خريطة عملية للتحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي

11 دقيقة
من شخص ليلي إلى شخص صباحي
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

إذا كنت تجد صعوبة في الاستيقاظ باكراً، فالأمر لا يرتبط بالكسل بقدر ما يرتبط بما يعرف بالنمط الزمني الذي يتأثر بعوامل وراثية. وعلى الرغم من ذلك، تؤكد الأبحاث أن التحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي ممكن عبر خطوات سلوكية مدروسة وتدريجية، أهمها:

  • عدل مواعيد نومك واستيقاظك تدريج…

بينما ينام العالم، يجد الشخص الليلي نفسه في قمة النشاط؛ أفكار تتدفق، وإنتاجية تزداد، وهدوء يلف المكان بأكمله، لكن مع دقات ساعات الصباح الأولى يتصارع هذا الشخص مع المنبه؛ يضغط زر الغفوة مرة تلو المرة، يكافح حتى يبدأ يومه صباحاً، والحقيقة أن التحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي لا يعتمد فقط على محاولات الاستيقاظ مبكراً، بل يرتكز بالأساس على التعرف إلى النمط الزمني ثم إعادة ضبط الساعة البيولوجية للجسم. وإليك عبر هذا المقال الدليل الكامل للتحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي.

ما هو النمط الزمني المسؤول عن إيقاع نومك؟

تشرح منصة "كالم" المتخصصة في موضوعات طب النوم والصحة النفسية، أن النمط الزمني هو ميلك الطبيعي نحو أن تكون شخصاً نشيطاً في الصباح، أو شخصاً ليلياً، وغالباً ما يعتمد نمطك الزمني على العوامل الوراثية. ويشبه أستاذ طب النوم في جامعة أكسفورد، كولين إيسبي، تباين النمط الزمني باختلافات لون الشعر أو الطول؛ فهو بصمة وراثية وتنوع بيولوجي طبيعي وليس مجرد تفضيل شخصي.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة بحثية نشرتها مجلة نيتشر، باستخدام بيانات جينومية شاملة لـ 697,828 فرداً عن 351 موقعاً جينياً مرتبطاً بالنمط الزمني، ما يظهر أن نشاط الشخص في الصباح أو في الليل له أساس بيولوجي قوي.

كما أن الأنماط الزمنية متأصلة بعمق في علم الأحياء التطوري، إذ كانت تعد بمثابة آلية للبقاء استخدمها أسلافنا؛ فالأشخاص الذين ينشطون في الصباح الباكر، والذين كانوا أكثر نشاطاً خلال النهار، جمعوا الموارد في ضوء النهار، بينما كان الأشخاص الذين ينشطون في المساء يحرسون ويحمون المجموعة خلال الليل، وقد أفاد هذا التقسيم للعمل بقاء المجتمعات البشرية القديمة، وهو السبب في أن الناس لا يزالون يتمتعون بتفضيلات نوم متنوعة حتى اليوم.

والذي يتحكم في النمط الزمني هو الساعة البيولوجية لجسمك التي تعمل على مدار 24 ساعة، حيث ينتج الأشخاص الذين يفضلون السهر الميلاتونين في وقت متأخر مقارنة بالأشخاص الذين يفضلون الاستيقاظ في وقت مبكر، ما يؤدي إلى تأخير دورة نومهم واستيقاظهم بالكامل.

وعلى الرغم من ذلك، فإن نمطك الزمني ليس ثابتاً، فالمؤثرات البيئية، وخاصة التعرض للضوء الطبيعي والروتين المنتظم، يؤثر في هذا النمط، ولهذا السبب، حتى الشخص الذي عرف طوال حياته بأنه نشيط في الليل، يمكنه أن يتحول إلى شخص نشيط في الصباح.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين النوم والصحة النفسية؟

لماذا عليك أن تكون شخصاً صباحياً؟ 

أكدت دراسة بحثية حديثة أجرتها جامعة هارفارد في سبتمبر/أيلول 2023 على نحو 64,000 امرأة سليمة صحياً في منتصف العمر، جرت متابعتهن مدة ثماني سنوات، أن النساء اللواتي وصفن أنفسهن بأنهن كائنات ليلية كن أكثر عرضة بنسبة 72% للإصابة بمرض السكري مقارنة بالنساء اللواتي يستيقظن في وقت مبكر، كما كانت النساء اللواتي يسهرن أكثر عرضة من النساء اللواتي يستيقظن في الصباح الباكر لزيادة الوزن واتباع نمط حياة غير صحي، مثل الإفراط في التدخين واتباع نظام غذائي سيئ والحصول على قسط غير كاف من النوم.

