لماذا تعاني الأمهات من الاحتراق النفسي؟

احتراق الأمهات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

احتراق الأمهات هو حالة من الإرهاق الجسدي والنفسي، باتت تؤثر في الأمهات تأثيراً متزايداً، دون أن يكون بمقدورهنّ التعافي منها. ويعود سببها إلى سعي هؤلاء الأمهات -بلا هوادة- إلى القيام بأعبائهنّ على أكمل وجه، والسيطرة على كل شيء، ليحظينَ بصورة “الأم المثالية” التي يحلمن بها؛ ما يؤدي إلى نفاد قواهنّ خلال سعيهنّ هذا.

  • الأمومة المثالية
  • خيبة الأمل الكبيرة
  • القبول أو نفاد القوى
  • الوقاية من حالة الاحتراق النفسي والتعافي منها

توضح لنا ماريز فيلانت؛ مختصة علم النفس، أسباب ظاهرة احتراق الأمهات، وكيفية تفادي الوقوع فيها.

يسيطر عليها الشعور بالحزن والإرهاق والقلق، والتهيج، وفي إحدى المرات؛ وجدت تلك الأم نفسها توجه ألفاظاً عنيفةً لطفلها، أو ربما تصفعه على أردافه، رغماً عنها، دون أن تتمكن من التحكم في نفسها. تمر الكثير من الأمهات بحالة ركود نفسي كهذه؛ لكن عندما تستمر هذه الحالة لفترة طويلة، مع عدم قدرتهنّ على الخروج منها، فإن ما يبدو إرهاقاً بسيطاً، سيتحول إلى حالة احتراق نفسي.

وقد تبدأ هذه الحالة باكتئاب ما بعد الولادة أو الكآبة النفاسية، و يمكن للأم أن تعاني من هذا الإنهاك في أي مرحلة من مراحل الأمومة، بعد ولادة الطفل الأول، أو حتى الثالث؛ لكن إفصاح الأم عن مشاعرها في تلك الفترة هو من المحظورات بالنسبة لها، فكيف يمكن لها أن تعترف بأنها شعرت برغبة -ولو لثانية واحدة- في إلقاء طفلِها من الشباك؟ وقد تشعر الأم، بسبب المعاناة التي تمر بها، برغبة في حزم حقائبها والابتعاد.. الابتعاد قدر ما تستطيع. وعلى الرغم من ذلك، فإن قبول هذه المعاناة هو الخطوة الأولى نحو التخلص منها.

الأمومة المثالية

سيطري على مخاوف آلام الولادة، وصيري أماً، لكي يمكن القول إنكِ قمتِ بإنجازٍ شخصي بالفعل. تبدو الرسالة التي يمررها المجتمع اليوم واضحة بهذا الشأن: “الأمومة هي السعادة”.

تؤكد الطبيبة النفسية ماريز فيلانت أن المرأة لم تعد تنجذب لنموذج “المرأة العاملة”؛ إذ تتراجع توقعاتها فيما يخص التوظيف، فهي لا تتحمل الأعباء الوظيفية التي يتحملها الرجل، وستحصل بالتالي على راتب أقل.

ويفسر ذلك سبب عودة الفكرة القائلة إن الأمومة تعد “المكان” الأمثل للمرأة لتؤدي أداءً رائعاً، ودون الحاجة لأن يكون لديها أدنى مؤهل.

وفي ظل هذا الرهان على “الكمال”، وبما أن الحاجة إلى النجاح انتقلت من المجال المهني إلى المجال الأسري، فإن المرأة، مدفوعة بإملاءات المجتمع ومعاييرها الشخصية المتطلبة؛ تستنفد قواها خلال سعيها إلى تحقيق رغبتها في أن تكون أماً مثاليةً.

تعتقد الكثير من الأمهات أن قدوم طفل إلى حياتهن، سيكمل سعادتهنّ ونجاحهن؛ لكن الكثيرات تلقين بأنفسهنّ بتهور في تلك “المغامرة”، دون معرفة ما ينتظرهن بالضبط. وتوضح ماريز فيلانت أن استعداد النساء للأمومة اليوم، هو أقل مما كان عليه في الماضي، وتقول: “لقد أوقف جيل الإناث الحالي -وأنا جزء منه- ما يسمى بعملية نقل الأمومة”، فقد كانت الأم في السابق تخبر ابنتها بأنها ستعاني من آلام الولادة، وستخضع لزوجها جنسياً ومالياً، وأنها لن تنعم بحرية الاختيار.. وغير ذلك.

