الرفض في العمل ليس مجرد موقف عابر، بل تجربة قد تترك أثراً شخصياً عميقاً في النفس. تخيل أنك تجلس في اجتماع، تطرح فكرة بذلت فيها جهداً، فيمر عليها مديرك مرور الكرام ليبدي إعجابه بفكرة مشابهة طرحها زميل آخر بعدها بدقائق. أو ربما تلاحظ صمتاً مفاجئاً عند دخولك غرفة الاستراحة، فتدرك أن هناك دائرة من الزملاء أنت لست جزءاً منها.
بكل تأكيد ستجد نفسك في مثل هذه اللحظات تعاني صمت التأثير المؤلم لمشاعر الاستبعاد، ما قد يؤدي إلى تراجع ثقتك بنفسك وتدني إنتاجيتك، لذا سنعرفك في هذا المقال إلى كيفية التعامل مع مشاعر الرفض في العمل بوعي واحترافية.
محتويات المقال
لماذا يؤلمك الشعور بالرفض في العمل؟
توضح المختصة النفسية، إيمي مارشال، أن شبكة الألم النفسي تتداخل إلى حد كبير مع مناطق الدماغ المسؤولة عن الألم الجسدي، ما يعني أن شعورك عندما يتجاهل زملاؤك دعوتك للغداء، أو حين يهمش مديرك مقترحك في الاجتماع، ليس مجرد شعور عابر، بل هو استجابة بيولوجية معقدة؛ فالدماغ البشري لا يمتلك نظاماً منفصلاً لمعالجة الألم النفسي.
بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً لدراسة بحثية نشرتها المجلة الأسترالية لعلم النفس، فإن الرفض يمس حاجتك إلى القبول والانتماء، وذلك لأن البشر كائنات اجتماعية، وفي الوقت الذي تحس فيه بأنك مرفوض من الآخرين ستشعر بالكثير من المشاعر السلبية مثل القلق الاجتماعي والوحدة، بالإضافة إلى الإحساس بالذنب والإحراج والحزن.
وأحياناً قد تؤلمك مشاعر الرفض في العمل بشدة بسبب اضطراب الحساسية المفرطة للرفض، إذ يعاني بعض الأشخاص، وخاصة المصابين بالتوحد أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، اضطراب الحساسية المفرطة للرفض، وعلى الرغم من أن هذا الاضطراب ليس مصطلحاً تشخيصياً رسمياً، فإنه يتجلى في صورة ألم عاطفي شديد وقوي بوصفه رد فعل للرفض، سواء كان حقيقياً أو متوهماً، وقد يكون من الصعب التعامل معه، وغالباً ما يؤدي إلى ردود فعل عاطفية قوية.
علاوة على ذلك، هناك أيضاً بعض الاضطرابات النفسية الأخرى المرتبطة بالحساسية الشديدة للرفض، مثل اضطراب القلق الاجتماعي، واضطراب الشخصية الحدية، واضطراب الشخصية التجنبية.
اقرأ أيضاً: تفريغ المشاعر السلبية في العمل يعزز علاقتك بزملائك
تعرف إلى المراحل الخمس لمشاعر الرفض
وفقاً لبحث أجرته جامعة هيوستن، ونشرته دورية الجمعية الكيميائية الأميركية، فإن هناك 5 مراحل لمشاعر الرفض، وهي:
1. الإنكار
تخيل أنك قدمت بحثاً أو مسودة مشروع إلى مدير الفريق، ثم تلقيت بريداً إلكترونياً بالرفض، وقتها سيكون رد فعلك الأول هو الإنكار، إذ ستخبر نفسك أنه لا بد من وجود خطأ ما، لأنك تستحق الانضمام للمشروع، لذا قد تشعر بأن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام، على سبيل المثال، قد تتفقد رسائلك مراراً وتكراراً لأنك تظن أن المدير راجع موقفه مرة أخرى.
2. الغضب
بعد أن تتأكد من عدم انضمامك للمشروع الجديد، ستحس بالغضب، وفي هذه المرحلة، قد يغريك الأمر بالانفجار في وجه الشخص الذي رفضك، لكن لا تفعل ذلك، لأن تفريغ مشاعرك السلبية سوف يسبب لك المزيد من الألم، لذلك خذ نفساً عميقاً وحاول تهدئة نفسك، فهذا موقف يتطلب منك التحلي بالهدوء والسيطرة على غضبك.