وفي سياق متصل، أوضحت منصة كلية الطب التابعة لجامعة هارفارد، أن السهر ليلاً يرتبط بعدم الحصول على قسط كاف من النوم الجيد، والذي يؤدي بدوره إلى ضعف التركيز، وزيادة مخاطر السقوط والكسور وحوادث السيارات، وضعف جهاز المناعة، والعديد من الأمراض، مثل الخرف، والسكري، وأمراض القلب، وأمراض الكلى، وارتفاع ضغط الدم، والسكتة الدماغية، والسمنة، والاكتئاب. وعلى الجانب الآخر، فإن الاستيقاظ صباحاً غالباً ما يؤدي إلى: 

1. زيادة الإنتاجية والأداء 

الاستيقاظ باكراً يمنحك بداية موفقة ليومك، لأن ساعات الصباح غالباً ما تكون خالية من المشتتات والمقاطعات، ما يجعلها الوقت الأمثل للتركيز، وغالباً ما يتمتع الأشخاص الذين يستيقظون مبكرين بنشاط يترجم إلى تحصيل دراسي أعلى ورضا وظيفي أكبر.

2. تحسين الصحة النفسية 

يمكن أن يحسن بدء يومك مبكراً صحتك النفسية على نحو ملحوظ من خلال تقليل التوتر والقلق؛ فالوقت الإضافي في الصباح يتيح لك بداية أكثر استرخاء، ما يقلل التسرع والفوضى التي غالباً ما تصاحب الاستيقاظ في وقت متأخر، وهذه البداية الهادئة تجعلك إيجابياً بقية اليوم، ما يؤدي إلى تحسين المزاج وصفاء الذهن، بالإضافة إلى ذلك، فإن التعرض لضوء الشمس صباحاً يعزز إنتاج هرمون السيروتونين ما يقلل خطر الإصابة بالاكتئاب.

وفي هذا السياق، يؤكد الطبيب النفسي، عاصم العقيل، أن هناك 5 أنشطة تحسن الحالة المزاجية، هي: النوم الكافي، والتعرض للشمس والخروج من البيت يومياً، والحركة وعدم الجلوس، والابتعاد عن الهاتف، والاهتمام بالنفس من خلال الرعاية الذاتية.

3. تعزيز الصحة الجسدية 

يتمتع الأشخاص الذين يستيقظون مبكرين بوقت أطول لدمج عادات صحية في روتينهم اليومي، مثل ممارسة الرياضة، والتأمل، أو تحضير فطور صحي. وتسهم هذه الممارسات في تحسين الصحة الجسدية، وزيادة مستويات الطاقة طوال اليوم، ويمكن القول إن ممارسة الرياضة بانتظام، على وجه الخصوص، تحسن صحة القلب والأوعية الدموية، وتعزز المناعة.

4. تحقيق النمو الشخصي

توفر ساعات الصباح الأولى الهادئة وقتاً مثالياً لأنشطة التطوير الشخصي مثل القراءة، أو كتابة اليوميات، أو تعلم مهارات جديدة، أو المشي في الهواء الطلق؛ حيث يتيح لك هذا الوقت غير المقاطع التركيز على تطوير الذات دون أي مشتتات خارجية، ما يعزز النمو الشخصي والتعلم مدى الحياة.

5. الوصول إلى نمط حياة متوازن 

قد يؤدي تخصيص يومك للمساء إلى عدم انتظام مواعيد نومك، ما قد يسبب قلة النوم أو كثرته، أو يؤثر في جودة النوم العميق الذي تحصل عليه، وعلى الجانب الآخر، سوف تواجه تضارباً بين ساعتك البيولوجية ومتطلبات المجتمع، ما يجعلك تعاني العزلة والوحدة والابتعاد عن أصدقائك وقلة التواصل مع أفراد عائلتك، وفي الوقت نفسه يساعدك الاستيقاظ مبكراً في الحفاظ على جدول نوم منتظم يوازن بين العمل والتواصل الاجتماعي والاسترخاء.

اقرأ أيضاً: ما أسباب ظاهرة تسويف النوم؟ وكيف تتغلب عليها؟

كيف تتحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي؟ 

التحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي لن يحدث بين عشية وضحاها، لكنه يحتاج إلى بعض الوقت، ووفقاً لما ذكره الموقع الرسمي لمنصة هارفارد الصحية عليك اتباع هذه الخطوات: 

1. غير روتين نومك تدريجياً 

يوضح طبيب الأعصاب المتخصص في اضطرابات النوم، كينيث ساسور، أنه لا يمكنك ببساطة أن تقرر الاستيقاظ مبكراً من الغد وأنت شخص ليلي، لن يستجيب دماغك لذلك، ولن تتغير دورة نومك واستيقاظك بهذه السهولة، لذلك، اضبط ساعتك البيولوجية بلطف عن طريق الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ قبل 15 دقيقة كل يوم، هذا يمنحك الوقت للتأقلم دون صدمة التغيير المفاجئ وحتى لا يشعر جسمك بالإرهاق الشديد من التغيير.

