جيل زد يقول لا للمناصب الكبرى حفاظاً على صحته النفسية!

4 دقيقة
جيل زد
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

هل تعلم أنك لو عرضت على موظف طموح في منتصف العشرينيات من عمره منصباً قيادياً في الشركة مع راتب أعلى قد يرفضه دون تردد؟ قبل سنوات قليلة كان هذا الموقف ضرباً من الخيال، حيث كانت الأجيال السابقة تقيس النجاح بمعايير التقدم الوظيفي والمكانة الاجتماعية والمال والسلطة، لكن حالياً يطل علينا جيل زد بمنظور مختلف في عالم الأعمال؛ إنه جيل لا يقيس النجاح بالمسمى الوظيفي فحسب، بل يعطي الأولوية لجودة الحياة التي يعيشها، ويحاول قدر الإمكان حماية صحته النفسية، لكن هل هذا الأمر يعد هروباً من المسؤولية؟ أم إعادة تعريف لمفهوم النجاح؟ الإجابة عبر هذا المقال.

لماذا قد يتجنب جيل زد المناصب القيادية؟

أجرت شركة التوظيف البريطانية، روبرت والترز، استطلاعاً للرأي خلال عام 2024 على 2000 موظف بينهم 800 من جيل زد، وكانت النتيجة أن نصفهم لم يرغبوا في تولي مناصب قيادية، وقد أكدت مديرة شركة التوظيف، لوسي بيسيت، أن جيل زد يتجنب المناصب القيادية لأنه يربطها بالتوتر، ومحدودية الاستقلالية، وضعف التوازن بين العمل والحياة.

والحقيقة أن توجه جيل زد في التعامل مع الحياة المهنية يطلق عليه اسم "التخلي الواعي عن القيادة"، وهو مصطلح يشير إلى القرار المتعمد برفض أدوار القيادة التقليدية، وتحدي فكرة أن النجاح الوظيفي يعتمد على ساعات العمل الطويلة ما يضر بأنشطة الحياة الشخصية، ويمكن القول إن هذا التخلي الواعي لا ينبع من الإرهاق أو الكسل أو الخوف من الفشل، بل من وضوح القيم والأهداف واحتياجات نمط الحياة، ومن ثم فإن التخلي الواعي عن القيادة لا يتعلق بالانسحاب من المسؤولية بقدر ما يتعلق باختيار تعزيز الصحة النفسية، وخاصة أن جيل زد يعاني معدلات أعلى من القلق، ولهذا فإنهم يفضلون الهدوء على الضغط، بالإضافة إلى ذلك فإن جيل زد يتجنب المناصب القيادية للأسباب التالية:

1. الرغبة في إعادة تعريف مفهوم النجاح 

شهد جيل زد المولود تقريباً بين عامي 1997 و2012 مرحلة النضج في عصر شهد اضطرابات عميقة؛ بدءاً من التغير المناخي، والإغلاق الناتج عن جائحة كوفيد-19، بالإضافة إلى التقلبات الاقتصادية والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ومن ثم، فإن هذا الجيل واجه عدم الاستقرار عموماً لا استثناء. في ظل هذه التغيرات، بدأ أبناء هذا الجيل بالتساؤل عن التعريفات السائدة للنجاح والتي توارثتها الأجيال السابقة، وخاصة أنهم شعروا بأن السعي الحثيث خلف الانهماك في العمل لا يستحق كل هذا الضغط.

2. التكنولوجيا وصعود المسارات غير التقليدية

مكن التقدم التكنولوجي الكثيرين من بناء مسارات مهنية خارج الهياكل التقليدية. على سبيل المثال، اكتسبت الأعمال الجانبية والعمل الحر شعبية متزايدة؛ فهي تساعد الأفراد على متابعة اهتمامات متعددة وخلق مصادر دخل متنوعة دون الالتزام بمسار تصاعدي واحد في مؤسسة واحدة، ومن ثم، تحول التركيز من العمل طويل الأمد داخل مؤسسة واحدة إلى أهداف قصيرة الأجل توفر رضىً فورياً وتتوافق مع الاهتمامات الشخصية.

اقرأ أيضاً: لماذا أصبح الجيل زد أكثر عرضة للإصابة بأزمة ربع العمر؟

3. يمتلك جيل زد منظوراً مختلفاً للقيادة 

على عكس الأجيال السابقة التي اعتبرت القيادة مكافأة، أو منصباً رئيسياً، أو سلطة داخل الشركة، أعاد جيل زد تعريف معنى القيادة؛ وبالنسبة لهم، لا تتعلق القيادة بالتسلسل الهرمي أو المسميات الوظيفية، بل بالتأثير والتعاون والقدرة على إحداث التغيير، وأحياناً يتجنب أبناء جيل زد المناصب القيادية بسبب انعدام الثقة في الهياكل التنظيمية بالشركة، خاصة لو كانت الترقية شكلية دون تفويض فعال للسلطة، ومن غير الإشراك في عملية اتخاذ القرارات.

