لنتخيل سوياً السيناريو التالي لحياتك: لقد حققت كل ما تصبو إليه، الوظيفة المميزة التي تدر عليك دخلاً مرتفعاً، والاعتراف الاجتماعي، وبيتاً كبيراً، وسيارة فارهة؛ كل الأهداف التي رسمتها في مخطط حياتك أصبحت الآن واقعاً ملموساً لأنك نجحت في تحقيق تلك الأهداف، وعلى الرغم من ذلك ثمة شعور غامض يتسرب داخلك ببطء، وهذا الشعور هو الفراغ النفسي، ثمة شيء ناقص في هذه اللوحة الرائعة، لماذا يحدث هذا؟ وكيف يمكن أن تحس بالخواء عندما تحقق أحلامك؟ الإجابة ستجدها في هذا المقال.
محتويات المقال
متى يؤدي تحقيق النجاح إلى الشعور بالفراغ النفسي؟
يعتقد الكثير من الأشخاص أن تحقيق النجاح كفيل وحده بالوصول إلى حالة النشوة والسعادة، لكن الحقيقة أن النجاح أحياناً يمكن أن يدؤي إلى الإحساس بالفراغ النفسي وذلك في الحالات التالية:
1. الاعتماد المفرط على التقدير الخارجي
وفقاً لما ذكرته منصة "سيكولوجي توداي" للصحة النفسية فإن الاعتماد المفرط على التقدير الخارجي سوف يجعلك تحس بالخواء والفراغ بعد تحقيق هدفك، وذلك لأن المجاملات والجوائز والتكريمات والدرجات العالية والمال وغيرها من مصادر التقدير الخارجي تشعرك بالرضا فترة وجيزة، لكنها في النهاية لا تشبعك داخلياً ولا ترضيك، لأن التقدير الخارجي غير موثوق، ففي الوقت الذي يمكن منحه، يمكن على الجانب الآخر سحبه أيضاً، بالإضافة إلى ذلك، لن تكتفي منه أبداً، وسوف تستمر في طلب المزيد والمزيد.
ويمكن القول إن الاعتماد على استحسان الآخرين ونيل رضاهم يكون في كثير من الأحيان متجذراً بعمق في تجارب الطفولة، وتحديداً حين جرى ربط الحب والقبول بالإنجاز في مخيلتك، وذلك بصفته علاقة شرطية؛ فلن تنال الحب والقبول حتى تحقق النجاح والإنجاز، والحقيقة أن الثناء والتقدير يمنحك فقط دفعة مؤقتة من الشعور بالنجاح والسعادة، إلا أنهما لا يمنحان الرضا الدائم، وبمجرد أن يخفت التصفيق، ستجد نفسك تبحث عن جرعة أخرى من النجاح، ما يدخلك في حلقة مفرغة من السعي نحو النجاح والشعور بالفراغ.
2. تجنب المشاعر الداخلية
عندما تستخدم النجاح بصفته درعاً واقياً من المشاعر الصعبة كالوحدة والقلق وعدم الأمان، فإنك في هذه الحالة سوف تحس بالفراغ النفسي بعد تحقيق أهدافك، وذلك لأنك تؤجل مواجهة مشاعرك عوضاً عن محاولة حلها أو التعامل معها، يشبه الأمر بناء قصر فاخر على أرضية هشة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الهروب المستمر من مشاعرك يستنزف طاقة نفسية هائلة، وهذا التخدير العاطفي يشكل حاجزاً أمام التواصل الحقيقي مع الذات ومع الآخرين، كما أنه لا يمكنك تخدير مشاعرك بطريقة انتقائية، فعندما تخدر مشاعرك المؤلمة أو تهرب منها، فإنك أيضاً تخدر مشاعرك الإيجابية؛ ومع مرور الوقت، لن تتمكن من الإحساس بالنجاح الذي سيتحول إلى مسكن عاطفي يلهيك عن مشاعرك الداخلية الصعبة.
وفي هذا السياق، يؤكد استشاري الطب النفسي، محمد سالم القرني، أن إهمال الاضطرابات النفسية بحجة الانشغال أو التشتت لا يعد حلاً، لأن ما يتجاهله العقل يتكفل الجسد بترجمته، حيث يتحول القلق إلى أرق مزمن، والحزن يستقر في الجسد على هيئة إرهاق، وصداع متكرر، والتوتر المكبوت قد ينفجر في جهاز هضمي مضطرب أو قلب يختل إيقاعه دون سبب عضوي، ما يعني أن المشاعر حين تهمل لا تختفي، ولكن تبحث عن منفذ.
