كيف تمنع نمط تعلقك من عرقلة حياتك المهنية؟

6 دقيقة
نمط التعلق
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

يعمل نمط تعلقك بوصفه بوصلة خفية توجه سلوكك في العمل؛ من طريقة تعاملك مع الضغط، إلى تواصلك مع المدير والزملاء. لذا، فإن فهم هذا النمط يمنحك فرصة حقيقية لتحسين أدائك وعلاقاتك المهنية، وحتى تنجح في ذلك إليك أهم الخطوات العملية:

  • تعرف إلى نمط تعلقك: هل هو: آمن، أم قلق، أم تج…

هل تساءلت يوماً، لماذا يتعامل بعض الأشخاص مع النقد بهدوء وثقة، بينما ينهار آخرون أمام ملاحظة عابرة من مدير الفريق؟ لماذا يختفي زميلك تماماً عندما يشتد ضغط العمل الجماعي؟ بينما يبرز زميل آخر؟ الإجابة هنا لا تكمن في المهارات المهنية، أو الخبرات التراكمية، بل في شيء أعمق تشكل مبكراً للغاية داخل كل فرد فينا، وهو نمط التعلق، والذي لا يؤثر فقط في علاقاتك بالآخرين، بل يتسلل بهدوء في تفاصيل يومك المهني؛ كيف تستقبل الملاحظات، كيف تتعامل مع فريقك؟ وطريقة تصرفك عند حدوث خلاف مع أحد الزملاء. وفي هذا المقال، سوف نستكشف معاً كيف يؤثر نمط تعلقك في أدائك المهني؟ وكيف يمكنك إدارة هذا التأثير بوعي وفعالية.

ما هو المقصود بنمط التعلق؟

وفقاً لما ذكرته المعالجة النفسية، جين سيغال، فإن نظرية التعلق وضعها الطبيب النفسي البريطاني، جون بولبي، وعالمة النفس الأميركية ماري أينسورث في منتصف القرن العشرين، وهي ترتكز بالأساس على وصف جودة العلاقة التي نشأت خلال مرحلة الطفولة المبكرة مع الوالدين، وهذه العلاقة غالباً ما تحدد مدى جودة علاقاتك مع الآخرين واستجابتك طوال حياتك؛ فإذا كان تواصلك مع والديك في فترة الطفولة قد جعلك تشعر بالأمان والتفهم، فمن المؤكد أنك طورت نمط تعلق آمناً، أما إذا عانيت من تواصل عاطفي مربك، أو مخيف، أو غير متسق خلال طفولتك، وإذا لم يتمكن والداك من تهدئتك أو الاستجابة لاحتياجاتك، فمن المرجح أنك مررت بتجربة تعلق غير آمنة.

وتوضح المختصة النفسية، كيندرا تشيري، أن أنماط التعلق تنقسم إلى 4 أنواع رئيسية وهي:

  1. التعلق الآمن: الثقة بالنفس وبالآخرين.
  2. التعلق القلق: الرغبة العارمة في القبول والخوف من الرفض.
  3. التعلق التجنبي: المبالغة في الاستقلالية وتجنب التواصل مع الآخرين أو الاعتماد عليهم.
  4. التعلق المضطرب/الخائف: مزيج من الرغبة في القرب والخوف منه في آن واحد.

اقرأ أيضاً: 5 إرشادات فعالة للتغلب على التعلق القلق

كيف تظهر أنماط التعلق في بيئة العمل؟

تشير دراسة بحثية حديثة نشرتها دورية الحدود في علم النفس إلى أن نمط تعلقك يمكن أن يؤثر في طريقة أدائك وتفاعلك في بيئة العمل، حيث يعمل نمط التعلق في بعض الأحيان بصفته نظام تشغيل خفياً، وعادة ما يتجسد في بيئة العمل على النحو التالي: 

