ما هو انهيار السياق؟ وكيف يدمر وضوح تفكيرك؟

5 دقائق
انهيار السياق
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

عندما تختفي الحدود بين دوائر حياتك المختلفة على السوشال ميديا، يصبح كل ما تنشره موجهاً إلى جمهور واحد ضخم لا تعرف توقعاته ولا ردود فعله. هذا ما يعرف بـ "انهيار السياق"، وهو أحد أبرز مصادر الضغط النفسي في التجارب الرقمية الحديثة. ولأن الانسحاب الكامل من المنصات ليس خيارا…

هل سبق لك أن كتبت تغريدة أو منشوراً ثم مسحته فوراً خوفاً من أن يفهمه مديرك في العمل بطريقة خاطئة، أو أن يثير حفيظة أقاربك، على الرغم من أنه مجرد نكتة بريئة بينك وبين أصدقائك؟ هذا التردد اللحظي ليس مجرد خجل، بل هو عرض نفسي واجتماعي لظاهرة تسمى "انهيار السياق".

في عالمنا الرقمي المتسارع، لم تعد جدران حياتنا تفصل بين "غرفة المعيشة" و"قاعة الاجتماعات"، بل أصبح الجميع حاضرين في غرفة واحدة عملاقة. في هذا المقال، نغوص في عمق هذه الظاهرة لنفهم كيف نعيد تشكيل عقولنا وهوياتنا.

ما هو "انهيار السياق"؟ ولماذا انتشر مؤخراً؟ 

ببساطة، انهيار السياق هو تلاشي الحدود الفاصلة بين الجماهير المختلفة في حياتك. صاغت هذا المصطلح الباحثة المتخصصة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، دانا بويد، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لوصف ما يحدث عندما يضطر الأشخاص لتقديم أنفسهم أمام جماهير غير متجانسة في وقت واحد.

في الحياة الواقعية، أنت تمارس ما يسميه عالم الاجتماع، إرفينغ غوفمان، الفصل بين الجمهور، فتتحدث إلى مديرك بلغة رسمية، وإلى أصدقائك بلهجة عفوية، وإلى عائلتك بود خاص، فلكل سياق سلوك مناسب.

أما على منصات التواصل الاجتماعي، فإن هذه الجدران تنهار عندما تتداخل دوائر اجتماعية منفصلة (العائلة، العمل، الأصدقاء، الغرباء) في مساحة واحدة، فتجد أن أي شيء تنشره سيصل للجميع بالصيغة نفسها، ما يجبرك على التعامل مع الجمهور المتخيل باعتباره كتلة واحدة، وهو ما يخلق ضغطاً نفسياً هائلاً.

يعود انتشار ظاهرة انهيار السياق إلى تصميم خوارزميات المنصات الحديثة، مثل إكس وتيك توك، التي تدفع المحتوى ليتجاوز دائرة المتابعين إلى الجمهور العام، لم يعد المحتوى محصوراً في سياقه الأصلي، بل أصبح معرضاً للتأويل من قبل غرباء لا يملكون مفاتيح فهم شخصيتك أو خلفيتك.

اقرأ أيضاً: الصورة ليست كما تبدو في الشاشة: معاناة المؤثرين على السوشال ميديا نفسياً

كيف يؤثر انهيار السياق في نمط تفكيرك وحياتك اليومية؟

إن العيش في حالة دائمة من انهيار السياق لا يمر دون ثمن نفسي ومعرفي باهظ، إذ يؤثر ذلك فيك بثلاث طرائق رئيسية:

1. الرقابة الذاتية وفقدان الأصالة

عندما تعلم أن جمهورك يشمل الجميع، فإنك تميل لا شعورياً لتبني ما يسمى بـ "الحد الأدنى المقبول". أي إنك تنشر فقط ما لا يثير غضب أي طرف، وهذا لا يعد أمراً جيداً لأن السعي المستمر لإدارة الانطباعات والبحث عن القبول الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب، إذ يشعر الفرد بأن ذاته الرقمية منفصلة تماماً عن ذاته الحقيقية، ما يولد داخله شعوراً بالاغتراب.

2. التسطيح والتفكير الثنائي

انهيار السياق يقتل "الرمادية" والفروقات الدقيقة، فبما أنك تخاطب جمهوراً عاماً قد لا يفهم التلميحات أو النكات الخاصة، ستكون مضطراً لتبسيط أفكارك لتصبح "قابلة للاستهلاك" بسرعة. هذا يعزز نمط التفكير الثنائي (مع/ضد، أبيض/أسود) لأن الشرح المفصل يتطلب سياقاً مشتركاً وهو مفقود أصلاً.

3. جنون الارتياب الاجتماعي

أنت تعيش في حالة تأهب دائم: "كيف سيفهم فلان هذه الجملة؟". هذا التوتر المستمر يستهلك طاقة العقل ويقلل قدرتك على الإبداع العفوي، فبدلاً من التواصل للتعبير، يصبح التواصل "أداء مسرحياً" محسوب العواقب بدقة.

ماذا تفعل حتى لا تقع في فخ انهيار السياق؟

 قد لا يكون الهروب التام من وسائل التواصل حلاً عملياً، ولكن يمكنك استعادة السيطرة على سياقاتك من خلال استراتيجيات نفسية وتقنية:

1. أعد بناء الجدران

لا تجعل حساباً واحداً لكل مناحي حياتك وبدلاً من ذلك اعتمد على:

  • تعدد الحسابات: من الصحي أن تمتلك حساباً مهنياً على منصة مثل لينكد إن، وحساباً شخصياً مغلقاً للأصدقاء المقربين على منصات مثل فيسبوك أو إنستغرام، هذا يسمح لك بالتعبير عن جوانب مختلفة من شخصيتك بأمان.
  • استخدم أدوات التخصيص: استثمر ميزات مثل الأصدقاء المقربين أو الدوائر المحددة لتحديد من يرى ماذا.

2. تقبل سوء الفهم باعتباره جزءاً من اللعبة

تذكر أنك لا تستطيع التحكم في كيفية تفسير الآخرين لكلماتك، خاصة الغرباء، فهناك جزء كبير من التواصل يعتمد على لغة الجسد والنبرة، وهي عناصر مفقودة رقمياً. لذا، عندما يحدث سوء فهم، ذكر نفسك بأن المشكلة غالباً في "الوسيط" (المنصة) وليست فيك شخصياً.

3. استثمر في العلاقات الواقعية

العلاج الحقيقي لانهيار السياق هو "بناء السياق" في الواقع، العلاقات وجهاً لوجه غنية بالإشارات والسياقات المشتركة التي تجعل التواصل أسهل وأكثر صدقاً. كلما زاد وقتك في العالم الحقيقي، قل تأثير الحكم الرقمي على صحتك النفسية.

اقرأ أيضاً: 6 مؤشرات تدل على ضرورة اعتزالك السوشال ميديا وكيف تفعل ذلك

المحتوى محمي