كيف تتوقف عن إسعاد الآخرين على حساب نفسك وتظل محبوباً؟

إسعاد الآخرين
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يعد السعي لنيل حب الآخرين أمر طبيعي في علاقاتنا، فذلك جزء لا يتجزأ من العلاقات الصحية. لكن في بعض الأحيان، قد يصبح الأمر رغبة مُلحّة في إسعاد الآخرين وإرضائهم حتى ولو على حساب النفس، حيث يشعر المرء حينها أن عدم تلبيته لحاجة الآخرين قد تولِّد لديه شعوراً بأنه شخص لا يستحق الحب وجزاءه الإقصاء من هذه العلاقة ما دام لا يضحّي بسعادته ورغباته كلياً لصالح الطرف الآخر.
لكن أن يكون الفرد محبوباً لا يجب يأتي بالمساومة على مصلحته الشخصية أو أن يكون شخصاً هدفه إسعاد الآخرين على حساب نفسه واحتياجاته. فكيف لنا أن نكون محبوبين وفي نفس الوقت لا ندع الرغبة في إرضاء الآخرين تلتهمنا؟

محاولة إرضاء الآخرين تتجاوز اللطف

تتجاوز محاولة إرضاء الناس فكرة التعامل معهم بلطف، كما توضح المعالجة النفسانية، إريكا مايرز (Erika Myers)، فالأمر ينطوي على تعديل الكلمات والسلوكيات أو تغييرها كلياً من أجل مشاعر أو ردود أفعال شخص آخر.

وقد يبذل الفرد قصارى جهده للقيام بأشياء من أجل الأشخاص الموجودين في حياته بناء على ما يعتقد أنهم يريدونه أو يحتاجون إليه، ويتخلى في المقابل عن وقته وطاقته، فقط لينال حبهم. وتضيف مايرز أن هذه هي الطريقة التي يمكن أن يسبب بها إرضاء الناس المشكلات، عندما تفوق أهمية الرغبة في إرضاء الآخرين الرغبة في السعي لتحقيق احتياجاتنا الشخصية.

ما العلامات التي تدل على أنك تسعى لتكون مصدر سعادة للناس؟

هناك حد فاصل بين أن يكون الشخص لطيفاً مع الآخرين وأن يحاول تجسيد دور مصدر البهجة في حياتهم على حساب نفسه. توضح الاختصاصية الاجتماعية الإكلينيكية والمعالجة النفسانية، ايمي مورين (Amy Morin) بعض النقاط الأساسية التي ترسم شخصية هؤلاء الأفراد، وهي:

1. التظاهر بالتوافق مع الجميع

على عكس المقولة الشهيرة “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”، يشعر الشخص الذي يسعى لإرضاء الآخرين للتظاهر بأن أفكاره تتوافق مع الجميع، حتى لو كان لديه رأياً مغايراً. وعلى الرغم من أن المقولة تنطوي على أن يكنّ الشخص وداً للآخر رغم اختلافه معه، فلا يجب على أحد التنازل عن رأيه وأفكاره لصالح أفكار الآخرين لمجرد الإحساس بالانتماء للمجموعة، إلا أن ذلك الشخص يحاول دائماً أن يتظاهر بتوافق أفكاره مع الآخرين لمجرد أنه يريد أن يكون محبوباً؛ ما قد ينتج عنه الانخراط في سلوك يتعارض مع قيمه.

2. الشعور بالمسؤولية تجاه ما يشعر به الآخرون

على الرغم من أن معرفة كيف يؤثّر سلوكنا وكلامنا في الآخرين هو أمر جيد، إلا أن التفكير المفرط في أن الشخص مسؤول عن إسعاد الآخرين هو أمر مرهق نفسياً ويمثّل مشكلة له، فالأمر متروك لكل فرد ليكون مسؤولاً عن عواطفه.

3. الاعتذار كثيراً

يُعدّ الاعتذار الحقيقي من علامات الشخصية القوية، والتي لا تهاب تحمل مسؤولية ارتكاب أخطاء؛ لكن الاعتذار المستمر حتى عندما لا يكون الشخص مخطئاً ليس بأمر جيد. سواء يلوم الشخص نفسه بشكل مستمر أو يخشى دائماً أن يلومه الآخرون على أفعاله أو أقواله، فإن الاعتذار المتكرر يمكن أن يكون علامة على مشكلة أكبر في الشخصية.