1. نمط التعلق الآمن

يمثل الموظف ذو التعلق الآمن العمود الفقري لأي فريق ناجح؛ فهو يتمتع بثقة كبرى في قدراته وفي زملائه من فريق العمل، ما يجعله قادراً على طلب المساعدة بوضوح دون شعور بالدونية، وتقبل النقد البناء باعتباره فرصة حقيقية للتطور لا تهديداً لشخصه، وهذا النمط لا يخشى قول "لا" عند الضرورة لحماية توازنه النفسي، كما أنه لا يحتاج لرقابة من المدير حتى يبدع، بل يعمل بكفاءة سواء كان منفرداً أم ضمن فريق، محولاً ضغوط العمل إلى تحديات محفزة بفضل قدرته العالية على تنظيم مشاعره وفهم حدود المسؤولية المهنية بوعي ناضج.

2. نمط التعلق القلق

يتجسد نمط التعلق القلق في بيئة العمل في الشخص الذي يبذل جهداً مضاعفاً ليس فقط لإنجاز المهام، بل لانتزاع القبول والشعور بالأمان؛ فهو بمثابة رادار بشري يتحسس أي تغير طفيف في نبرة صوت المدير أو تأخر في الرد على بريد إلكتروني، معتبراً الصمت إشارة لرفض وشيك أو فشل ذريع، وهذا الموظف غالباً ما يقع في فخ إرضاء الآخرين على حساب راحته الشخصية، ويجد صعوبة بالغة في وضع حدود مهنية واضحة، حيث يدفعه خوفه العميق من الرفض إلى تحمل أعباء تفوق طاقته، باحثاً في كل كلمة ثناء عن جرعة أمان مؤقتة تسكت شكوكه الداخلية تجاه كفاءته، وغالباً ما يعوق هذا النمط عملية التطور المهني.

3. نمط التعلق التجنبي 

يقدس هذا النمط استقلاليته ويرى في التعاون مع باقي الفريق عبئاً أو تهديداً لحريته؛ فهو يميل لإبقاء مسافة نفسية ومهنية بينه وبين زملائه، ويفضل دائماً الاعتماد على نفسه لتجنب خيبة الأمل المحتملة من الآخرين، وفي بيئة العمل، قد يفسر صمته أو ميله للعمل الفردي على أنه نوع من عدم الانتماء أو عدم الولاء، لكنه في الحقيقة يستخدم الانسحاب باعتباره درع حماية ضد التوقعات المرتفعة، ما يجعله يواجه صعوبة في بناء علاقات مهنية عميقة أو تقبل التوجيهات المباشرة التي يشعر بأنها تقتحم مساحته الخاصة وتحد من سيطرته.

4. نمط التعلق المضطرب أو غير المنتظم 

 يعيش الموظف ذو التعلق المضطرب صراعاً داخلياً قوياً يظهر في أدائه المهني المتذبذب وردود فعله غير المتوقعة؛ فهو يرغب بشدة في الاندماج والنجاح، لكنه في الوقت ذاته يخشى الاقتراب من الزملاء أو الثقة في القادة، ما يجعله في حالة تأهب دائم وتحفز مستمر لأي غدر مهني متخيل، إذ تراه يبدأ المشاريع بحماس منقطع النظير ثم ينسحب فجأة أو يتعطل أداؤه نتيجة ضغط نفسي خانق، بالإضافة إلى ذلك، فإنه يرى في كل ملاحظة هجوماً شخصياً، وفي كل نجاح عبئاً جديداً، ما يخلق حوله هالة من التوتر تجعل التعامل معه مربكاً للفريق.

وتضيف الدراسة البحثية السابق ذكرها أن الموظفين أصحاب الارتباط غير الآمن مثل القلق أو التجنبي يستهلكون طاقة ذهنية وعاطفية هائلة من أجل إدارة مخاوفهم أو تجنب نقاش جاد في العمل، هذا الاستنزاف المستمر للبطارية النفسية يجعلهم أقل قدرة على التركيز في المهام الصعبة، وأكثر عرضة للإرهاق المهني، ما يؤثر بنهاية المطاف في إنتاجيتهم وتطورهم الوظيفي.

