عندما لا تسير الأمور كما أخطط لها، أحس بالقلق والتوتر الشديدين؛ يبدأ عقلي في نسج سيناريوهات كارثية لأني فقدت السيطرة على زمام مهامي اليومية. وعلى الرغم من أن عالم الأعمال المعاصر يتسم بدرجة كبرى من التسارع وعدم اليقين؛ فإني أجلس خلف مكتبي صباحاً، وأحاول يومياً إحكام قبضتي على كامل تفاصيل العمل، أخطط وأدقق وأرسم خطة ومساراً واضحاً، أتابع كل شاردة وواردة معتقدة أني بمجهودي المضني سوف أضمن النتائج وأمنع حدوث الفشل، حتى سألت نفسي: هل يمكن أن يكون شعوري بالقدرة على السيطرة والتحكم مجرد وهم؟ تابع قراءة المقال حتى نعرف معاً الإجابة عن هذا السؤال.
محتويات المقال
ما هو المقصود بوهم السيطرة؟
وفقاً لمنصة "فيري ويل مايند" للصحة النفسية فإن وهم السيطرة هو ميل إلى المبالغة في تقدير مدى قدرتك على التحكم في نتائج الأحداث الخارجة عن نطاق سيطرتك في الواقع، وقد صيغ هذا المصطلح على يد عالمة النفس، إيلين لانجر. بمعنى آخر، يعد هذا الوهم تحيزاً نفسياً يدفع الشخص إلى محاولة التحكم في كل المعطيات الخارجة عن سيطرته، ويعتقد من يعانون وهم السيطرة أنهم قادرون على التأثير في مواقف ونتائج هي في الواقع رهن الصدفة، وقد يدفعهم ذلك أيضاً إلى الاعتقاد بأنهم يملكون سلطة أكبر على أفكار الآخرين وسلوكياتهم.
لماذا قد نقع في فخ وهم السيطرة بالعمل؟
قد يكون الدافع للسيطرة نابعاً من الخوف من المجهول، ولكنه في الكثير من الأحيان يرتبط بحالات نفسية. وعموماً من أهم الأسباب التي تجعلك تقع في فخ هذا الوهم:
1. تدني احترام الذات
توضح منصة "سيكولوجي توداي" للصحة النفسية أن بعض الأشخاص يستمدون قيمتهم من إنتاجيتهم في العمل، لذلك تصبح السيطرة على النتائج وسيلة لحماية صورتهم أمام أنفسهم وأمام الآخرين، ويمكن القول إن الحاجة المفرطة للسيطرة، في جوهرها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشعور المرء بذاته، خاصة إذا كان يستمد شعوره بالرضا عن نفسه من تقييم الآخرين.
2. الشعور بالقلق
يعد القلق واحداً من أهم دوافع الرغبة في السيطرة؛ فحين تحس أن العالم من حولك غير متوقع ويتسم بعدم اليقين، حينها سوف تستخدم السيطرة بصفتها آلية دفاعية وأداة من أجل تقليل التوتر، ويمكن القول إن السيطرة هنا هي "وهم الأمان"؛ إذ تظن أنك حين تتحكم في كل تفصيلة لن يفاجئك الألم أو الفشل. على سبيل المثال، إذا كنت تعاني اضطراب القلق الاجتماعي، فقد تشعر بالحاجة إلى التخطيط لجميع تفاصيل التفاعلات الاجتماعية، وقد تشعرك التغييرات التي تطرأ على هذه الخطط في اللحظة الأخيرة بانزعاج شديد لأن الأمور خرجت عن سيطرتك.
3. الميل إلى الكمالية
هناك ارتباط وثيق بين النزعة الكمالية والحاجة للسيطرة؛ فالشخص المثالي يعتقد أن أي نتيجة أقل من "الكمال" هي كارثة، وبما أنه لا يثق في أن الآخرين سيؤدون العمل وفق معاييره الصارمة نفسها، فإنه يلجأ للسيطرة على كل شيء لتجنب الانتقاد أو الشعور بالتقصير. ويشرح المعالج النفسي، أسامة الجامع، أن الأشخاص الذين يسعون للكمال معرضين للقلق المرضي المسبب للاكتئاب، علاوة على ذلك، تضيع منهم فرص كثيرة في حياتهم لأنهم يجدون صعوبة في اتخاذ قراراتهم، ويريدون دوماً الوصول إلى حالة الرضا التام عن حياتهم؛ وهذا مستحيل عملياً لأن الحياة قائمة على فكرة النقصان.