4. الشعور بثقل الأشياء التي يجب القيام بها

تعد مسؤولية كيفية قضاء الوقت وتقسيم المهام المطلوبة من الأفراد بالطريقة التي تسعدهم أمر شخصي، لكن الشخص الذي يسعى بضراوة لإسعاد الآخرين قد يملأ جدوله بأنشطة لا تخصّه أو لا يستمتع بها فقط لإرضاء الآخرين، ما يجعل جدوله مليئاً بالأنشطة التي يعتقد أن الآخرين يريدون منه القيام بها، دون التحقق من مدى تأثير ذلك عليه.

5. صعوبة الرفض

إن رفض أداء مهمة ما لعدم القدرة على فعلها لا يضع الشخص في موضع الاتهام، فلكل منا جدول أعماله الملتزم به وقد لا تكون الفرصة سانحة لإضافة المزيد منها. لكن ذلك الشخص لا يستطيع أن يقول “لا” حين لا يستطيع أداء مهمة ما، فإما أن يقبل ويؤدي المهمة فعلاً، أو يختلق عذراً لاحقاً لعدم الوفاء بهذه الالتزامات. وفي كلتا الحالتين، لن يتمكّن من تحقيق أهدافه إذا لم يتمكن من التعبير عن نفسه وقدراته جيداً.

6. الشعور بعدم الارتياح إذا كان شخص ما غاضباً منه

في خضم الأحداث الكثيرة التي نواجهها يومياً، قد نشعر بالغضب أو الحزن أو الضيق والتوتر، تلك ردود أفعال طبيعية لما نمر به من صعوبات. في حالة الشخص الذي يسعى لإرضاء الآخرين، فهو يشعر أن الحالة المزاجية السيئة التي يمر بها الآخر هي مسؤوليته الشخصية أو أنه ارتكب خطاً ما في حقه؛ ما قد يجعله مشغولاً بما يمكنه القيام به لتحسين الحالة المزاجية للشخص الآخر.

7. التصرف مثل باقي أفراد المجموعة

تختلف شخصياتنا وبالتالي تختلف عاداتنا؛ إلا أن الشخص الساعي لإرضاء الآخرين وإسعادهم يسعى في المواقف المختلفة إلى الانخراط في السلوكيات التي يمارسوها إذا اعتقد أنها ستساعدهم على الشعور بالراحة، دون الالتفات إلى مصلحته وأهدافه الشخصية. وقد تكون هذه السلوكيات مضرة له، لكن رغبته في إسعادهم تفوق قدرته في الحفاظ على أهدافه الشخصية.

8. الحاجة لتلقّي الثناء من الآخرين للشعور بالرضا

في حين أن الثناء والمجاملة يمكن أن يجعلا أي شخص يشعر بالرضا، فإن هؤلاء الأشخاص يعتمدون على تلقي الاستحسان والمجاملات من الآخرين ليشعروا بقيمتهم الذاتية، وإن لم يتلقوا هذا الإطراء؛ يشعرون بالسوء تجاه ذاتهم.

9. محاولة تجنب الصراعات بشتى الطرق

إن محاولة تفادي الصراعات مع الآخرين والسعي لعلاقات سلسة هو أمر طبيعي، لكن الصراعات قد تنشاً من اختلاف القيم والمصالح الشخصية، ولا يجب أن تكون حادة في جميع الأحوال. لكن ذلك الشخص يسعى دائماً لتجنّب هذه الصراعات حتى على حساب ما يؤمن به حقاً، فينبذ قيمه وأفكاره دون الدفاع عنها فقط لإرضاء الآخرين.

10. إنكار المشاعر السلبية

لا يمكن تكوين علاقات حقيقية مع الآخرين ما دام الشخص غير قادر على التعبير عن مشاعره -إيجابية وسلبية- دون الشعور بالخوف أو الحرج. فإنكار المشاعر القوية مثل الغضب أو الحزن أو الإحباط يبقي العلاقة سطحية. لكن الشخص الذي يحاول أن يكون مصدراً لسعادة الآخرين يحاول دائماً كبح مشاعره السلبية حتى لا تؤثّر في الآخرين.

