفعل تقضي وقتك في ممارسة تلك الألعاب، فإليك فوائدها المعرفية التي تتجسد في تحسين:
  • التنسيق الحركي.
  • الذاكرة وزمن رد الفعل.
  • مهارات التفكير واتخاذ القرار وحل المشكلات.
  • التعاون ومشاركة روح الفريق.

باختصار: عندما تلعب ألعاب الفيديو، فإنك تعلم دماغك مهارات جديدة، ومن المؤكد أن هذه التأثيرات يمكن أن تحسّن طريقة لعبك؛ ولكنها تنطبق أيضاً على بقية حياتك؛ حيث إن تعلم كيفية التعافي من الفشل في إحدى الألعاب يمكن أن يساعدك على التحسن في التعافي من نكسات الحياة، هذا بالإضافة إلى أن بضع ساعات من اللعب الأسبوعي في وقت فراغك يمكن أن يكون طريقة رائعة لتحسين المرونة العصبية.

  1. تعلَّم لغة جديدة: هل فكرت يوماً في دراسة لغة أخرى، سواء من أجل تعزيز فرصك المهنية أو لأنك كنت ترغب في تعلمها من أجل المتعة فقط؟ الحقيقة أنك في كلتا الحالتين، ستقدم لعقلك فائدة كبيرة؛ وذلك لأن اكتساب لغة جديد يحسّن الوظيفة الإدراكية ويزيد كثافة المادة الرمادية في الدماغ، وزيادة كثافة تلك المادة تعمل على تقوية الذاكرة وتعزيز الانتباه، خاصة مع التقدم في العمر، هذا بالإضافة إلى أن ثنائية اللغة تقي من التدهور المعرفي؛ إذ إن تعلم لغة جديدة في أي مرحلة من مراحل الحياة يمكن أن يساعد على إبطاء التدهور المستقبلي المرتبط بالعمر؛ بما يشمل أعراض الخرف.
  2. سافِر إلى أماكن مختلفة: إذا كنت تستمتع بالسفر واستكشاف الأماكن الجديدة، فإليك سبباً آخر يدعوك إلى حب السفر؛ وهو أنه يساعد كثيراً على تعزيز المرونة المعرفية والعصبية، وزيادة الإبداع. علاوة على ذلك، يمكن أن يجعلك السفر توسع نظرتك العامة إلى العالم؛ ما قد يفيد في فتح آفاق عقلك ويمنحك منظوراً جديداً للأشياء المألوفة مثل الأهداف المهنية أو الصداقات أو القيم الشخصية.
  3. تعلَّم العزف على آلة موسيقية: الأشخاص الذين يتعلمون الموسيقا في سن مبكرة يكونون أقل عرضة إلى الإصابة بالضعف الإدراكي المعتدل (MCI) في الكبر؛ ويتضمن الأخير مشكلات الذاكرة وصعوبة العثور على الكلمات، وغالباً ما يكون مقدمة للأمراض المعرفية المرتبطة بالعمر؛ أما تعلم الموسيقا الذي يتطلب تركيزاً شديداً فإنه يعمل على تعزيز المرونة العصبية.
  4. مارِس التأمل واليقظة الذهنية: ينصح استشاري العلاج النفسي، محمد سالم القرني، بضرورة ممارسة التأمل من أجل تحفيز مرونة الدماغ والحفاظ عليه في سنّ متقدمة. والحقيقة أن الجلوس مع أفكارك بضعَ دقائق كل يوم يلعب دوراً كبيراً في زيادة المرونة العصبية تماماً مثل تعلم لغة أو أي مهارة جديدة أخرى، ويمكن لممارسة اليقظة الذهنية أن تعزز التركيز والانتباه وتمنع التدهور المعرفي.