مبدئياً، أود مصارحتك عزيزي القارئ أن هذا المقال من النوعية المفضلة بالنسبة لي، فقد أخبرت أحد أصدقائي منذ قرابة شهرين بأن من أكثر الجوانب التي تشغل ذهني على مدار الوقت تلك العلاقة المتشابكة بين السلوك والدماغ، أي أنني أحاول عندما أرى سلوكاً معيناً أو اضطراباً نفسياً استكشاف ما يحدث في دماغ الشخص من تفاعلات، الأمر ببساطة بالنسبة لي أشبه بمعادلات مثيرة للاهتمام ونتائجها مدهشة في الوقت نفسه!
محتويات المقال
وبما أن معظمنا يستخدم منصات التواصل الاجتماعي وقتاً ليس بالقليل يومياً، فغالباً هي تُحدث تغييرات داخل أدمغتنا أبسطها هو استخدامها باباً للهروب من الضغوط الحياتية، إذ يشير المعالج النفسي أسامة الجامع إلى أن الطرح السطحي الممتع ينتشر على منصات التواصل أكثر من الطرح العميق المفيد، لأن أغلب علاقاتنا مع تلك المنصات تنطلق من رغبتنا في الترفيه والهروب من الضغوط، لذا يكون الطرح السطحي هو الأقرب للقبول، فلن يستطيع دماغنا الصبر على استيعاب مفاهيم عميقة بعد عناء يوم طويل.
وحتى نفهم تفاصيل التأثير الذي يطرأ على أدمغتنا نتيجة تصفحنا منصات التواصل الاجتماعي نستعرض في هذا المقال دراسة علمية حديثة بحثت وراءه وتوصلت إلى نتائج مفاجئة.
دراسة حديثة: وسائل التواصل الاجتماعي قد تعزز الأوهام داخل الأدمغة!
توصلت دراسة علمية منشورة في دورية بي إم سي العلمية للطب النفسي (BMC Psychiatry) في فبراير/شباط 2025 إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من جانب الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية متعلقة بالوهم، أو لديهم استعداد للإصابة بها، يزيد أعراضها أو يحفزها، وتشمل تلك الاضطرابات: النرجسية، وتشوه الجسم، وفقدان الشهية العصبي، وجنون العظمة والذهان. وقد أكدت الدراسة أن تقليل استخدامهم تلك الوسائل يمكن أن يسهم في تخفيف الأعراض أو منع تحفيزها.
وحتى نفك العلاقة المعقدة السابقة، فالأمر يتعلق تحديداً بأن وسائل التواصل الاجتماعي يمكنها أن تؤدي دوراً في تضخيم الأوهام المرتبطة بإدراك الواقع والشعور بالذات، ويزداد هذا التأثير سوءاً للأسف مع وضعها مستخدميها في عزلة عن الواقع تجعلهم منهمكين في التفاعلات الاجتماعية الافتراضية ما ينمي داخلهم هوية وهمية، ومن ثم يصبح حينها من السهل أن تزداد أعراض اضطرابهم، أو توجد بيئة خصبة لنموها في حال لم تكن ظاهرة.
اقرأ أيضاً: ما هو دماغ تيك توك؟ وكيف تحمي نفسيتك من تأثيره؟
كيف يمكن أن تعبث منصات التواصل الاجتماعي بدماغك؟
هل فكرت من قبل كيف تغير سلوكياتنا أدمغتنا؟ سأخبرك؛ يحتوي الدماغ على مليارات الخلايا العصبية التي تتواصل فيما بينها عبر إشارات كهربائية وكيميائية، ما يسمح له بمعالجة المعلومات واتخاذ القرارات. على سبيل المثال، عندما ترتفع درجة حرارة جسمك، يستقبل الدماغ الإشارات العصبية التي تنقل هذا التغير، فيحللها ويصدر استجابة تتمثل في اتخاذك قرار بخلع الجاكيت أو تشغيل مكيف الهواء.
تشكل العملية السابقة مساراً عصبياً في دماغنا تزداد قوته وكفاءته بمرور الوقت، ما يعني أن دماغنا مثله مثل العضلات التي كلما عملنا على تمرينها ازدادت قوتها والعكس صحيح، وهنا ننتقل إلى الجزء الأخطر وهو التغييرات التي يحدثها استخدام منصات التواصل الاجتماعي في أدمغتنا، وتشمل:
- انخفاض القدرة على التركيز: غالباً ما تشتت تطبيقات التواصل الاجتماعي انتباهنا عن استكمال مهامنا، فبمجرد ظهور إشعار على هاتفنا نتوقف عما نفعله ونتحقق من الإشعار ثم نعود لاستئناف مهمتنا، وبتكرار هذه العملية يزداد نشاط الفص الجبهي الأيمن من الدماغ المعني بوظيفة الانتباه، وفي الوقت نفسه تزداد صعوبة تركيزنا على مهمة واحدة ونصبح أكثر قابلية للتشتت بسهولة، وتقل المدة التي يمكننا أن نعمل فيها على إنجاز مهامنا دون توقف.