5 نصائح للتوقف عن إرضاء الآخرين والبقاء محبوبين

ليس من السهل تماماً للأشخاص الساعين لأن يكونوا مصدراً لسعادة وبهجة الآخرين التوقف عن ذلك السلوك إذا كانت الفكرة راسخة بداخلهم؛ حيث تُظهر دراسة من جامعة موناش ملبورن الاسترالية (Monash University Melbourne) صعوبة الاختلاف مع الآخرين، لأن ذلك يزيد من التنافر المعرفي لدى الشخص، وهو اضطراب يصيب الفرد عندما يفقد التوازن خلال تطبيق أفكار أو سلوكيات أو قيم تتناقض مع بعضها البعض؛ ما يصيبه بالنفور من ذلك الأمر والابتعاد عن الصراعات والمواقف التي تزيد التوتر لديه.

لكن الأمر ليس مستحيلاً، بل يتطلب بعض الجهد لتحقيق أفضل النتائج. وفيما يلي بعض النصائح التي تقدمها اختصاصية إعادة التأهيل النفسي، كندرا شيري (Kendra Cherry) للمساعدة في التوقف عن إسعاد الآخرين على حساب النفس:

1. حدد أولوياتك

بمجرد أن تحدد أولوياتك وأنواع الأشخاص الذين تريد التواجد حولهم، يصبح من السهل رفض أي شيء لا يتوافق مع أهداف حياتك. فكّر في المكان الذي تريد أن تقضي فيه وقتك، والأشخاص الذين تريد مساعدتهم، والأهداف التي تريد تحقيقها. يمكن أن تساعدك معرفة أولوياتك على تحديد ما إذا كان لديك الوقت والطاقة لتكريسهما لشيء آخر أو لا.

2. ضع حدودك

بمجرد أن تعرف ما الذي ترغب في القيام به، قم بتوصيل هذه الاحتياجات بلطف للطرف الآخر. من المهم أيضاً ألا تتفاجأ إذا بدأت علاقاتك في التغير وتأثرت بعض الروابط القائمة على تنازلاتك المستمرة في السابق لإرضاء الطرف الآخر. ومع ذلك، فالأفراد الذين يحبونك ويدعموك بصدق سيساعدوك على أن تكون لك قراراتك وأهدافك الخاصة وأن تعيش وفقاً لها.

كما أن الأفراد الذين يصبحون غاضبين نتيجة توقفك عن الاستمرار في إرضائهم، من المرجح أنهم قد يكونوا يستغلونك في السابق وتغيرك واستراد حريتك يُشعرهم بالتهديد.

3. ضع حداً زمنياً

عندما ترد على مكالمة ما وأنت مشغول، اعلِم الطرف الآخر أن لديك وقت محدود لانشغالك بأمور أخرى. كذلك، عندما تحدد موعداً مع شخص ما، أخبره بأنه يجب عليك العودة إلى المنزل في وقت محدد لأداء مهام أخرى.

4. لا تقدّم الكثير من الاعتذارات

سيزيد عدد الأشخاص الذين يتحدثون معك حول قرارك كلما قدمت المزيد من التفاصيل، لذلك احتفظ بتفاصيل قراراتك لنفسك قدر الإمكان.

5. اندمج في الحديث الذاتي الإيجابي

طمئن نفسك دائماً بمدى نجاحك في التوقف عن إرضاء الآخرين على حساب نفسك، هذه العملية قد تكون طويلة وشاقة، لكن اتخاذ خطوات بسيطة يعزز من كفاءتها وعليك مكافأة نفسك على ذلك. إذا بدأت في الشعور بالإرهاق، حاول تقوية عزيمتك بالحديث الذاتي الإيجابي؛ ذكّر نفسك أنك تستحق أن يكون لديك وقت لنفسك وأن أهدافك مهمة، ويجب ألا تبذل وقتك وطاقتك في أشياء لا تجلب لك السعادة.

وأخيراً، عليك أن تتذكر أن العلاقات الصحية تتطلب الأخذ والعطاء؛ إذا كان شخص ما يعطي دائماً والآخر يأخذ دائماً، فغالباً ما يعني ذلك أن شخصاً ما يتخلى عن أهدافه ويقدّم تنازلات حتى يتأكد من أن الشخص الآخر لديه كل ما يريد؛ ما ينتج عنه علاقات غير صحية. لذلك حتى إذا كنت تستمتع بإرضاء الآخرين، فمن المهم أن تتذكر أنه يجب عليهم أيضاً اتخاذ خطوات لمنحك ما يسعدك في المقابل.