3. المساومة
ستصل إلى مرحلة تبدأ فيها بالتفكير بأن الشخص الذي رفضك وخيب أملك فعل ذلك بسبب سوء فهم أو نقص في المعلومات، ستعتقد أنك لو عرضت على المدير فكرة أخرى سوف تكسب وده، ولكن دعني أخبرك أن هذه المحاولات لن تجدي نفعاً.
4. الاكتئاب
يأتي إحساس الرفض بصحبة مشاعر متضاربة؛ إذ تخبر نفسك مراراً وتكراراً بأن هذا المشروع المهني كان سيحدد مصيرك في الشركة، وبما أن فكرتك رفضت، فهذا يعني أن أفكارك جميعها سيئة، ومع مرور الوقت، تبدأ في التساؤل عن قيمتك، ومن ثم تتأثر ثقتك بنفسك، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الإصابة بالاكتئاب.
5. التقبل
دعني أخبرك بصراحة، قد لا تصل إلى هذه المرحلة، والكثير من الأشخاص لا يصلون إليها، وعلى الرغم من ذلك، فإنها مرحلة مهمة للغاية لأنها ستساعدك على المضي قدماً، بعد إعادة النظر في الموقف بموضوعية، ربما كان سبب الرفض هو عدم ملاءمة مهاراتك مع المشروع الجديد أو عوامل أخرى خارجة عن إرادتك، لذلك حاول أن تنظر للتجربة بأكملها على أنها فرصة للتعلم.
اقرأ أيضاً: كيف تؤثر طريقة تعاملك مع الرفض في صحتك النفسية؟
ما هو تأثير مشاعر الرفض ضمن العمل في الفرد والمؤسسة؟
نشرت دورية ديناميكية المنظمات دراسة بحثية أكدت من خلالها أن الرفض في العمل يعد تجربة مؤذية وغير مريحة، حيث إن التداعيات السلبية للرفض في بيئة العمل لا تقف عند حدود مشاعر الضيق العابر، بل تمتد لتشكل تهديداً هيكلياً يطال الفرد والمؤسسة على حد سواء؛ فعلى الصعيد الفردي، يغرق الموظف في دوامة من التوتر المزمن والاحتراق النفسي، ما يمهد الطريق لظهور اضطرابات أعمق كالقلق والاكتئاب، ويخلق لديه حساسية مفرطة تنهش في ثقته بنفسه وتزعزع يقينه بالانتماء، الأمر الذي ينتهي بترسيخ قناعات ذهنية معطلة تمنعه من المجازفة أو المبادرة واقتناص الفرص مستقبلاً.
وهذا التآكل النفسي سرعان ما يتحول إلى خسارة فادحة للمؤسسة، حيث تتراجع معدلات الإنتاجية على نحو ملحوظ ويتبنى الموظف ثقافة الصمت، متوقفاً عن التعبير عن رأيه بصراحة أو تقديم اقتراحات إبداعية خوفاً من الرفض، كما تتلاشى لديه سلوكيات فريق العمل التي تدفع الأشخاص لبذل جهد إضافي لمساعدة زملائهم، وفي بعض الحالات الحادة، قد يتطور الأمر إلى ظهور سلوكيات انتقامية أو هدامة تهدف إلى تقويض النجاح الجماعي أو إضعاف الآخرين عمداً، باعتبارها نوعاً من الرد الدفاعي على الشعور بالرفض والتهميش.
كيف تتعامل مع مشاعر الرفض في العمل؟
توضح المختصة النفسية، ديان بارث، أن هناك طرقاً عديدة للتعامل مع مشاعر الرفض، منها على سبيل المثال:
1. اعترف بمشاعرك
يسبب الرفض ألماً حقيقياً ينبغي عدم تجاهله أو تقليل شأنه، لذا فإن الخطوة الأولى في التعامل هي الاعتراف الكامل بالحزن أو الغضب أو الإحباط الذي تشعر به دون محاولة قمع هذه الأحاسيس، وذلك لأن إنكار الألم النفسي أو تزييف المشاعر يؤدي إلى إطالة أمد التعافي، بينما يساعدك السماح لنفسك بمعايشة هذه المشاعر فترة وجيزة على استيعاب الموقف ومعالجته نفسياً، ما يمهد الطريق لتجاوز الصدمة الأولية بسلام وبدء التفكير بعقلانية في الخطوات القادمة.
