ما هو تأثير صدمات الطفولة في حياتك المهنية؟

5 دقيقة
تأثير صدمات الطفولة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

تظهر الأبحاث أن تجارب الطفولة، خصوصاً الصادمة منها، لا تبقى في الماضي، بل تترك بصمتها على طريقة عمل الدماغ واستجابته للضغط في الحاضر. من الممكن أن تنعكس هذه الأنماط العصبية بوضوح داخل بيئة العمل، لكنها ليست قدراً محتوماً، بل قابلة للفهم والتعديل بخطوات عملية واعية، أهمه…

تقول الروائية أحلام مستغانمي: "هناك شيء ما حدث في طفولتك، ودون أن تعي ذلك، كل شيء سيدور حوله حتى أخر لحظة في حياتك". بهذه الجملة تضعنا مستغانمي أمام حقيقة قد تبدو قاسية لكنها شديدة الدقة يمكن من خلالها فهم تأثير صدمات الطفولة في حياتنا؛ الطفولة ليست مرحلة نغادرها، بل "بذرة" تظل تثمر داخلنا، في قراراتنا وعلاقاتنا وردود فعلنا، وفي الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم.

إن ما نسميه صدمة طفولة لا يبقى محصوراً في الذاكرة أو في مشهد قديم؛ بل قد يمتد ليعيد هيكلة برمجة دماغك من أجل النجاة. وعندما تنقل آليات النجاة هذه إلى البيئة المهنية، فإنها تصبح القوة الخفية التي تحرك مساراتنا المهنية.

فما هي تلك الخيوط غير المرئية بين ما حدث في الماضي وما يحدث اليوم؟ وما الذي يجعل بعضنا يختار الإرهاق بدل الراحة، والصمت عوضاً عن رسم الحدود؟ بعبارة أخرى، كيف ينتقل تأثير صدمات الطفولة إلى المكتب؟ إليك الأجوبة التي قد تساعدك على فهم نمط سلوكك المهني.

ما الذي يعنيه التعرض لصدمة نفسية في الطفولة؟

بحسب مركز تقييم صدمات الأطفال التابع لجامعة نورث ويسترن الأميركية، تعرف صدمات الطفولة بأنها تجارب مخيفة أو خطيرة أو عنيفة، أو تنطوي على تهديد للحياة، يتعرض لها الطفل منذ ولادته وحتى سن 18 عاماً.

ولا يشترط أن يكون الطفل الضحية المباشرة لهذه الأحداث؛ فمجرد مشاهدة أو سماع شخص مقرب، أو حتى غريب، يتعرض للأذى أو الخطر، قد يسبب له الخوف أو الضيق لدى حدوثه، ما يترك أثراً نفسياً عميقاً فيه.

وفقاً للطبيب النفسي ابراهيم حمدي، تترك صدمات الطفولة بصمات عميقة لا تمحى بسهولة، وقد تظهر في صورة توتر دائم أو خوف غير مبرر أو صعوبة في بناء علاقات صحية، كما تختلف صدمات مرحلة الطفولة النفسية في أثرها على صحة الطفل النفسية والذهنية وحتى الجسدية حسب تعرضه المباشر أو غير المباشر لها.

عموماً، لا تقتصر صدمات الطفولة على الأحداث الصارخة والواضحة مثل الاعتداء الجسدي؛ بل تشمل كل تجربة تربك إحساس الطفل بالأمان أو تهشم قيمته الذاتية، بما فيها:

  • الإهمال.
  • النزوح أو الحروب.
  • الاستغلال الجنسي التجاري.
  • العنف في المجتمع أو المدرسة.
  • مشاهدة العنف المنزلي أو التعرض له.
  • الكوارث أو الحوادث الإرهابية.
  • الاعتداء الجسدي أو الجنسي.
  • فقدان شخص عزيز بشكل مفاجئ أو عنيف.
  • الحوادث الخطيرة أو الأمراض التي تهدد الحياة.
  • الاضطهاد النفسي أو الجسدي أو الجنسي.
  • الضغوط النفسية المتعلقة بالأسرة، مثل غياب الوالدين أو إصابتهم أو وفاتهم.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن تؤثر صدمات الطفولة في حياتك عند الكبر؟

نظرة إلى العمق: ما هو تأثير صدمات الطفولة في الدماغ؟

تختلف المسارات التي تؤثر من خلالها صدمات الطفولة في الدماغ، ومن أهمها:

1. برمجة جهاز الاستجابة للضغط

أشار طبيبا علم النفس لارا جو كوكس وأكيم مارش، في كتابهما "ليسوا مجرد أطفال سيئين: العلاقة بين الشدائد والسلوك التخريبي"، إلى أنه في سنوات الطفولة، يكون الدماغ والجهاز العصبي في مرحلة نمو وتشكل، ما يجعلهما أكثر حساسية للتجارب التي يمر بها الطفل. وعندما يعيش الطفل في بيئة غير آمنة أو مليئة بالتوتر، مثل التعرض للإهمال أو العنف أو عدم الاستقرار الأسري، يبدأ جهاز الاستجابة للضغط في الجسم بالتأقلم مع هذا الواقع، متمثلاً بمحور (الوطاء- الغدة النخامية- الكظر).

