لماذا قد نصدق الأساطير أحياناً ونتعلق بها؟ العلم يجيب

5 دقيقة
الأساطير
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)

ملخص: تسحرنا الأساطير بقصص رمزية ملحمية مستقاة من التجارب الإنسانية العالمية، تتجاوز الأجيال، وتربطنا بالحكمة الجماعية. وإليك من وجهة نظر نفسية، لماذا يتأثر بعض الناس بالأساطير ويصدقونها.

يُعرِّف الباحث في الميثولوجيا (علم الأساطير) فراس السواح، الأسطورة في كتابه "مغامرة العقل الأولى"؛ بأنها حكاية مقدسة تقليدية أبطالها من الآلهة أو أنصاف الآلهة، وقد انتقلت من جيل إلى آخر بالرواية الشفهية، ما جعلها ذاكرة جمعية تحفظ قيمها وعاداتها وطقوسها وتصونها. ويقابل كلمة أسطورة في اللغة الإنجليزية كلمة "Myth" وهي كلمة اُشتقت من الكلمة اليونانية "Mythos"؛ وتعني الكلام أو القصة، وهي لا تعني أن السرد كاذب؛ وإنما السرد مقدّس.

وعلى الرغم من أن الأساطير قد كُتبت قبل آلاف السنين، فإن العديد من الناس ما زالت تتأثّر بها، وبعضهم يصدقونها أيضاً، فلماذا؟ في الواقع، يحب البشر السرد القصصي سواءً كان مقدساً أم غير ذلك؛ إذ تسبب القصص تفاعلات حقيقية وقابلة للقياس في بعض مناطق الدماغ، وتحديداً في كلٍّ من قشرة الفص الجبهي المسؤولة عن الإدراك والفهم، ومنطقة اللوزة الدماغية التي ترمِّز المعلومات بناء على المشاعر التي تشعر بها.

علاوة على ذلك، يسهم التواصل العاطفي مع قصة ما إلى إفراز مجموعة من المواد الكيميائية في الدماغ تُسمى "كوكتيل الملاك" (Angel's Cocktail)؛ الذي يتألف من الدوبامين والأوكسيتوسين والإندروفين. تسهم هذه التفاعلات الكيميائية العصبية في تعزيز ميل الإنسان إلى تقدير الروايات جيدة الصياغة والتأثر بها. وعندما يتعلق الأمر بالأساطير، فإن ميل الإنسان إلى تصديقها والتأثر فيها متجذر بعمق في العمليات النفسية التي تطورت على مر القرون. وإليك المقصد من هذا الكلام.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثّر اللغة في تجاربنا العاطفية وقدراتنا على تنظيم مشاعرنا؟

لماذا قد نصدق الأساطير أحياناً ونتعلق بها؟

تقول الباحثة في علم الاجتماع، إسراء رفعت، "إن بعض الشخصيات ترفض الواقع؛ لذلك تلجأ إلى أفكار خيالية تعيش فيها وتنسجم معها وتدافع عنها". قد يكون هذا أحد التفسيرات التي تدفع بعض الناس اليوم إلى تصديق قصص خيالية أو غير واقعية والتأثر بها؛ إلا أن الأساطير خدمت على مر العصور أغراضاً مختلفة تعدت ذلك بكثير؛ إذ لطالما وفّرت للناس إطاراً لفهم العالم، وقدمت إحساساً بالمعنى، وأسهمت في التماسك الاجتماعي. عموماً، انجذب الناس إلى الأساطير نتيجة عدة أسباب نفسية واجتماعية؛ مثل:

إشباع الحاجة إلى الهدف والمعنى

أحد الجوانب الرئيسية للتأثّر بالأساطير وتصديقها هو حاجة الإنسان إلى وجود هدف للحياة ومعنى، فالحياة معقدة وفوضوية بطبيعتها، مليئة بالشكوك والأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها. لذلك، غالباً ما تتناول الموضوعات الأسطورية أسئلة وجودية أساسية؛ مثل أصل الحياة، وطبيعة الخير والشر، ومعنى الوجود الإنساني، كما تتناول الأحداث الطبيعية، مثل شروق الشمس وغروبها، أو دورة القمر والفصول، أو العواصف الرعدية.