4. أحداث الحياة الصادمة
يعرف الحدث الصادم عموماً بأنه أي حادثة تسبب ألماً جسدياً أو عاطفياً أو نفسياً كبيراً للشخص، وعندما تعيش مع صدمة نفسية، قد تقع في فخ التشوهات المعرفية مثل المبالغة في تقدير الأمور وميلك إلى افتراض الأسوأ في أي سيناريو، وقد تكون شديد الحذر أو تعاني فرط اليقظة، وهي التحفز والتأهب الدائم، حيث قد تقوم بمسح محيطك باستمرار تحسباً للخطر، وغالباً ما تقوم بهذا المسح عبر محاولات السيطرة على عالمك الخارجي حتى تتجنب الأذى في المستقبل.
5. الخوف من الفشل
في كثير من الأحيان تؤدي محاولات السيطرة على الأمور في العمل إلى الشعور بالأمان؛ فإذا كان كل شيء تحت سيطرتي الكاملة، يمكن تجنب الأخطاء، وبالتالي لن أفشل في أداء مهامي، وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول إن هذا الإحساس الزائف بالأمان والخوف الشديد من الفشل قد يعوقك عن محاولات الإبداع والخروج من منطقة راحتك، إذ ستفضل المكوث هناك لأنك قادر على السيطرة ولأن احتمالية الفشل محدودة للغاية.
6. التنشئة الاجتماعية
يمكن للبيئة التي نشأت فيها أن تؤثر في نظرتك للعالم. على سبيل المثال، إذا نشأت في أسرة غير مستقرة يصعب التنبؤ بسلوكيات أفرادها، فقد تلجأ إلى التحكم أو محاولات السيطرة بصفتها آلية دفاع نفسية، لذلك قد تحس دوماً بحاجة ماسة إلى السيطرة على كل شيء من حولك، وفي هذه الحالة يعد هذا النوع من السيطرة سلوكاً وقائياً؛ أي وسيلة للتكيف مع مشاعر القلق والضعف والعجز وخيبة الأمل أو لتجنبها.
اقرأ أيضاً: هل تسعى إلى التميز أم تعاني الكمالية؟ تعرف إلى الاختلاف بينهما
ماذا تفعل للتعامل مع وهم السيطرة في العمل؟
على الرغم من أن وهم السيطرة يمكن أن يحفزك على اتخاذ خطوات عملية ويحسن شعورك تجاه نفسك، فإنه ينطوي أيضاً على مساوئ؛ لأن الأمور حين تخرج عن سيطرتك سوف تحس بالندم وتلوم ذاتك بشدة وقد يتملكك الشعور بالعجز أو تنخرط في محاولات التكيف غير الصحية مثل التدخين. وحتى تتعامل مع وهم السيطرة في العمل، تقدم منصة "فيري ويل مايند" عدة استراتيجيات، منها على سبيل المثال:
1. جرب استخدام منظور مختلف
بدلاً من الاعتماد على تفكيرك فقط أو رؤيتك الخاصة للأمور، فكر في المعلومات من العالم الخارجي التي قد تؤثر في النتيجة. على سبيل المثال، قسم أفعالك ومهامك في العمل إلى مدخلات ومخرجات، المدخلات هي أداؤك وخطتك ومجهوداتك في العمل والمهارات التي تستخدمها من أجل تأدية مهامك، يمكنك تركيز كل طاقتك على هذا الجانب، وفيما يخص المخرجات فإنها خارجة تماماً عن سيطرتك ولا يمكن بأي حال من الأحوال التحكم فيها، إذا فكرت بهذه الطريقة سوف ترى دورك بطريقة أكثر واقعية.