في الظروف الطبيعية، ينظم هذا الجهاز استجابة الجسم للضغط والخطر من خلال إفراز هرمونات مثل الكورتيزول. لكن في حال تكرار التهديدات في الطفولة، يتعلم الجهاز العصبي أن يبقى في حالة تأهب دائم، وكأن الخطر مستمر، وتصبح الاستجابة للضغط أسرع وأقوى حتى في المواقف العادية، ويصبح من الصعب على الجسم تهدئة نفسه بعد انتهاء الموقف المزعج.

2. دوائر الخطر

تختلف حساسية أجزاء الدماغ للمؤثرات في مراحل العمر المختلفة. على وجه التحديد، سلطت الدراسة المنشورة في دورية "علم نفس التواصل" الضوء على شبكة عصبية مسؤولة عن التمييز بين الأمان والخطر، وتضم:

  • اللوزة الدماغية: تستجيب للمواقف المخيفة.
  • الحصين: يساعد في تخزين الذكريات وربطها بالمكان والزمان.
  • القشرة الجبهية الأمامية البطنية: تساهم في تنظيم المشاعر.
  • القشرة الحزامية الأمامية: تشارك في تقييم التهديدات واتخاذ القرار.

لا تنمو هذه المناطق بنفس السرعة، فاللوزة والحصين ينضجان في وقت مبكر من الطفولة، أما القشرة الجبهية الأمامية فتستمر في التطور حتى نهاية المراهقة.

إذا مر الطفل بتجارب صادمة خلال مراحل نمو حساسة، فقد تتأثر هذه الدوائر العصبية بشكل دائم، ما يؤدي إلى:

  •  صعوبة في التمييز بين المواقف الآمنة والخطيرة.
  •  ردود فعل مبالغ فيها تجاه مواقف عادية.
  •  شعور دائم بالقلق أو الخوف، أو حتى انعدام الاستجابة العاطفية (التجمد).

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: صدمات الطفولة تُضعف وظائف العضلات عند الكبر، فما الحل؟

3 أنماط شائعة قد تعكس تأثير صدمات الطفولة في بيئة العمل

حتى لو بدا الشخص متماسكاً لسنوات، قد يظهر تأثير صدمات الطفولة أو يتفعل بقوة في سن الرشد عندما يكون تحت الضغط، وهذا يشمل أماكن العمل لأنها مليئة بـ "إشارات قديمة" مثل التقييم أو الإقصاء والمنافسة، ما يؤثر في طريقة اتخاذ القرار وإدارة الانفعالات، وبناء العلاقات داخل الفريق. 

1. اليقظة المفرطة

عندما ينمو الطفل في بيئة غير آمنة أو لا يمكن التنبؤ بتقلباتها، سواء بسبب الانفجارات العاطفية أو الإهمال أو الإساءة، يظل جهازه العصبي في حالة "استنفار قصوى"؛ وهذا ما نسميه طبياً بـ اليقظة المفرطة.

في سياق العمل، يتجلى ذلك في قدرة على "قراءة الأجواء واستشعارها"؛ فتكون أول من يلحظ تغير مزاج المدير التنفيذي أو التوتر الصامت بين الأقسام. وعلى الرغم من أن هذا قد يجعلك خبيراً في السياسة المكتبية، فإنه يستنزف طاقتك ويؤدي إلى حالة متواصلة من التوتر والاحتراق الوظيفي، إذ قد تقضي ساعات في تحليل بريد إلكتروني بحثاً عن "نبرة مخفية"، أو تشعر بذعر مبهم حين يقول لك مديرك: "هل لديك دقيقة؟".

2. الإرضاء وتحقيق الإنجازات القسري

عندما ينشأ الطفل في بيئة تتسم بالإهمال أو القسوة أو عدم التقدير، فإنه يشعر الخوف من الرفض أو الهجر، فيعتقد أن الحب مشروط ويربط قبول الآخرين له ومحبتهم بالامتثال الكامل، ويتجنب الصراعات؛ لأنها كانت في الطفولة غالباً تؤدي إلى نتائج قاسية مثل العقاب أو الحرمان، فيتعلم أن السلام الظاهري أهم من التعبير عن الذات. هذا السلوك تعرفه المختصة الاجتماعية كارولين فينكل في موقع "تشارلي هليث" باسم "إرضاء الناس"، وتصفه بأنه وسيلة دفاعية وسلوك يطوره الفرد لتجنب الصدام أو الرفض.