3. الخلط بين الأهداف والهوية
سوف تحس بالفراغ والخواء النفسي بعد تحقيق النجاح إذا كنت تخلط بين أهدافك وهويتك، ويصبح من الصعب عليك أن تميز بين "ما تحققه" وما "أنت عليه حقاً"، ففي كثير من الأحيان أنت لا تسعى وراء نتائج النجاح ولكن تسعى خلف ما تعكسه هذه النتائج عنك. على سبيل المثال، تقول لنفسك "إذا حصلت على الترقية سأشعر بالاكتفاء والرضا عن نفسي" و"إذا خسرت وزني سأكون واثقاً من ذاتي" ولكن حين تحقق تلك الأهداف لن يأتيك الشعور، لأن إحساسك بقيمتك لا يأتي بطريقة شرطية، وكلما ربطت قيمتك الشخصية بنجاحك وإنجازاتك، احتجت إلى إنجازات أكبر للحفاظ على قيمتك.
اقرأ أيضاً: لماذا قد يلازمك الشعور بعدم الاستحقاق؟ وكيف تتغلب عليه؟
4. مسارك الحالي غير متناغم مع قيمك الحقيقية
أحد الأسباب التي تجعلك تحس بالفراغ النفسي على الرغم من النجاح هو أن مسارك الحالي لم يتوافق قط مع ذاتك الحقيقية، لكنك مع ذلك واصلت السير فيه، وغالباً ما ينتج هذا التباين عن ضغوط خارجية، أو توقعات مجتمعية، أو خوف من عدم تلبية معايير الآخرين. على سبيل المثال، ربما اخترت مساراً مهنياً لإرضاء والديك، أو نمط حياة أثار إعجاب أقرانك، أو سعيت وراء أهداف بدت جيدة نظرياً لكنها لم تلامس رغباتك الحقيقية.
5. أهدافك لم تعد تتوافق مع ذاتك الجديدة
قد تحس بالفراغ على الرغم من تحقيق النجاح لأن وضعك الحالي كان يشعرك بالرضا في الماضي، لكنه لم يعد كذلك. وغالباً ما يحدث هذا التحول مع تطور قيمك وأهدافك ووجهات نظرك بمرور الوقت، فما كان يثير حماسك ويحفزك في السابق قد يشعرك الآن بالركود أو عدم الرضا، ربما تجاوزت دورك الحالي، وحققت أهدافك التي وضعتها لنفسك، وتشعر الآن بضياع الهدف، أو ربما تغيرت وتطورت شخصيتك وأصبحت تحتاج إلى أهداف جديدة تعكس هذا النمو.
6. تفاقم فخ المقارنة
غالباً ما يوجد الأشخاص الناجحون في بيئات تقارن فيها إنجازاتهم باستمرار مع إنجازات الآخرين، وعلى الرغم من أن هذا قد يكون محفزاً، فإنه يولد أيضاً ضغطاً نفسياً مزمناً ناتجاً عن المقارنة الاجتماعية، فأحياناً قد لا يكفي أن تكون جيداً وإنما عليك أن تكون خارقاً ومميزاً للغاية حتى تتلاءم مع البيئة المحيطة، ويمكن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي أحدثت تضخماً كبيراً في فرص المقارنة، وهذا يجعلك تحس معظم الوقت بالفراغ النفسي، لأنك مهما حققت من نجاح أو إنجاز سيظل هناك دوماً الأفضل منك.
اقرأ أيضاً: كيف تتوقف عن مقارنة نفسك بالآخرين؟
كيف تنجح في تحقيق أهدافك دون أن تحس بالفراغ النفسي؟
ما ذكرته مسبقاً لا يعني بحال من الأحوال أن الحل يكمن في التخلي عن الطموح أو التوقف عن العمل لتحقيق الأهداف والنجاح، بل يعني بناء علاقة أكثر استدامة وإشباعاً مع الإنجاز، وذلك من خلال اتباع النصائح التالية:
1. أعد صياغة مفهوم النجاح
توضح منصة "سيكولوجي توداي" للصحة النفسية أنك بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح وفقاً لمعاييرك الخاصة، وذلك حتى تبني حياة تشعر فيها بالأصالة والتناغم، وتكون قادراً على اتخاذ خطوات جريئة نحو الأمام، وخاصة أن معظمنا ورث تعريف النجاح من الخارج؛ سواء بيئة المنشأ أم المجتمع أم الأطراف الخارجية، وحتى تعيد صياغة هذا المفهوم، اسأل نفسك: ما معنى النجاح بالنسبة لي الآن؟ هل ما أفعله ذو قيمة، أم إنني أكتفي بتحقيق معايير قيل لي إنها مهمة وأسعى وراء تعريف للنجاح لا يمثلني؟
ويمكن القول إن إعادة تعريف مفهوم النجاح ليست خطوة واحدة، بل رحلة مستمرة ترتكز على إعادة استكشاف نفسك، ومعرفة ما يهمك حقاً، بعدها تأتي مرحلة التجريب من أجل معرفة ما يناسبك، ثم تعديل المفهوم حتى يلائم نموك وتطورك.
