4 أنماط للعلاقات السامة: تعرّف إليها

العلاقات السامة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد نعزز في بعض الأحيان دون وعي منا العلاقات السامة التي تؤذي مشاعرنا وتزعزع استقرارنا النفسي، وتتمثل الخطوة الأولى نحو التحرر من علاقات كهذه بتمييزها وفهم آلياتها.

تطرّق عدد لا يحصى من الأبحاث خلال السنوات القليلة الماضية إلى كيفية حماية النفس من الشخصيات السامة كالمنحرفين النرجسيين والمترصدين، والمتلاعبين المرضى. وتتمحور أهمية هذه الأبحاث حول دورها في مساعدة المرء على اكتشاف السلوكيات المدمرة التي يقوم بها أصحاب الشخصيات المذكورة. يقول الطبيب النفسي الأميركي بيل إيدي (1): "يمكن لهؤلاء المعتلين نفسياً أن يفسدوا حياتنا؛ لكن من الضروري معرفة أن "مفترسي" العلاقات هؤلاء ليسوا مصدر القلق الوحيد، فقد تكون الكثير من علاقاتنا الاعتيادية والمألوفة سامةً إلى درجة كبيرة. ولهذا السبب توضح مختصة العلاج والتحليل النفسي آن ماري بينوا، أنه من الأهمية بمكان التمييز بين "الشخصيات" السامة و"العلاقات السامة"، وتقول: "تتكون العلاقة من 3 عناصر: أنا، والطرف الآخر، ونتاج علاقتنا هذه الذي يتكون من تفاعلات واعية وغير واعية، وقد يؤدي اللاوعي لدى الطرفين إلى نسج علاقة سامة بينهما دون أن يكون أحدهما ذا شخصية سامة.

بالنسبة للطبيبة النفسية الأميركية أبيغيل برينر (2) وهي متخصصة أيضاً في هذه المسألة، فإن جميع العلاقات تتسم بالتعقيد وليس من السهل تحديد تلك السامة منها بالنسبة لنا خاصة داخل الأسرة، وينطبق الأمر ذاته على العلاقات المهنية والودية التي غالباً ما تمثل تجديداً لنمط العلاقات العائلية. تحول الظروف المختلفة بما في ذلك الأفكار المتناقلة والأدوار التي ترتبط بنا وغيرها، دون تمكننا من رؤية روابطنا العاطفية بوضوح، وتجعلنا نتحول رغماً عنا في بعض الأحيان إلى ضحايا أو جلادين، وتقول آن ماري بينوا: "يجب أن نضع في اعتبارنا أنه يمكن لأي منا أن يكون الطرف السام في العلاقة. ومن خلال الاطلاع على الأنماط الأربعة للعلاقات السامة التي سنعرضها فيما يلي؛ يمكن لكل شخص تحديد ما إذا كان أحد هذه الأنماط ينطبق على علاقته.

  1. فقيه ومتخصص في النرجسية المرضية وله عدة أبحاث منشورة حول هذا الموضوع.
  2. كاتبة عمود في دورية "سايكولوجي توداي" (Psychology Today) المتخصصة في الصحة النفسية، ولها عدة مؤلفات.

أنت تخضع للدور ذاته في العلاقة بصورة دائمة

يشير ذلك إلى ارتباط المرء بدور واحد في العلاقة كدور الأم أو المنقذ أو الشخص الذي يدبر الأمور، فيجد نفسه يتكلم ويتصرف كرجل آلي ويُوصف دوماً بالصفات ذاتها كما أنه يمتثل دائماً للتعليمات. تخيل على سبيل المثال أنك مجبر كراشد على ارتداء الملابس نفسها التي كنت ترتديها عندما كنت مراهقاً رغم تغير طولك ووزنك ونمط حياتك.

ما خطورة هذه العلاقة؟ تنطوي هذه العلاقة على سعيك الدائم لطمأنة الطرف الآخر الذي يسند إليك الدور ذاته ما يجعله يُحكم سيطرته عليك ومن ثم فإنه يشعر بالأمان؛ إذ يحول ذلك دون اضطراره لمساءلة نفسه ومواجهة أمور تسبب له الضيق والألم سواء كانت تتعلق بنفسه أو بأحداث حدثت في الماضي.

ما عواقب هذه العلاقة؟ ستقودك هذه العلاقة إلى إنكار قيمتك الذاتية وتفردك، ومن ثم إضعاف احترامك لذاتك وثقتك بنفسك أو القضاء عليهما؛ ما يحول في النهاية دون قدرتك على استغلال مهاراتك ومواردك الشخصية وجني ثمارها.