أما اليوم، فقد أصبح ما كان بالأمس نقمة على المرأة، نعمةً بالنسبة لها، وخياراً أيضاً عندما تعتقد أن بإمكانها إنجاب طفل متى شاءت، مع أي شخص تريد، بعد أن نسينا تذكيرها بأن ممارسة الأمومة ما زالت أمراً صعباً”.

خيبة الأمل الكبيرة

سرعان ما يفرض واقع الأمومة نفسه، ليزيح كل التخيلات التي رسمتها الأم في ذهنها. ليالٍ، وصباحاتٍ في بعض الأحيان، صعبة، وتزايد في المسؤوليات، وصعوبات في التنظيم وغيرها. تبدأ معاناة بعض الأمهات مع الأشهر الأولى من الحمل، ومع ولادة الطفل الأول، وتعاني أخريات في فترة لاحقة. وفي كلتا الحالتين؛ يجتاح الإرهاق حياة الأم بسرعة كبيرة. تعتريها الشكوك، وتدور أسئلة كثيرة في ذهنها، لتدرك أن تصوراتها حول الأمومة تتلاشى، وأن عليها قبول دوام “خيبة الأمل” هذه، والحزن على صورة “الأم المثالية” التي رسمتها لنفسها، وقبول أن الصعوبات -كما السعادة- جزء من نسيج الواقع. وبينما تعيش الأم لحظات استثنائيةً خلال ذلك، فإنها لن تعيد إليها حلم “الأم المثالية”.

إنه اختبار الواقع الذي تمر به كل امرأة عندما تصبح أماً، وتعيش معه طوال حياتها، وهنا حيث تستنفد نفسها، وذلك بسبب إنكارها لخيبة الأمل هذه، ورفضها قبول الحزن على الصورة التي رسمتها لنفسها، واستمرارها في الجري وراءها؛ ما يؤدي إلى إصابتها بالإنهاك، وحتى الاحتراق النفسي.

القبول أو نفاد القوى

كان مصطلح الاحتراق النفسي، مرتبطاً لفترة قريبة، بالإرهاق المهني؛ وهذا ما يحدث مع الأمهات -كما بعض الموظفين- عندما يسعين إلى هذا الكمال الخيالي، ويستهلكن -حرفياً- طاقتهن الجسدية والنفسية. تقول ماريز فيلانت: “تجد المرأة نفسها في مواجهة صعوبات جمة، تزداد مع الوقت دون أن يدرك من حولها ذلك؛ ما يؤدي إلى شعورها بالإرهاق، والوحدة، وعدم فهم الآخرين لها. فكلما سعت لإنجاز “كل شيء”، وجدت أن عجزها يزداد، وأنها لا تملك الوقت الكافي لأحد، سواء لنفسها أو لأطفالها، أو لزوجها.

وتُبقي الأم نفسها في هذه الدوامة بصورة مستمرة، دون أن تحاول الخروج منها حتى خلال العطلات. وفي خضمّ معاناتها، تشعر بأن الآخرين لا يفهمونها، ولا يقدمون لها المساعدة والدعم الكافيَين، وللمفارقة فهي تعتقد أن أعباء الأمومة تقع على عاتقها وحدها، دون أن يشاركها من حولها في أي منها، لذا فهي لا تطلب مساعدتهم؛ ما يقودها إلى طريق مسدود.

يهاجمها الإرهاق، وتجد صعوبة في الاستيقاظ صباحاً، ويتملكها شعور بالفراغ، ثم تصبح حياتها اليومية “ميكانيكية”، وتكرر إيماءاتها بطريقة ميكانيكية أيضاً، خاصةً تلك الموجهة نحو أطفالها.

وفي محاولة للاحتفاظ بقوتها؛ تنأى الأم بنفسها عن محيطها، لا سيما عاطفياً؛ بما في ذلك عزل نفسها عن حياتها الزوجية. ومع مرور الوقت تكتشف أنها تعيش في كرب وحزن، وتدرك أنها تبتعد قليلاً كل يوم عن صورة الأم المثالية التي سعت إليها؛ والتي أصبحت سبباً للتقليل من شأنها وإضعاف ثقتها بنفسها.

توضح ماريز فيلانت: “تبدو الأم التي تعاني من الاحتراق النفسي، وكأنها قد جُنت؛ تبدو مهزومةً، ونظراتها خاوية”. تحدق في طفلها بعيون ميتة، كما لو أنه غير موجود، وتثير أدنى ضوضاء تصدر عنه غضبها، ولا تحتمل بكاءه أو أدنى خلاف معه؛ ما قد يجعلها تعامله بعنف أحياناً.

