في كل مرة أتوجه فيها بسؤال إلى الذكاء الاصطناعي، ألحظ لمسة قد يراها البعض "تملقاً". يتمثل ذلك في إبداء الإعجاب بسؤالي ووصفه بالذكي، أو بناء الإجابة وفقاً لمحادثاتي السابقة وما بات يعرفه عني، وكأنه يقرأ أفكاري. هذا "التملق" التكنولوجي، الذي يهدف إلى جعل الحياة أسهل وأكثر سلاسة، قد يبدو للوهلة الأولى روتينياً أو غير ذي أهمية. إلا أنه ليس فقط أداة تملق رقمية، بل يمكن أن يتحول إلى ما يشبه وسيطاً ومساعداً نفسياً في مكان العمل، و"صديقاً" موجوداً عند الطلب، يقدم وسيلة دعم سرية وبعيدة عن الأحكام المسبقة. فإن كنت موظفاً، إليك كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الصحة النفسية في بيئة العمل.
محتويات المقال
4 تقنيات ذكاء اصطناعي ستساعدك على تحسين صحتك النفسية في العمل
قد تبدو الصحة النفسية مجالاً بعيداً عن تدخل التكنولوجيا، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه الصورة. فمع تطور الأدوات والتطبيقات، أصبح بالإمكان الاستفادة منه لدعم حالتك النفسية وتحسين مزاجك اليومي في العمل. لذا إليك 4 تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعدك في هذا المسار:
1. تشخيص الاضطرابات النفسية
كشفت دراسة نشرتها مجلة نيتشر عام 2023 أن الذكاء الاصطناعي يمكنه كشف العلامات المبكرة للعديد من اضطرابات الصحة النفسية، مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب واضطراب الوسواس القهري واضطراب ما بعد الصدمة، وذلك من خلال دراسة الأنماط، والتفاعلات المعقدة بين جينات الفرد ودماغه وسلوكياته وتجاربه وفهمها، ما يمثل فرصة كبرى لتحسين الكشف المبكر عن الأمراض النفسية، وتخصيص خيارات العلاج.
اقرأ أيضاً: مود كابتشر: تطبيق ذكي مرتقب سيرصد المصابين بالاكتئاب من ملامحهم
2. أتمتة المهام المتكررة والمملة: هبة الوقت والتركيز
من أكثر الطرق المباشرة والفعالة التي يمكن للذكاء الاصطناعي من خلالها تحسين الصحة النفسية هي تولي المهام الروتينية والمتكررة، والتي غالباً ما ترهق الروح وتستنزف الطاقة وتؤدي إلى الإرهاق. ففي دراسة نشرتها دورية المجتمع الرقمي عام 2025، ساعدت أتمتة الذكاء الاصطناعي لبعض المهام على أداء الموظفين لهذه المهام على نحو أسرع وأفضل، مثل إدخال البيانات والجدولة واستفسارات العملاء الأساسية وإعداد التقارير، ما أتاح لهم التركيز على عمل أكثر إبداعاً يمنحهم الشعور بالإنجاز والرضا الوظيفي.
3. الدعم النفسي: مساحة آمنة للضعف
كشف استطلاع أجرته شركة فانتاج فيت، المتخصصة في تحسين الصحة والعافية في بيئات العمل، أن 47.4% من المشاركين فضلوا الاستقلالية التي يوفرها الدعم النفسي السري، وهو ما قد تقدمه بعض بوتات الدردشة للموظفين. فهي تقدم لهم مساحات سرية خالية من الأحكام، بما يساعد الموظفين على مناقشة مخاوفهم ومشاعرهم دون خوف من التعرض لأحكام من زميل أو مشرف.
في هذا السياق، توضح المختصة النفسية، سارة الغامدي، أن كبت المشاعر وتزييفها، وإجبار الذات على تزييف الانفعالات من أجل إرضاء الآخرين، يولد ضغطاً على الجهاز العصبي، ويزيد التوتر الداخلي.
وعلى الرغم من أن مثل هذه الأدوات لا تنوب عن المعالج أو الطبيب النفسي، فإنها قد تكون بمثابة صديق متاح عند الطلب، فهي تمنح دعماً عاطفياً وفورياً ومخصصاً للموظف الذي يعاني الاكتئاب أو القلق أو التوتر، من خلال محادثات هادفة مستخدمة تقنيات العلاج السلوكي المعرفي، وتمارين التأقلم، والتشجيع، دون الحاجة إلى موعد مسبق، وبمرور الوقت، يتعلم الصديق الذكي من تفاعلات المستخدمين، ويتذكر المحادثات السابقة، فيكيف ردوده لتكون أكثر تخصيصاً؛ فهو فيما يبدو يفهم شخصية المستخدم وتفضيلاته.
اقرأ أيضاً: كيف يمكن لجلسات الرقص الافتراضية أن تقلل شعورك بالعزلة؟
4. تعزيز التوازن بين العمل والحياة
هل تحمل معك مهام العمل وهمومه إلى منزلك ومساحتك الشخصية للراحة؟ هل يستحوذ العمل على معظم وقتك حتى في أوقات العطل؟ في الحقيقة، غالباً ما يضيع الخط الفاصل بين العمل والحياة الشخصية بينما تصب تركيزك وتحفيزك على تطوير حياتك المهنية. وهنا، ومن دون أن تلحظ، يبدأ التوتر والأرق بالتسلل إلى حياتك الشخصية والتأثير في صحتك النفسية والجسدية.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتك على إعادة إرساء حدود صحية لاستعادة التوازن بين العمل والحياة، من خلال الحد من رسائل البريد الإلكتروني بعد ساعات العمل، أو تذكيرك بضرورة أخذ فترات راحة، بما يضمن لك مساحة لاستعادة النشاط، ويقلل النزاعات الشخصية ويوفر الوقت الشخصي.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسن الصحة النفسية للموظفين؟
قارن الباحثون في دراسة حديثة منشورة في دورية التقارير العلمية في يونيو/حزيران 2025 بين العمال في المهن التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ونظرائهم في الأدوار الأقل اعتماداً عليه، لتقييم تأثير الذكاء الاصطناعي في الرفاهية. أظهرت النتائج عدم وجود آثار سلبية كبيرة للتعرض للذكاء الاصطناعي في الرضا عن الحياة أو الصحة النفسية أو الرضا الوظيفي في المتوسط.
كما أظهرت الدراسة تحسناً في الصحة الجسدية والرضا عن العمل، خصوصاً لدى الموظفين غير الحاصلين على مؤهل جامعي، ومن المرجح أن ذلك يعود إلى دور الذكاء الاصطناعي في تخفيف الأعباء البدنية والمهام المجهدة في بيئة العمل.
وقد لاحظ الباحثون انخفاضاً طفيفاً في عدد ساعات العمل لدى بعض الموظفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، دون أن يصحب ذلك أي خسارة في الدخل أو تهديد بالوظيفة، وهو ما يشير إلى إمكانية أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة.
وفي السياق ذاته، بدأت شركات كبرى مثل مايكروسوفت، وجوجل، وجونسون آند جونسون بدمج أدوات الذكاء الاصطناعي الداعمة للصحة النفسية في بيئة العمل وبرامج دعم الموظفين، وأفادت بتحسن ملحوظ في رضا العاملين وزيادة في الإنتاجية.
اقرأ أيضاً: كيف استخدم تشات جي بي تي في الدعم النفسي؟ ولماذا فشلت التجربة؟