كيف تتحرر من هذه العلاقة؟ ابدأ بسؤال نفسك عن هذا الدور الذي يرتبط بك في العلاقة. متى نشأ؟ وكيف ارتبط بك؟ ومن هو الشخص الذي وثّق ارتباطك به وكيف استفاد هو من ذلك؟ كيف عززتَ دورك هذا؟ ماذا كانت السبل لذلك وما هي التنازلات التي قدمتها في المقابل؟

ثم اسأل نفسك: ما هو نفع هذا الدور لك اليوم؟ ما الفوائد التي تجنيها منه؟ وما الإحباطات التي يسببها لك؟ ما الأمور التي تمنع نفسك من القيام بها، أو الخطوات التي لا تجرؤ على اتخاذها بسببه؟ وهل أنت خاضع له في جميع علاقاتك؟ إذا لم يكن الأمر كذلك فخذ لحظةً للتفكير والشعور بما يحدث عندما تتخلص من قيودك.

أخيراً قم بتنمية وتقوية الروابط والأنشطة التي تسمح لك بالتعبير عن جميع جوانبك، ودرّب نفسك على قول لا والتعبير عن أفكارك الحقيقة، وتواصل أكثر مع الأشخاص الذين يقدرونك وابتعد عن أولئك الذين ينتهكون حريتك.

أنت تتصرف بحذر شديد

عندما تكون ضحية علاقة سامة فإنك تتصرف بحذر شديد مع الطرف الآخر خوفاً من إيذائه أو إثارة مشاعر الغضب أو الحسد أو الغيرة لديه، وتجد نفسك تبذل اهتماماً وتعاطفاً كبيرَين كي لا تثير حساسيته أو تفسد حالته المزاجية، وقد يكون هذا الشخص رئيسك في العمل، أو زميلك في الدراسة، أو شريك حياتك أو صديقك. وفي محاولة منك للحفاظ على مكانتك التي غالباً ما تكون هامشيةً بالنسبة له فإنك تقلل من قيمة نجاحاتك ومواهبك وصفاتك الأخرى. ومن جهة أخرى فإنك تجد نفسك الطرف الذي لا يبخل أبداً بإبداء المجاملات للآخر وتقديم الدعم له وطمأنته دون أن تتلقى المعاملة ذاتها في المقابل. وفي بعض الأحيان تؤدي هذه العلاقة إلى شعورك بالظلم الشديد الذي يثير في داخلك مشاعر الغضب والإحباط لكنك غالباً ما تكبتها.

ما خطورة هذه العلاقة؟ يسعى الطرف الآخر في هذه العلاقة إلى تعزيز نرجسيته التي تضررت نتيجةً لعقده النفسية أو شعوره بالنقص أو عدم الأمان، ومن خلال شخصيته السلبية العدوانية فإنه يلعب بصورة رئيسة على وتر شعورك بالذنب بغية تسخيرك لخدمته.

ما عواقب هذه العلاقة؟ تؤدي هذه العلاقة إلى خنقك أو الحد من قدراتك بسبب الرقابة الذاتية التي تفرضها بصورة مستمرة على عواطفك وقوتك الشخصية ومواهبك ومهاراتك، وقد يؤدي ذلك إلى ضعف احترام الذات وظهور أعراض جسدية بسبب تراكم مشاعر الإحباط والغضب في داخلك لفترة طويلة.

كيف تتحرر من هذه العلاقة؟ أعد قراءة تاريخك الشخصي وتساءل: من هو الشخص الذي همشت نفسك كثيراً من أجله؟ ومن هو ذلك الذي كان موجوداً في وقت سابق في حياتك وكنت تكبت مشاعرك من أجله، أو كانت مواهبك وقوتك ومواردك الشخصية تمثل تهديداً له؟

ضع قائمةً بكل التنازلات التي قدمتها وظننت أنها ستجعل علاقتك أو علاقاتك الأخرى مستقرة.

والآن تخيل "أسوأ" سيناريو؛ تخيل نفسك تؤكد ذاتك وتطالب بحقوقك وتتحرر من قيودك أو حتى تثير غضب وغيرة وعدوانية الطرف الآخر، ثم راجع الاختلافات المحتملة بين هذا السيناريو ووضعك الحالي بالتفصيل وستجد أنه لا شيء أكثر إحباطاً أو إيلاماً مما تسببه لنفسك الآن.