2. ضع خطة أو روتيناً محدداً في ذهنك

تخيل أنك قررت أن تتحول من شخص ليلي إلى شخص صباحي دون خطة في ذهنك أو هدف واضح تقرر الوصول إليه، وقتها لن تتمكن من الاستمرار، وستعود إلى السهر ليلاً لأنك لم تجد ما تفعله صباحاً، لهذا وقبل كل شيء، ضع خطة واضحة للأنشطة التي تفكر بممارستها في الصباح الباكر، مثل الذهاب إلى النادي الرياضي، أو المشي في الهواء الطلق.

3. اجعل صباحك أكثر متعة 

تقترح مختصة علم النفس وطب النوم السلوكي، ميشيل دريروب، أن تجعل صباحك أكثر متعة، حتى تجد حافزاً ودافعية للاستيقاظ مبكراً، ربما فنجان قهوة ساخن، تحتسيه في صمت بينما تحاول حل الكلمات المتقاطعة اليومية، أو تستمع إلى الموسيقا الهادئة، أو يمكنك تناول فطور صحي في أثناء قراءة كتاب. المهم أن تمارس نشاطاً تحبه فور الاستيقاظ، إذ إن معرفة أن شيئاً ممتعاً ينتظرك قد يساعدك على اتخاذ تلك الخطوة الأولى الصعبة ومغادرة السرير.

4. تعرض للضوء في أول الصباح 

يعد الضوء إشارة أساسية لإيقاعك البيولوجي، وعندما تتعرض للضوء في الصباح الباكر، تعطي إشارة واضحة لجسمك بأنه يمكنك تقديم ساعتك البيولوجية، ما يؤدي إلى تعديل مواعيد نومك واستيقاظك الطبيعية، لذلك احرص على الخروج في ضوء الشمس الطبيعي مدة 10 دقائق على الأقل أول شيء في الصباح، إذا كان الجو غائماً أو كنت تجلس بجوار نافذة، فاحصل على الضوء مدة 15 إلى 20 دقيقة.

5. هيئ لنفسك صباحات مشرقة وأمسيات خافتة

طبق نظام صباحات مشرقة وأمسيات خافتة؛ بمعنى آخر، افتح نوافذ غرفتك في الصباح واحصل على الإضاءة الساطعة نهاراً، وفي الليل، قلل التعرض للضوء الأزرق، ما يعني الابتعاد عن الشاشات قبل النوم، وخفض إضاءة غرفة النوم، ويفضل عدم تصفح هاتفك وغلق إشعارات الهاتف حتى لا تتحقق من الرسائل الواردة ليلاً، ويفضل أن تضع هاتفك خارج الغرفة بعد ضبط المنبه، وذلك حتى تغادر سريرك من أجل إغلاقه ما يساعدك على الاستيقاظ.

6. افصل بين مكان نومك ومكان عملك 

يعد الفصل بين الحياة المنزلية والعملية قاعدة أساسية لحياة هادئة، ولكن بالنسبة للكثيرين ممن يعملون من المنزل، أصبح ذلك مستحيلاً، وعلى الرغم من ذلك، هناك فروق مهمة يجب مراعاتها داخل المنزل نفسه. على سبيل المثال، لا تعمل في السرير! بل استخدم مكتبك، وإن أمكن، ضع مكتبك في غرفة مختلفة عن غرفة نومك، وعموماً لا تستخدم سريرك سوى للنوم فقط.

7. ساعد عقلك على الاسترخاء ليلاً 

يمكنك مساعدة عقلك على الاسترخاء من خلال اتباع روتين ليلي يرتكز على أنشطة هادئة. على سبيل المثال، جرب القراءة قبل النوم، ويفضل أن يكون الكتاب ورقياً حتى لا تتعرض للضوء الأزرق، يمكنك أيضاً أن تحصل على حمام دافئ، أو تستمع إلى موسيقا هادئة، بالإضافة إلى ممارسة التأمل أو كتابة اليوميات.

8. تحل بالصبر 

سوف يحتاج تغيير روتين نومك إلى بعض الوقت، وأحياناً ستجد نفسك غير قادر على الاستيقاظ صباحاً، لا تحس بالذنب أو تغضب فوراً، ولكن تحل بالصبر. وفي هذا السياق، يوضح طبيب الأعصاب المتخصص في اضطرابات النوم، كينيث ساسور، أنك قد تحتاج إلى 90 يوماً لتثبيت روتين نومك الجديد والالتزام به، الأمر قد لا يكون سهلاً في البداية، لكنه ممكن وليس مستحيلاً.

اقرأ أيضاً: 5 عادات ليلية تصنع صباحاً أكثر سعادة

المحتوى محمي