وأضافت الدراسة أن بيئة العمل يمكن أن تحفز أنماط التعلق لدى الموظفين؛ على سبيل المثال، وجود مدير داعم وآمن يمكن أن يهدئ من روع الموظف القلق، بينما المدير المسيطر قد يفجر أسوأ سمات الموظف التجنبي، علاوة على ذلك، فإن بيئة العمل التي ترتكز على المنافسة الشرسة بين الموظفين تستنزف الطاقة النفسية للموظفين أصحاب أنماط التعلق غير الآمنة.

اقرأ أيضاً: هل تعاني سلوكات تدمر ذاتك؟ إليك الأسباب والعلاج 

4 إرشادات فعالة تساعدك على إدارة نمط تعلقك غير الآمن في مكان العمل

ليس من الضروري أن تتخلص تماماً من جذور نمط تعلقك المبكر لكي تنجح، بل يكفيك أن تصبح أكثر وعياً بكيفية تأثيره في مسارك الوظيفي؛ هذا الوعي سيساعدك على مراجعة ردود فعلك، ويحميك من الانزلاق وراء نمط تعلقك الذي يسيطر على سلوكك. ولتخطو خطواتك الأولى في رحلة الوعي هذه، استعن بالإرشادات الآتية:

1. كن واعياً بنمط تعلقك 

يعد وعيك الذاتي بنمط تعلقك هو صمام الأمان من أجل الحفاظ على طاقتك النفسية في مكان العمل؛ فإدراكك للكيفية التي يدير بها عقلك الباطن مخاوفك المهنية هو ما يمنحك لوحة التحكم في ردود فعلك، وبدلاً من استهلاك طاقتك الذهنية في تحليل نبرة صوت المدير، أو بناء أسوار دفاعية مجهدة حول زملائك في العمل بدافع الخوف من الاعتمادية، يتيح لك هذا الوعي فلترة المواقف بموضوعية وفصل أصداء الماضي عن تحديات الحاضر، ما يحول طاقتك من القلق الدفاعي أو العزلة المرهقة إلى تركيز على الإنتاجية في العمل.

2. مارس اليقظة الذهنية 

تعتقد المختصة النفسية، أندريا لين، أن سلوكيات أنماط التعلق غير الآمن غالباً ما تظهر بطريقة لا واعية، لهذا حاول قدر الإمكان ممارسة اليقظة الذهنية، بمعنى التركيز على اللحظة الحالية دون انشغال بالماضي أو تفكير في المستقبل، وذلك من خلال رصد المحفزات قبل أن تتحول إلى أزمات مهنية. على سبيل المثال، عندما تشعر برغبة عارمة في ملاحقة مديرك لسؤاله عن رأيه في عملك، أو عندما تتجاهل زميلاً يطلب التعاون، توقف ثواني واعمل على تسمية ما يحدث، سواء كان قلقاً أم تجنباً، ومجرد الاعتراف بالشعور وتسميته سوف يساعد على تهدئة الجهاز العصبي

3. حاول أن تتواصل بوضوح 

تؤكد المختصة النفسية، مارني فويرمان، أن التواصل الفعال هو أساس العلاقات الصحية، على سبيل المثال، إذا كنت تحس بالضغط من استفسارات مديرك المستمرة حول سير المشروع، وأنت موظف نمط تجنبي، تعلم كيف تعبر عن احتياجك بوضوح مهني، كأن تقول: "أنا أقدر حرصك على المتابعة، ولكي أتمكن من تسليم العمل بالجودة المطلوبة، أحتاج إلى مساحة من الوقت دون محاولات تدخل". هذا النوع من التواصل يضع حدوداً صحية تحمي خصوصيتك وتلبي حاجتك للأمان في آن واحد، كما أنه يرسل إشارة لزملائك بأنك شخص ناضج عاطفياً ومدرك تماماً لمتطلبات نجاحك المهني.