ثم تقدم هذه الأساطير بنية سردية تنظِّم هذه التعقيدات والألغاز العميقة وتفسِّرها، ما يوفِّر إحساساً مريحاً بالفهم والعزاء والنظام والهدف في مواجهة الفوضى وعدم اليقين. ووفقاً للطبيب النفسي كارل يونغ (Carl Jung)، فإن "الأسطورة هي جانب ضروري من النفس البشرية التي تحتاج إلى إيجاد المعنى والنظام في عالم غالباً ما يقدّم نفسه على أنه فوضوي ومن دون معنى".

لذلك، ليس مستغرباً أن تكون أقدم أسطورة في التاريخ عبارة عن أسطورة نفسية تتعلق بحتمية الموت ومحاولة الإنسان إيجاد معنى للحياة؛ هي ملحمة جلجامش، التي كُتبت في بلاد الرافدين قبل الميلاد بنحو 2,100 عام. تروي الملحمة مغامرات ملك أوروك الأسطوري، جلجامش، الذي يدفعه موت صديقه المقرب إلى البحث عن سر الخلود.

وعلى الرغم من فشله في تحصيل الحياة الأبدية، فإنه يعود في النهاية إلى مدينته رجلاً فاضلاً وملكاً حكيماً مقتنعاً أن الموت وفقط الموت هو مصير الإنسان، لكن العدل ومآثر الإنسان الطيبة هي ما يخلِّد ذكراه. تعكس الملحمة موضوعات عميقة مثل الصداقة والسعي وراء الخلود، وتسلِّط الضوء على النضال الإنساني في التعامل مع فناء الحياة والرغبة في ترك بصمة لا تُمحى.

اقرأ أيضاً: في اليوم الدولي للتسامح: هل يمكن أن يكف البشر عن خوض الحروب؟

التأقلم مع الأزمنة والثقافات المتغيرة

ربما من أهم الأسباب التي تدفع الناس للتأثر بالأساطير وتصديقها على الرغم من أنها حكايات لا تخلو من تفاصيل خارقة للطبيعة أنها غنية بالرمزية والاستعارة، وأن الناس يركزون على معنى القصة أكثر مما يركزون على التفاصيل الحَرفية للحكاية الأسطورية. فاستخدام العناصر الرمزية وتمتعها بمرونة التفسير مكّن الأساطير من تجاوز الحدود الزمنية والجغرافية، والحفاظ على أهميتها عبر العصور والثقافات المختلفة.

بكلمات أُخرى، يستطيع الأفراد أو المجموعات أو المجتمعات استخلاص معاني دقيقة تعكس معتقداتهم وتجاربهم وقيمهم الفريدة في أثناء التعامل مع هذه القصص. ونتيجة لذلك، تمتلك الأساطير مرونة تسمح لها بالتطور بما يتلاءم مع وجهات النظر المجتمعية المتغيرة، ما يجعلها قابلة للتكيف مع السياقات الثقافية المختلفة.

وإن أردنا فرض مثال هنا، فيمكن استحضار أسطورة أوديب؛ ملك طيبة الذي أُبعِد عن موطنه في محاولة لتفادي التنبؤات القائلة بأنه سيقتل أباه عندما يكبر. لكنه وعلى الرغم من اغترابه وبعده عن أبيه وأمه، فإنه يحقق النبوءة، فيقتل أباه دون قصد ويتزوج أمه، التي تنتحر لاحقاً بعد اكتشاف الحقيقة. ترمز أسطورة أوديب إلى استحالة الهروب من الأقدار، وعدم قدرة الإنسان على تغيير ما هو مُقدَّر له. هذه الرمزية العميقة خلّدت الأسطورة في نفوس معظم من سمعها أو قرأها.

اقرأ أيضاً: كيف يؤدّي الهوس بتوقعات الأبراج الفلكية إلى مشكلات نفسية؟ وما سبيل التخلص منه؟

المساهمة في الترابط الاجتماعي

أدت الأساطير دوراً حاسماً في تشكيل الهوية الثقافية المشتركة في المجتمع؛ وذلك من خلال تشكيل المعتقدات والقيم والعادات والأعراف الجماعية. فمن خلال تبنيّ الحكايات المقدسة نفسها التي يتبناها أفراد المجتمع، فإن الفرد يؤكِّد على ارتباطه بمجتمعه، ما يعزز الشعور بالانتماء والوحدة والتماسك. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الأساطير بمثابة وسيلة تصون المعرفة الثقافية وتنقلها من جيل إلى آخر.

