ما الذي قد يجعل نومك ثقيلاً؟ وكيف تعالج هذه المشكلة؟

6 دقيقة
النوم الثقيل
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

ما زلت أذكر ذلك اليوم حينما واجهت أنا وبنات عمي مسألة عاجلة تطلّبت إيقاظ والدهم المتعب. بدأنا أولاً بنقرات خفيفة على كتفه، ثم مناداة اسمه، ثم رفعنا أصواتنا، وحركّنا ذراعه، وصفّقنا بالقرب من وجهه. لا شيء. ظل الرجل ساكناً وكأنما مكروهاً أصابه.

حينها خطرت في بال ابنته فكرة شريرة، فخرجت مسرعة وعادت تجر خلفها مكنسة كهربائية تهدر هديراً صاخباً، ولكن شيئاً لم يحدث. فقرّبتها منه ووضَعتها بجوار أذنه، حتى سحبت خصلات شعره. لكن لا فائدة.

استسلمنا وجلسنا هناك منتظرين. وبعد ساعة أو أكثر، استيقظ أخيراً، تمدد ونظر إلينا بوجه متجهّم قائلاً "لماذا لم توقظوني؟". ولك أن تتخيل ما أحسسنا به! نعم، النوم الثقيل ليس أمراً نادراً، لكن متى يكون حالة طبيعية؟ ومتى يصبح عَرضاً على أمر خطير؟ وما أفضل طريقة للتعامل معه عدا المكنسة الكهربائية؟ لنرَ.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يستطيع بعض الأشخاص النوم إلّا في الضوضاء؟

ماذا يعني النوم الثقيل؟

يشير النوم الثقيل إلى حالة من النوم لا يستيقظ فيها الشخص بسهولة حتى عند وجود اضطرابات في البيئة المحيطة، مثل الضوضاء أو الضوء أو الحركة. أي يتمتع الشخص بعتبة إثارة أعلى للاستيقاظ، ما يعني أن دماغه يتطلب محفزات أقوى (مثل المنبه الصاخب) للاستيقاظ، مقارنة بالأشخاص الذين ينامون بخفة؛ الذين يستيقظون بسهولة أكبر عند وجود اضطرابات بسيطة في البيئة المحيطة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن شخص ما يتمتع بنوم ثقيل 100% أو بنوم خفيف 100%؛ إذ ثمة 4 مراحل من النوم يمر بها الإنسان عادة عدة مرات في الليلة الواحدة (نحو 4-6 مرات)؛ يتناوب فيها الجسم بين نوم خفيف وعميق. لذا، وحتى بالنسبة للشخص الذين يتمتع بنوم ثقيل، فإن إيقاظه يكون أسهل في حال تم في مرحلة النوم الأخف، ويزداد صعوبة في حال حصل في مرحلة النوم العميق.

لماذا يكون نوم البعض ثقيلاً؟

في الواقع، لم يحدد العلماء سبباً واضحاً لهذه الحالة؛ لكنها قد ترتبط بمجموعة من العوامل، مثل:

عوامل وراثية

وفقاً للطبيب النفسي والمختص في طب النوم، تشيستر وو (Chester Wu)، فإن العوامل الوراثية تؤدي دوراً مهماً في ذلك على الرغم من أنها ليست العامل الوحيد. فقد تحدد الجينات مقدار مغازل النوم (Sleep Spindles) التي يمكن للدماغ توليدها في أثناء مراحل معينة من النوم؛ وهي نمط من الموجات الدماغية يختلف ترددها من شخص إلى آخر، وتؤدي أدواراً عديدة بالنسبة للدماغ، وإحداها أنها تقلل استجابة الجسم للمحفزات الخارجية في أثناء النوم.

وقد تبين أن مغازل النوم، أو بعض سماتها، قابلة للتوريث بدرجة كبيرة بين الأفراد، وترتبط كثافتها بقدرة أكبر على مواجهة الاضطرابات الخارجية في أثناء النوم.

إضافة إلى ذلك، ترتبط الاختلافات الوراثية في الجين المسؤول عن إنزيم أدينوزين دياميناز (يساعد على تنظيم النوم عن طريق تكسير الأدينوزين؛ وهو جزيء رئيسي في الدماغ يؤثّر في اليقظة والنوم) أيضاً بدرجة عمق النوم.