2. تعرف إلى قيمك الأساسية
خصص وقتاً لاستكشاف ما يجلب لك السعادة والرضا الحقيقيين، واسأل نفسك؛ هل تتوافق أهدافك مع قيمك الداخلية؟ يمكن أن يساعدك تدوين اليوميات على معرفة قيمة الأساسية، كما ستحتاج أيضاً إلى ممارسة التأمل وقضاء بعض الوقت بمفردك، وتأكد أن مواءمة حياتك مع قيمك الأساسية يمكن أن تضفي شعوراً أعمق بالهدف والرضا عن حياتك.
3. ركز على التطور وليس الإنجاز
لنفرض أنك تود أن تصبح كاتباً من الكتاب الأكثر مبيعاً، هذا هدف، ربما يكون مرضياً وقد تحقق بالفعل هذا النجاح، ولكن ماذا سيحدث بعد أن تحققه؟ هل سيستمر شعورك بالسعادة إلى الأبد؟ الحقيقة أن هذا لن يحدث، لأن شعور السعادة لا يمكن أن يستمر للأبد، لذلك عوضاً عن تحقيق لقب المؤلف الأكثر مبيعاً، ركز على تطوير نفسك، اكتب كل يوم، تعلم أدوات جديدة، ركز على صقل مهاراتك ونشر كتب ذات قيمة.
ودعني أخبرك أن هذا التحول الدقيق من التركيز على النتيجة إلى التركيز على الهوية، ومن التركيز على الهدف إلى التركيز على النمو، سوف يغير شعورك بالرضا جذرياً، وبدلاً من السعي وراء مؤشرات النجاح الخارجية، سوف تبني انسجاماً داخلياً يدوم طويلاً وتحقق الرضا عن نفسك وتحس بالامتلاء.
4. كن لطيفاً مع نفسك
الطريق نحو النجاح وتحقيق الأهداف غالباً ما يكون طويلاً، وأحياناً تظهر بعض التحديات والصعاب والمحن، وحين تواجهك تلك الصعاب لا تنتقد نفسك أو تقارن مسارك بمسار شخص آخر، وعوضاً عن ذلك كن لطيفاً ومتعاطفاً مع ذاتك، عامل نفسك برحمة وتفهم، وابن علاقة أكثر إيجابية مع نفسك.
5. اسمح لمشاعرك بالظهور وتقبلها
تشرح الطبيبة النفسية، فيكتوريا ليميل بيكنر، أن المشاعر ليست مجرد حالات مزاجية عابرة، لكنها نظام متكامل يشبه الرادار ووظيفته ترتكز على تزويدك بمعلومات مهمة عن احتياجاتك، وتوضح بيكنر أنك يجب أن تسمح لمشاعرك بالظهور لأن قمعها يعني تجاهل الرسالة التي يحاول مخك إخبارك بها، وعلى الجانب الآخر، فإن معظم مشاكلك النفسية لا تنبع من مشاعرك الأصلية مثل الحزن أو القلق، بل من محاولاتك المستمرة لقمع تلك المشاعر أو تجنبها.
على سبيل المثال، تخيل أنك تنخرط في العمل وتحقيق الأهداف حتى تهرب من مشاعر الوحدة أو الحزن. الحقيقة أن العمل الإضافي والنجاح الذي ستحققه لن يجعل مشاعرك تختفي، بل سيخلق طبقة أعمق من تلك المشاعر، والسماح للمشاعر بالظهور يكسر هذه الدورة؛ فالمشاعر مثل الموجة، إذا سمحت لها بالمرور، ستتلاشى طبيعياً، أما إذا حاولت بناء سد أمامها، فسيتحطم السد يوماً ما ويغرقك.
ويمكن القول إن السماح للمشاعر بالظهور يعمل بصفته عملية إعادة ضبط للجهاز العصبي، ما يوفر لك مساحة ذهنية من أجل الإنتاجية الحقيقية بدلاً من الانشغال الدائم واستنزاف طاقتك النفسية بإبقاء الغطاء مغلقاً على مشاعرك المكتومة.
اقرأ أيضاً: السعادة الدائمة مستحيلة، وهذه الأسباب العلمية