ومن أمثلة  الأساطير التي أسهمت على نحو كبير في تعزيز الهوية الثقافية، قصة رامايانا في الأساطير الهندوسية، حيث تدور الملحمة حول رحلة الأمير رامايانا لإنقاذ زوجته سيتا، التي اختطفها ملك الشياطين رافانا. تمثِّل أسطورة رامايانا القيم السامية؛ مثل البرّ والشرف والخير الذي ينتصر على الشر، كما تؤكِّد على أهمية العلاقات العائلية والتفاني وأهمية الواجب والبرّ في حياة الفرد. ظلت هذه الملحمة الهندية القديمة جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الهندوسية حتى اليوم، وقد أثّرت في الفن والأدب والمهرجانات والتعاليم الأخلاقية، وعملت على توحيد الناس من خلال بثّ القيم المشتركة.

اقرأ أيضاً: ضغط الأقران: كيف تؤثر الجماعة في سلوك الفرد؟

توفير القدوة والتوجيه

تزخر الأساطير على اختلاف الحضارات والثقافات بشخصيات بطولية تقوم برحلات غير عادية، وتظهِر الشجاعة والمرونة والحكمة وسط التحديات. يمثِّل هؤلاء الأبطال قدوات أمام الناس في اجتياز تجارب الحياة؛ إذ تلهم أفعالهم وفضائلهم وقراراتهم الناس وتوجههم، وتغرس فيهم القيم الثقافية الأساسية والمثل العليا، فضلاً عن أنها توضح لهم عواقب بعض المواقف والسلوكيات.

كما تثير الأساطير مشاعر قوية عند الناس، تتراوح من الرهبة والعجب إلى الخوف والتعاطف، وبالطبع، تجعل هذه التجارب العاطفية القصص الأسطورية أكثر تذكراً وتأثيراً. ولا ضرر من التذكير مرة أُخرى أن الأساطير، ومن ضمنها ملاحم الأبطال، تتعدى بُعدها الحَرفيّ وتقدِّم العبِر عبر الرموز والشخصيات الخيالية. ومن أجمل ملاحم الأبطال بالإضافة إلى ملحمتي جلجامش البابلي، وهرقل الإغريقي، هناك أسطورة أوديسيوس، التي أُرِّخت في قصيدة هوميروس الملحمية "الأوديسة".

اقرأ أيضاً: أموات على قيد الحياة: 7 خطوات لمواجهة إحساس الموت من الداخل

تروي الأسطورة قصة الملك أوديسيوس الذي يكابد رحلة شاقة مدتها 10 سنوات للعودة إلى موطنه في اليونان بعد حرب طروادة، يواجه خلالها العديد من التحديات والإغراءات ولكنه يصر على سعيه للعودة إلى وطنه، ما يرمز إلى أهمية التصميم على الهدف في التغلب على الشدائد. ومن أهم ما يميز هذا البطل دون الآخرين هو استخدامه للذكاء والحكمة والمكر للتغلب على الأعداء والمخاطر، دون التخلي عن الشجاعة والشهامة والولاء.

بالإضافة إلى ذلك، تستكشف القصة أيضاً نقاط ضعف أوديسيوس، وتسلط الضوء على أهمية التواضع والنمو الشخصي في رحلة الإنسان عبر الحياة. تمثِّل الأوديسة دليلاً خالداً ينقل دروساً حول المثابرة والذكاء والمرونة والنمو الشخصي، ويقدِّم رؤى قيّمة للأفراد الذين يواجهون تحديات الحياة.

ختاماً، يمكن القول إن تصديق الأساطير والتأثر بها كان وسيلة الأفراد لفهم تعقيدات الحياة ومعالجة الأسئلة الوجودية الأساسية. وأسهم التأثير العاطفي للأساطير، إلى جانب دورها في تشكيل الهوية وتعزيز التماسك الاجتماعي، في جاذبيتها الدائمة عبر الثقافات والمجتمعات المتنوعة.