2. حدد مخاوفك
غالباً ما ترتبط رغبتك في السيطرة بما تخشى حدوثه، لهذا فإن تحديد مخاوفك يعد خطوة مهمة للغاية من أجل التغلب على تلك المخاوف. على سبيل المثال، اسأل نفسك: ماذا سيحدث إن لم تكن أنت المتحكم؟ هل تتوقع الأسوأ دائماً؟ ما مدى احتمالية حدوث الأسوأ؟ ماذا يمكن أن يحدث لك إن خرجت الأمور عن سيطرتك؟ كيف ستشعر؟
3. اعمل على التخلي عن فكرة الكمال
تنصح المختصة النفسية، كارلا ماري مانلي، بضرورة التخلي عن فكرة الكمالية لأنها غالباً ما تكون الدافع نحو فكرة الرغبة في السيطرة، لذلك تعلم جيداً فن التمييز بين "العمل الجيد بما يكفي" و"الكمال المستحيل"؛ لأن فكرة الكمالية سوف تستنزف طاقتك وصحتك النفسية والجسدية، كما يمكن أن تؤثر سلباً في علاقاتك، لذلك كن لطيفاً مع نفسك وتأكد أن إنهاء المهام على نحو جيد قد يكون أمراً رائعاً.
4. احرص على التحلي بالمرونة النفسية
المرونة النفسية هي القدرة على الصمود أمام تقلبات الحياة وتجاوز المحن، ومن ثم بناء قدرتك على التحرك نحو تحقيق أهدافك، وحين تكون مرناً نفسياً لن تركز على محاولة منع حدوث الأزمات لأن هذا أمر مستحيل، لكن عوضاً عن ذلك سوف تركز على تجاوزها والتعلم منها. بقول آخر، المرونة تعني أنك تثق في قدرتك على التعامل مع "ما سيحدث"، بدلاً من الهوس بفكرة "منع حدوثه".
5. مارس اليقظة الذهنية
اليقظة الذهنية تعني التركيز على اللحظة الحالية؛ على مكانك وعلى مشاعرك، وحين تركز على محيطك جيداً سوف تشتت انتباهك عن الأمور التي لا يمكنك التحكم بها في تلك اللحظة، بالإضافة إلى ذلك، تساعد اليقظة الذهنية في مراقبة أفكارك؛ لذلك حينما تبدأ في الشعور بالقلق نتيجة فقدان السيطرة، وتحس برغبة ملحة في التدخل بالنتائج، توقف قليلاً؛ التقط أنفاسك، واسأل نفسك: "هل تدخلي سيغير النتيجة حقاً، أم إنه فقط لتهدئة قلقي الداخلي؟".
6. دون أفكارك
يعد تدوين الأفكار وسيلة فعالة للتعبير عن مشاعرك ومعالجتها، فهو يساعدك على التعايش مع الأمور التي لا تستطيع السيطرة عليها من خلال إدراك الأسباب الكامنة وراء هذه الرغبة في السيطرة. علاوة على ذلك، فإن التدوين يعزز قدرتك على تحديد التشوهات المعرفية التي تعانيها بكثرة، والتي تفاقم قلقك بشأن ما يمكنك وما لا يمكنك السيطرة عليه في الحياة، لذلك خصص وقتاً يومياً من أجل تدوين أفكارك، وإذا لم تكن تعرف كيف تبدأ يمكنك على سبيل المثال أن تبدأ بالإجابة عن سؤال "ما هو شعوري الآن؟".
7. أعد صياغة مفهوم الفشل
إذا كنت تحاول دوماً السيطرة على زمام الأمور خوفاً من الفشل، فما رأيك لو فكرت جدياً في إعادة صياغة مفهوم الفشل؛ جرب أن تتعامل معه بصفته "بيانات" تتعلم منها وتتقدم نحو الأمام، وذلك عوضاً عن فكرة التعامل معه بصفته حكماً شخصياً على كفاءتك وأدائك في العمل.
اقرأ أيضاً: حارب خوفك من الفشل بهذه الاستراتيجيات الخمس