عموماً، تحدد العوامل الوراثية، وفقاً للطبيب وو، مقدار حساسية الشخص للضوء والضوضاء والألم والقلق وحتى الكافيين في أثناء نومه. وبعيداً عن العوامل الوراثية، قد يخفّ النوم مع التقدم في العمر، نتيجة قلة إنتاج مغازل النوم أو بسبب حالات طبية مثل الألم أو الأمراض.

اقرأ أيضاً: متلازمة النوم القصير: ما الذي يجعل البعض يكتفي بعدد ساعات نوم أقل؟

نقص النوم أو سوء نوعيته

من المفارقات أن النوم الثقيل قد ينتج عن النوم غير الكافي أو قلة النوم لفترات طويلة أو مزمنة؛ فعندما لا يحصل الجسم على قسط كافٍ من النوم بمرور الوقت، يحاول التعويض عن طريق زيادة ثقل النوم. إضافة إلى أن النوم المتقطع أو الأرق قد يسهمان في النوم الثقيل، إذ حتى لو أمضى الشخص ساعات كافية في السرير، فإن الاستيقاظ المتكرر أو دورات النوم المتقطعة يمكن أن تؤدي إلى زيادة عمق النوم بغية استعادة الراحة المفقودة.

من ثُمّ، يمكن أن نفهم كيف يمكن لجداول العمل غير المنتظمة و نظام العمل بالورديات أن تعطِّل الإيقاعات اليومية وتزيد ثقل النوم. وكذلك الأمر بالنسبة لظروف الحياة التي تسبب قلة النوم، مثل رعاية الأطفال الصغار أو الدراسة أو العمل أو السفر أو غيرها.

حالات صحية

يمكن أن تسهم بعض الحالات الصحية في النوم الثقيل، مثل:

  • اضطرابات النوم: يوضح المختص في طب النوم، مشني السعيد، بعض العلامات التي تشير إلى الإصابة باضطرابات النوم؛ مثل: صعوبة في النوم، أو الاستيقاظ المتكرر، أو النعاس المفرط في أثناء النهار، أو الصداع الصباحي وجفاف الفم، أو الشعور بالإرهاق والتعب على الرغم من الحصول على عدد ساعات كاف من النوم.

ومن هذه الاضطرابات: انقطاع النفس في أثناء النوم، أو فرط النوم (حالة تسبب الشعور بالنعاس الشديد خلال النهار وصعوبة الاستيقاظ حتى عند نيل قسط كاف من النوم)، أو النوم القهري (هي ذاتها التغفيق وهي حالة عصبية نادرة تعوق قدرة الدماغ على تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ).

  • اضطرابات الصحة النفسية والمزاج: يعاني المصابون بالاكتئاب في كثير من الأحيان الأرق أو فرط النوم، حيث يسهم الأخير في النوم الثقيل.
  • أمراض عصبية تنكسية: مثل مرض باركنسون وآلزهايمر.
  • اضطرابات النمو العصبية: قد يؤثر كلاً من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه واضطراب طيف التوحد في أنماط النوم، ما يؤدي إلى النوم الثقيل في بعض الأحيان
  • حالات أُخرى: يقول الطبيب تشيستر وو إن بعض الحالات الطبية الأخرى قد تسبب قلة النوم أو صعوبة الاستيقاظ في الصباح، مثل قصور الغدة الدرقية أو السكري أو ضغط الدم المرتفع
  • بعض الأدوية: لبعض الأدوية تأثير مهدّئ قد تزيد ثقل النوم، مثل بعض الأدوية المضادة للاكتئاب.

اقرأ أيضاً: ما هو اضطراب النوم القهري؟

بخلاف صعوبة الإيقاظ: ما مدى خطورة النوم الثقيل؟

قد يسبب النوم الثقيل الإحباط في حال صعّب الوصول إلى العمل أو المدرسة أو المواعيد المهمة في الأوقات الدقيقة؛ لكنه ليس بالضرورة أن يكون أمراً خطراً في الأحوال معظمها. ففي حال لم توجد أعراض تشير إلى اضطرابات النوم، مثل الشخير، أو صعوبة التنفس، أو الاستيقاظ المتكرر في أثناء الليل، فقد يكون النوم الثقيل مجرد سمة طبيعية للنوم.