إن سلوكيات كهذه هي كلها أعراض التوتر المتزايد الذي تعاني منه، وترى أن المخرج الوحيد منه هو أن تؤدي دورها بصورة أفضل، أو أن تنجز المزيد، وعلى هذا المنوال؛ تستمر حالة الإرهاق الجسدية والمعنوية التي قد تتبعها اضطرابات النوم والأكل والمزاج، وتعاطي الكحول والمخدرات، وغيرها من أعراض الاحتراق النفسي. وما هي عواقب هذه الحالة؟ تقول مختصة علم النفس بأسىً: “يمكن أن تكون العواقب فظيعة” – من إساءة معاملة الأطفال إلى إيذاء النفس؛ والذي قد يصل حد الانتحار”.

الوقاية من حالة الاحتراق النفسي والتعافي منها

وفقاً لـ ماريز فيلانت، فإن الطريقة الوحيدة لتحمي الأم نفسها من حالة الاحتراق النفسي، هي قبول “الحزن” على حلم “الأم المثالية”. تقول ماريز فيلانت: “يجب أن تعي الأم حاجاتها كي تتمكن من التكيف مع مسؤوليات الأمومة”، ويتضمن ذلك تفويض بعض الأعباء للآخرين، وطلب المساعدة من الآباء والأقارب. يجب أن تتقبل الأم أنه يمكن للآخرين مساعدتها في العناية بأطفالها؛ وذلك بتخليها عن التمسك بفكرة القوة المطلقة للأمومة، وإفساح المجال للأبوة للمشاركة في تحمّل هذه الأعباء؛ ما يتيح للأب أن يؤدي دوره أيضاً.

كانت هذه سبل الوقاية من الاحتراق النفسي؛ لكن ماذا لو كانت الأم قد انزلقت بالفعل إلى هذه الحالة؟ كيف يمكنها الخروج منها؟

ليس هناك علاج سحري لحالة الاحتراق النفسي، وذلك لأنها لا ترتبط بشخصية الأم أو طبيعتها؛ إنما بطبيعة حالة الأمومة التي تعيشها. هناك طريقة جيدة؛ وهي التحدث مع أمهات أخريات على دراية بخيبة أمل “الأم المثالية”، أو مررن بها.

توضح ماريز فيلانت: “إن الأفكار السلبية التي قد تعاني منها الأم؛ مثل شعورها برغبة في رمي ابنها من الشباك، أو التخلص منه، تؤدي إلى مفاقمة شعورها بالذنب، إذا لم تجد أحداً تتحدث إليه، أو تطلب منه المساعدة. لقد عانيت شخصياً من هذه الأفكار، وتعاني منها كل الأمهات، وإذا سيطرت صورة الأم المثالية الخيالية على ذهن المرأة، فإنها ستبدأ بالنظر إلى نفسها كوحش، وكشخص مضطرب عقلياً. وبينما تعاني جميع الأمهات من هذه الأفكار العنيفة في وقت من الأوقات، فإن التفكير في الفعل لا يعني الإقدام عليه”.

ما نقوله هنا للأم التي تعاني من الاحتراق النفسي، أنه يجب عليها طلب المساعدة؛ اطلبي المساعدة من عائلتكِ، وأصدقائكِ، وجيرانكِ، ومختص العلاج النفسي، أو حتى من شخص غريب التقيتِ به في أحد المنتديات على الإنترنت، أو أي شخصٍ متاح للحوار، فعندما يتمكّن الإرهاق من الإنسان، قد يصعب عليه أن يطلب المساعدة.

وتخلص ماريز فيلانت إلى القول: “من المهم أن يكون الأشخاص المحيطون بالأم يقظين بشأنها أكثر منها. تحتاج المرأة التي تعاني من العزلة نوعاً ما؛ والتي تعتني بطفلها (أطفالها) كثيراً، إلى الدعم، مع الإشارة إلى عدم الاستخفاف بهذه الصعوبات التي تمر بها مطلقاً. ونختم بـ نصيحة للآباء: حتى لو أرادت زوجتك أن تفعل كل شيء بمفردها؛ ساعدها، ودعها تنعم ببعض الراحة، وشاركها في تحمّل الأعباء لكي لا تُصاب زوجتك بما يعرف “احتراق الأمهات النفسي”. والأهم من ذلك هو الدور الجوهري للأبوة والأمومة معاً في حياة الطفل”.