4. إعلاء قيم الحرية والاستقلالية

ينظر جيل زد إلى المنصب القيادي على أنه مقايضة خاسرة؛ بمعنى أنه سوف ينال ترقية وأموالاً أكثر، لكنه في المقابل سوف يضحي بالكثير من ساعات يومه، وبالتالي ستتأثر حياته الشخصية ويحس بعدم الحرية والاستقلالية، وبالنسبة لجيل زد فإنه يولي أهمية كبيرة لقيم الحرية والاستقلالية والرفاهية الشخصية وضرورة الحفاظ على الصحة النفسية، ما يعني أن التضحيات المطلوبة للقيادة، مثل ساعات العمل الطويلة، والحضور الدائم، والضغط النفسي دون دعم، لا تستحق العناء.

5. يبحث أبناء جيل زد عن المدير المعلم 

يولي أبناء جيل زد أولوية كبرى للتعلم والنمو وتحقيق الشغف، وعادة ما يميلون إلى العمل في وظائف تتلاءم مع قيمهم الشخصية، لذلك حين يترقى أحدهم يرغب في العمل مع مدير يساعده على النمو والتطور، لذا عندما يجد الموظف من جيل زد نفسه يعمل تحت قيادة مدير تقليدي يعطيه الأوامر ويطلب منه تنفيذها يحس بالإحباط الشديد، لأنه يرغب في سلطة فعلية في اتخاذ القرارات، والقدرة على الابتكار والتجربة، وحتى الفشل.

كيف تدير أبناء جيل زد في شركتك وتحفزهم على قبول المناصب القيادية؟

ينبغي للقادة التركيز على الاستراتيجيات والخطوات التالية من أجل جذب جيل زد وتحفيزه لتولي مناصب إدارية عليا:

1. أعد صياغة أهداف المؤسسة ورؤيتها بوضوح

صغ أهداف المؤسسة ورؤيتها بوضوح، مبيناً أهمية عمل كل عضو في الفريق لتحقيق هذه الأهداف، وعندما يفهم الموظفون الأصغر سناً سبب مهامهم، يكونون أكثر ميلاً للشعور بالتحفيز والمشاركة، وعلى الجانب الآخر، حاول تعزيز قيمة الشفافية من أجل بناء الثقة، وخاصة أن أبناء جيل زد نشؤوا مع إمكانية الوصول الفوري إلى المعلومات، لهذا يتوقعون القدر نفسه من الصراحة من أصحاب العمل، على سبيل المثال، يمكنك تعزيز حوار ثنائي ومناقشة أداء الشركة والتحديات التي تواجهها بصراحة.

اقرأ أيضاً: معضلة جيل زد: الكثير من المال والقليل من راحة البال!

2. وفر مسارات واضحة للتقدم الوظيفي 

يقدر جيل زد الوضوح في التقدم الوظيفي، ويمكن للشركات تعزيز هذا الوضوح من خلال تحديد مقاييس أداء ومعايير نجاح واضحة، ومناقشة الرواتب بصراحة لتعزيز المساواة في الأجور، بالإضافة إلى تسليط الضوء على فرص القيادة الفعالة، ومسارات تطوير المهارات.

3. شجع الاستقلالية من أجل تعزيز التحفيز 

يزدهر أبناء جيل زيد في مناخ الاستقلالية ويفضلون منحهم مساحة من الإبداع والابتكار والتجارب الجديدة، ولهذا إذا كنت ترغب في تشجعيهم على تولي المناصب القيادية، وفر ترتيبات عمل مرنة واستقلالية في اتخاذ القرارات، وعزز الاستفادة من الأدوات الرقمية، بالإضافة إلى دعم المشاريع الذاتية والتعلم المستمر.

4. عزز الشعور بالتعاون والانتماء 

على الرغم من أن الجيل زد هو الجيل الأكثر اتصالاً بالعالم الرقمي، فإنه غالباً ما يعاني الوحدة في مكان العمل، لذلك احرص جيداً عن تعزيز التواصل وذلك عبر تنظيم أنشطة مشتركة من أجل تشجيع قيم الانتماء، ومد جسور التعاون بين جيل زد والأجيال الأقدم سناً، وتنفيذ برامج إرشادية من أجل تبادل المعرفة.

اقرأ أيضاً: رسالة إلى شباب الجيل زد: حول ضعفك إلى قوة إذا كنت تعاني الهشاشة النفسية

5. أعط الأولوية لتعزيز الصحة النفسية في مكان العمل 

يتوقع الجيل زد من أماكن العمل أن تأخذ الصحة النفسية على محمل الجد، ما يعني التركيز على رفاهية الموظفين ورفع معنوياتهم، وذلك من خلال فتح حوارات مفتوحة حول التوتر والقلق والإرهاق النفسي بصورة طبيعية، بالإضافة إلى توفير أيام للصحة النفسية ومبادرات لتعزيز صحة الموظفين، وتدريب الموظفين والقادة على ضرورة الوعي بالصحة النفسية في مكان العمل مع اتباع سياسة الباب المفتوح للتواصل بين الموظفين والقادة،وتشجيع وضع الحدود بين الحياة الشخصية والمهنية.

وفي هذا السياق، يؤكد الطبيب النفسي، إبراهيم حمدي، أن الخلط بين الحياة الشخصية والمهنية يرفع الكورتيزول، ويعطل دوائر الراحة بالمخ، ويؤدي لإرهاق ذهني مزمن، لذلك فإن الفصل بين الحياة المهنية والخاصة ليس رفاهية لكنه ضرورة للحفاظ على الصحة النفسية.

المحتوى محمي