- تراجع أداء ذاكرتنا: هل تذكر آخر مرة بحثت فيها عن معلومة معينة؟ بنسبة كبيرة لن تكون فتحت كتاباً أو حاولت حتى تذكر تلك المعلومة، إنما اتجهت فوراً لأحد مواقع التواصل الاجتماعي أو موقع جوجل وبكبسة زر توصلت إلى المعلومة فوراً، لكن هذه الممارسة للأسف تجعلنا أكثر عرضة لنسيان محتوى المعلومة بالتفصيل إنما نتذكر فقط المصدر الذي وجدناها فيها، وبمرور الوقت يتراجع أداء ذاكرتنا ونجد أنفسنا ننسى أشياء كنا قادرين على تذكرها بسهولة في الماضي.
- تغير أنماط التفاعلات الاجتماعية: عندما تتنامى شبكة أصدقائنا على منصات التواصل الاجتماعي فإن ما ينشط بالترافق مع ذلك مناطق الدماغ المعنية بالذاكرة والتعرف إلى الوجوه، بينما إذا بنينا علاقات اجتماعية على أرض الواقع فإن المناطق التي تنشط تلك المرتبطة بالألفة والترابط العاطفي والذكاء الاجتماعي، ما يعني أن علاقاتنا إذا اقتصرت على الواقع الافتراضي فإننا سنواجه مشكلة إذا ما أردنا تنمية علاقات حقيقية.
- اضطراب نظام المكافأة: تشبه أنظمة منصات التواصل الاجتماعي المقامرة أو تعاطي المخدرات، فهي تعدنا دائماً بالمزيد وتحفز إفراز هرمون الدوبامين المسؤول عن شعورنا بالرضا والتحفيز، وهذا قد يوقعنا في فخ الإفراط القهري في استخدامها؛ فكل إعجاب أو تعليق نحصده أو مقطع فيديو جذاب نراه يجعلنا نشتاق للمزيد من الدوبامين.
اقرأ أيضاً: نصائح لتقليص الوقت الذي تقضيه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي
5 إرشادات لتستخدم منصات التواصل الاجتماعي دون أن تؤذي دماغك
بكل أمانة، عدد الأشخاص الذين لا يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي في محيطي لا يتجاوز الخمسة، لذا فالمسار العملي هو أن نتعرف إلى إرشادات فعالة تجعلنا نستخدم تلك المنصات دون أن تضر أدمغتنا، مثل:
- حدد الوقت الذي تقضيه على تطبيقات التواصل الاجتماعي واحرص على ألا يكون طويلاً إلى حد أن يُضيع عليك فرصة ممارسة الأنشطة الحياتية الأخرى الممتعة، وتذكر أن هناك عالماً آخر ينتظرك خارج الحدود الضيقة للشاشة.
- لا تنسق وراء المحتوى الاستفزازي الذي يتعمد إغضابك، وكن واعياً بمحفزات تفاعلاتك السلبية، واعمل على تحجيمها للحفاظ على استقرارك النفسي.
- حدد الهدف الذي تريد تحقيقه من وراء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى لا تجد نفسك تتوه دون فائدة في كل مرة تستخدمها فيها، حتى لو أردت الترفيه عن نفسك فاجعل هذا الهدف واضحاً أمام عينيك.
- حاول التفاعل على نحو إيجابي مع الأشخاص على منصات التواصل الاجتماعي، فتعليق داعم أو مفيد سيجعلك تشعر بتأثيرك في محيطك.
- استكشف اختيارات أكثر فائدة وقيمة من تصفح المحتوى السطحي الذي ينتشر في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الاستماع إلى حلقة بودكاست في موضوع يثير اهتمامك، أو قراءة مقالة مفيدة على أحد المواقع، أو حتى لعب إحدى الألعاب لتنمية مهاراتك الذهنية.
اقرأ أيضاً: كيف يتعمد بعض المؤثرين إثارة غضبك؟ حيل تكشف أساليبهم!