في بيئة العمل، يمكن أن يتجلى هذا السلوك في عدم القدرة على التعبير عن الذات أو قول "لا"، فيصبح الفرد مسايراً ويتحمل أعباء إضافية، ويعمل ساعات طوال دون اعتراض، لأنه في وعيه الباطن يربط بين أمانه الشخصي ومدى قدرته على إرضاء للآخرين.

3. متلازمة المحتال وصدى الناقد الداخلي

وفقاً لمنصة سايكولوجي توداي، متلازمة المحتال هي حالة نفسية يشعر فيها الشخص بأنه لا يستحق نجاحه، ويعتقد أن إنجازاته ناتجة عن الحظ أو الخداع، وليس عن كفاءته الحقيقية. رغم وجود أدلة على نجاحه، يظل خائفاً من أن يكتشف "احتياله". إلا أنها في الحقيقية آلية دفاعية للبقاء نشأت في الطفولة وتجاوزت جدواها، إذ عندما لا يتلقى الطفل الثناء إلا عند نجاحه، كما في التحصيل الدراسي والرياضة والسلوك، ويواجه التوبيخ أو النقد عند إخفاقه، يشعر أنه "غير كفء"، وأي ثناء يبدو غير مستحق.

يتجلى هذا النمط في العمل بالعيش في قلق دائم من أن يكتشف الآخرون أنه "ليس كفؤاً كما يبدو"، فيتجنب التحديات أو أي مهمة جديدة، خوفاً من الفشل، ويشعر دائماً أنه أقل من الآخرين، حتى لو كان أداؤه متفوقاً، ما يستنزف طاقته على المدى الطويل ويصيبه بالاحتراق الوظيفي.

اقرأ أيضاً: أثر صدمات مرحلة الطفولة في الصحة النفسية

5 استراتيجيات فعالة للتعامل مع تأثير صدمات الطفولة

لا يمكنك تغيير طفولتك، لكنك قادر على تغيير بصمتها في حياتك العملية. إليك بعض الخطوات التي أشارت لها المختصة النفسية أليكسيا رونثيرو لمساعدتك:

1. الوعي الذاتي والعلاج النفسي

أولى خطوات الشفاء هي أن يدرك الفرد أن بعض ردود فعله، مثل الحاجة المفرطة إلى السيطرة، أو الحساسية المبالغ فيها للنقد، قد تكون امتداداً لتجارب في مراحل الحياة المبكرة، وتحتاج إلى علاج نفسي، مثل:

  • العلاج المعرفي السلوكي المتمحور حول الصدمة: يساعد على إعادة بناء الأفكار والانفعالات المرتبطة بالخبرة المؤلمة، وتعلم مهارات تنظيم المشاعر.
  • إزالة الحساسية وإعادة المعالجة بحركات العين: يهدف إلى معالجة الذكريات الصادمة وإضعاف أثرها الانفعالي.

2. اليقظة الذهنية وتنظيم الانفعالات

تساعد تمارين اليقظة الذهنية، مثل التأمل وتمارين التنفس، على تهدئة التوتر وتقليل التفاعل الانفعالي. حيث تتعلم التوقف لملاحظة ما يجري داخلك قبل أن تختار رد الفعل على نحو اندفاعي. ومع الممارسة المنتظمة، تتحول هذه المهارة إلى أسلوب ونمط حياة.

3. تطوير اللغة الانفعالية

عوضاً عن الاكتفاء بالانسحاب أو نقيضه الانفجار، تعلم تسمية مشاعرك بوضوح؛ بعبارات مثل "أنا قلق ومحرج"، "أنا خائف من الرفض". لست مضطراً للكشف عن كل تاريخك لزملائك، لكن امتلاك مفردات دقيقة لما يجري داخلك يمنحك قدراً أكبر من السيطرة والاختيار في ردود أفعالك.

4. ​وضع الحدود 

إن تعلم قول "لا" هو تمرين لجهازك العصبي وإعادة هيكلة للدوائر العصبية في الدماغ، حتى يدرك جهاز الخطر في جسمك أنك آمن ولست في خطر حتى لو لم تكن "مفيداً" للآخرين في تلك اللحظة.

5. صنع "جزيرة أمان" داخل بيئة العمل

حاول أن تحدد شخصاً واحداً على الأقل في العمل، مثل زميل أو مشرف أو مرشد، تشعر معه بقدر من الأمان والدعم.​ 

اقرأ أيضاً: بعد كشف شوق الموسوي تعنيفها في صغرها: كيف تتجاوز صدمات الطفولة؟

المحتوى محمي