2. حلل الموقف بموضوعية
اسأل نفسك خلال هذه المرحلة؛ ما الذي كنت تتوقع تحقيقه؟ هل تظن أن هذا المشروع هو فرصتك الوحيدة لتحقيق هدفك؟ من المفيد مراجعة الرفض والتفكير في كيفية سير الأمور على نحو مختلف، ولكن في أثناء مراجعة الموقف، تأكد من التركيز فقط على أفعالك التي أدت إلى الرفض، بدلاً من تحليل شخصيتك وهويتك بصفتك فرداً.
3. غير مسارك
غالباً ما تسبب مشاعر الرفض الإحباط والحزن، لكن هل تعلم أن الإحباط يمكن أن يؤدي إلى الإبداع، وقوة الشخصية، وتنمية القدرة على حل المشكلات؟ ومن ثم بعد أن تتأمل في الموقف بعض الوقت، وتدرك أن الشعور بالحزن أمر طبيعي ومنطقي عند أي رفض، اسأل نفسك: "ماذا بعد؟" ضع خطة، ثم ابدأ العمل.
اقرأ أيضاً: ما الجانب الإيجابي لتجنب مواجهة الحقيقة المؤلمة؟وكيف يعزز صحتك النفسية؟
4. كن مرناً
تعرف "الجمعية الأميركية للطب النفسي" المرونة على أنها التكيف الناجح مع تجارب الحياة الصعبة والمليئة بالتحديات، وهناك عدة عوامل تسهم في مدى قدرتك على التكيف مع المواقف الصعبة، مثل كيفية نظرتك إلى العالم وتفاعلك معه، ومدى توفر الموارد المتاحة وجودتها، واستراتيجيات المواجهة المحددة.
وفي هذا السياق، يشرح المختص النفسي، محمد علي الأسطى، أن المرونة النفسية لا تعني عدم الانكسار، بل أن تنحني دون أن تكسر، وأن تحس بالخوف وتتحرك، وأن تسمع أفكارك السلبية ولا تطيعها، إنها القوة التي لا تشبه الصلابة، بل تشبه القدرة على التوسع من الداخل، أن يتسع قلبك لمشاعر متناقضة، وعقلك لأفكار مزعجة، وجسدك لما يثقله، ومع ذلك، تستمر.
5. اعمل على بناء عادة الحديث الإيجابي مع الذات
توضح المختصة النفسية، ميشيل ريسر، أن الحديث الإيجابي مع النفس يمكن أن يعيد برمجة مسارات الدماغ لتكون أكثر إيجابية، كما أنه يحسن حالتك المزاجية، ويعزز ثقتك بنفسك التي تأثرت بفعل مشاعر الرفض، لهذا جرب ترديد عبارات تحفيزية أو مارس التوكيدات الإيجابية يومياً، أخبر نفسك أنك ستتجاوز الموقف وستمضي قدماً، لأنك قادر على فعل الأشياء الصعبة.
6. لا تدع الرفض يحدد هويتك
بداخل كل واحد منا مجموعة من المزايا والمواهب الفريدة التي تجعله نسخة لا تتكرر، وهذه هي البصمة الشخصية التي لا يمحوها موقف أو قرار عابر، والحقيقة التي يجب أن تواجهها هي أن مشاعر الرفض ليست إلا تفصيلاً صغيراً في مشهد حياتك الواسع، وهو مجرد شعور بشري طبيعي وليس وصمة تعرف هويتك أو تحكم على مستقبلك؛ أن تشعر بالرفض فهذا أمر إنساني تماماً، لكن الخطورة تكمن في أن تسمح لهذا الشعور بأن يتحول إلى سجن يمنعك من المضي قدماً وإعادة المحاولة من جديد في مشاريع أخرى بالعمل.