4. تعلم تقنيات التنظيم العاطفي 

يعد إتقان تنظيم مشاعرك الأداة العملية لحماية طاقتك من الاستنزاف؛ لهذا ابدأ بتسمية شعورك بوضوح لتهدئة عقلك فوراً، ثم تدرب على إعادة تقييم المواقف. على سبيل المثال، لا تنظر إلى صمت المدير على أنه تهديد شخصي، ولكنه موقف محايد. الأهم هو أن تمنح نفسك وقفة قصيرة قبل أي رد فعل لتضمن توجيه طاقتك نحو قرارات مهنية رصينة بدلاً من الانفعالات العفوية. وبهذا الأسلوب، ستتحول من رد الفعل المرتبط بنمط تعلقك القديم إلى الأداء المتوازن والمرن، ما يحافظ على إنتاجيتك وعلاقاتك في أصعب الظروف دون إرهاق عصبي.

بصفتك مديراً، كيف تصنع بيئة عمل آمنة وداعمة تسع الجميع؟

يوضح استشاري الطب النفسي، عبد الإله الحديثي، أن العمل يمثل أكثر من مجرد وسيلة لكسب العيش؛ إنه ركيزة أساسية للصحة النفسية، فهو يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والانتماء، ويعزز ثقته بنفسه من خلال الإنجاز والإنتاجية، ويضيف الحديثي أن بيئة العمل الإيجابية تبني جسور الدعم، وتخفف التوتر والعزلة، وبصفتك مديراً، يمكن أن تخلق بيئة عمل إيجابية وداعمة من خلال تطبيق هذه النصائح:

1. اصنع بيئة عمل أكثر شمولاً

وفقاً لما أكدته الدراسة البحثية التي نشرتها دورية الحدود في علم النفس، فإن أولى خطوات بناء الأمان هي خلق بيئة قابلة أكثر شمولاً عبر مبادرات تكرس الأمان الوظيفي، وتدعم العلاقات الإيجابية منذ البداية؛ فمن خلال أنشطة بناء الفريق وبرامج التوجيه المنظمة خلال فترة التهيئة، يمكن للموظفين الجدد بناء جسور ثقة متينة مع القادة والزملاء، كما أن الاستثمار في تدريبات التواصل والوعي الذاتي يعزز قدرة القادة على استيعاب الاحتياجات النفسية المتنوعة لفريق العمل، ما يخلق بيئة عمل أكثر شمولاً ودعماً.

علاوة على ذلك، يمكن أن تركز الشركة على تقديم ورش عمل تخص الذكاء العاطفي وإدارة العلاقات، ومن ثم يكتسب الموظفون أدوات عملية لتجاوز تحديات التواصل، ما يرفع تماسك الفريق ويقلل فرص النزاع داخل المؤسسة. 

2. رسخ ثقافة الأمان النفسي في العمل 

حسبما ذكره المختص النفسي، ريان وارنر، فإن بيئة العمل الآمنة هي البيئة التي يسمح فيها بالخطأ والتجربة دون خوف من العقاب أو التهميش، وعندما يرسخ القائد ثقافة الأمان النفسي، فإنه يساعد الموظف صاحب التعلق المضطرب على التخلي عن حذره المفرط وتوقعه الدائم للغدر المهني، إذ يدرك تدريجياً أن طلب المساعدة هو علامة قوة وليس ثغرة للفشل، وهذه المظلة القيادية تشجع الجميع على التواصل بشفافية، ما يحول بيئة العمل من ساحة للصراع على البقاء إلى منصة للإبداع الجماعي والنمو المستدام.

3. غير منظور تقييم الأداء 

يمكن أن يكون تقييم الأداء مرهقاً لبعض الموظفين؛ لذلك، يمكنك جعل تقييمات الأداء أقل إرهاقاً من خلال وضع إجراء تقييمات دورية، والتأكد من تقديم الثناء عند استحقاقه خاصة للموظف ذي نمط التعلق القلق، كما يمكنك تعلم أساليب لإعادة صياغة الملاحظات السلبية بطريقة تسهم في تطوير الموظفين.

اقرأ أيضاً: الأمان النفسي سر إبداعك في وظيفتك

المحتوى محمي