عليك إثبات براءتك دائماً

تقوم العلاقة الصحية على الإخلاص والإحسان المتبادلَين وهما أمران لا يُفترض بطرفي العلاقة تقديم أدلة لإثباتهما. أما هذه العلاقة فهي تنطوي على عدم ثقة الطرف الآخر وتلميحاته السامة ذات الصلة؛ ما يجعلك في حالة تشوش وضيق وقلق واستياء، وتشعر على الدوام أنك موضع شك واتهام ونقد وحكم، وتجد نفسك بحاجة دائمة لإثبات وفائك وإخلاصك وصدقك. وفي حال أوضحت للطرف الآخر ضيقك من طريقته في التعامل معك سيبدي لك استغرابه ويتهمك باعوجاج التفكير وحساسيتك الزائدة.

ما خطورة هذه العلاقة؟ تنطوي هذه العلاقة على شعور الطرف الأول بعدم الأمان والرغبة في السيطرة، بينما يشعر الطرف الثاني بالذنب والتبعية له، وتؤدي هذه العلاقة غير الصحية وذات النمط "الأبوي" (الذي يمكن أن يتكرر في العلاقة مع الزوج أو الصديق أو زميل العمل) إلى محاولة "المتهم" بلا كلل تقديم الدلائل على حسن نيته وإخلاصه. وجدير بالذكر هنا أن بعض أنواع الشخصيات قد تلصق بالآخرين سوء نيتها وعدم صدقها وحقدها.

ما عواقب هذه العلاقة؟ تجبرك هذه العلاقة على البقاء عالقاً في موقف طفولي عقيم دون أن تتمكن أبداً من تقديم دليل قاطع على براءتك؛ ما يجعلك تفقد احترامك لذاتك، كما أن هذه العلاقة لن تقدم لك أبداً الدعم الذي تشعر أنك تستحقه.

كيف تتحرر من هذه العلاقة؟ حاول الرجوع إلى الوراء واكتشاف النمط الأصلي لهذه العلاقة التي تقوم على ثنائية (القاضي والمتهم) في ماضيك. وتوقف عن محاولة تبرئة نفسك والاعتذار دون مبرر والسعي إلى إثبات براءتك وإخلاصك. وحاول عكس الأدوار مرةً واحدةً على الأقل لتجعل الطرف الآخر يشعر بما تشعر به ولاحظ ردود أفعاله. سيسمح لك ذلك بإدراك الشعور بالظلم والضيق والألم الذي سيولده عكس الأدوار.

أنت تحمل على كاهلك عبء استمرار العلاقة

أنت تسعى وحدك دوماً لتوفير المكونات اللازمة لاستمرار هذه العلاقة كالوقت والاهتمام وحسن الاستماع والنصح وحتى المال، بينما يشعر الطرف الآخر بالرضا لأنه يأخذ دون أن يعطي، ويستخدم العديد من الحيل لكي لا تشعر بأنك تقدم له الكثير، ومثال ذلك هو تشديده على "حاجة المعطي" لأن يكون كريماً مع الآخرين وهو أسلوب يشير إلى سلوك مرضي، وقد تجد في الحقيقة أن عدد المرات التي تعرضتَ فيها للاستغلال دون أن تكون بمثابة درس لك لا تحصى.

ما خطورة هذه العلاقة؟ تجعلك هذه العلاقة تشعر بأنك "مدين" للطرف الآخر، وأنك لا تقدم ما يكفي مهما فعلت. إنها محاولة للاقتراب من مفهوم العلاقات الإنسانية المثالية وهو ما يفسر الإيثار الذي يقترب من التضحية.

ما عواقب هذه العلاقة؟ إنها علاقة من طرف واحد تسبب الإرهاق العاطفي نتيجة تراكم خيبات الأمل وعدم تلقي المعاملة المناسبة والشعور بالسذاجة وعدم الحصول على دعم الطرف الآخر أو لمس السخاء منه عند الحاجة إليه.

كيف تتحرر من هذه العلاقة؟ اسأل نفسك: ما الذي يدفعك، بخلاف طبيعتك السخية والمثالية، إلى العطاء وقبول عدم التلقي في المقابل؟ ما الذي تحاول "شراءه" بسخائك هذا؟ من هو الشخص الذي تسعى لإرضائه وتريد أن تكسب محبته؟ (والدك أو والدتك، إلخ). درب نفسك على العطاء بصورة أقل، وتخلص من فكرة إما أن أقدّم كل شيء أو لا شيء، فيمكنك أن تكون كريماً دون المبالغة في ذلك.

ولا تقبل فكرة تجاهل الآخرين لحاجتك، أو خذلانهم لك عند طلب مساعدتهم ما لم يقدموا لك تفسيراتٍ مقنعة.

والنصيحة الأخيرة هي أن تقدم لنفسك الهدايا والمكافآت كلما شعرت بالميل إلى السخاء مع شخص لم يعاملك بالمثل أبداً.