أما إذا تزامن النوم الثقيل مع نعاس مفرط في أثناء النهار، أو صعوبة التركيز، أو ضعف الإدراك، أو تغيّر المزاج، أو الانفعال، أو مشكلات أُخرى تؤثّر في الأداء اليومي، فقد يشير إلى مشكلة كامنة، مثل اضطراب النوم أو حالة عصبية أو نفسية، وينبغي مراجعة الطبيب العام أو الطبيب المختص بأمراض النوم لتقييم الأسباب الكامنة.

عموماً، هو يتأثر بالعوامل الوراثية والبيئية وأسلوب الحياة بدرجة كبيرة. باختصار: يمكن القول إنه طالما أن الشخص يستيقظ شاعراً بالراحة، ويستطيع أداء مهامه اليومية على نحو صحيح، فمن المرجح أن  النوم الثقيل ليس مشكلة فعلية، إنما القلق ربما يقع على مَن يتحمل مسؤولية إيقاظه!

اقرأ أيضاً: تقنية عسكرية تساعدك على النوم خلال دقيقتين

كيف يمكن التغلب على هذه المشكلة؟

يتعلق حل مشكلة النوم الثقيل بمعالجة السبب الذي أدى إلى حدوثه أساساً، فإذا نتج عن اضطراب في النوم أو حالة نفسية، فإن العلاج وتحسين عادات النوم الجيد سيسهمان في تحسين جودة النوم.

أما وإن نتج عن نقص مؤقت في النوم (على سبيل المثال، رعاية طفل، أو السفر، أو متطلبات العمل)، فقد لا يكون مدعاة للقلق بصورة عامة؛ إذ يمكن لنيل قسط كاف من النوم أن يسهم في استعادة أنماط النوم الطبيعية.

وتجدر الإشارة إلى أن الناس لربما تعتقد أن ثقل النوم هو ذاته النوم العميق اللازم للصحة الجيدة؛  لكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة، فقد يكون النوم الثقيل وصعوبة الاستيقاظ في الصباح ناتجان عن عدم الحصول على قسط كاف من النوم الجيد كما رأينا. لذلك، إليك فيما يلي بعض النصائح لتحسين جودة النوم سواء كنت من ذوات النوم الثقيل أو الخفيف:

  • نم واستيقظ في الوقت نفسه يومياً، حتى في عطلات نهاية الأسبوع.
  • احرص على النوم لمدة 7-9 ساعات من النوم كل ليلة لتجنب الحرمان من النوم.
  • حافظ على غرفة نومك باردة ومظلمة وهادئة لتعزيز النوم المريح.
  • تجنَّب الشاشات (الهواتف، الأجهزة اللوحية، التلفاز) قبل نصف ساعة على الأقل من موعد النوم لتقليل التعرض للضوء الأزرق؛ لأن الضوء المنبعث منها يثبّط إفراز هرمون الميلاتونين في الجسم، وهو المسؤول عن تنبيه الجسم بأن وقت النوم قد حان.
  • تجنَّب الكافيين والنيكوتين في فترة ما بعد الظهر والمساء، إذ يمكن أن يؤثرا في جودة النوم. وتجنب تناول الكحول قبل النوم، فعلى الرغم من أنه يزيد النعاس؛ لكنه يقلل جودة النوم.
  • احرص على التعرض لأشعة الشمس صباحاً من أجل تنظيم إيقاعك اليومي.
  • مارس التمارين الرياضية بانتظام، على أن تنتهي منها قبل موعد النوم بساعتين على الأقل.
  • مارس أنشطة مهدئة للتقليل من التوتر مثل القراءة، أو التأمل، أو تمارين التنفس العميق الاستحمام بماء دافئ.
  • تجنَّب الأطعمة عالية المحتوى بالدهون أو "الثقيلة" قبل النوم.
  • لا تحمل مشاكلك معك إلى السرير، فإذا كنت تحتاج وقتاً لمعالجة مخاوفك أو التخطيط لأمر ما، فخصِّص 15-30 دقيقة لمعالجة مشاعرك وأفكارك بعيداً عن وقت النوم.

اقرأ أيضاً: هل تعاني انخفاض جودة النوم؟ هذه السمة الشخصية قد تكون هي السبب

7 نصائح لإيقاظ شخص نومه ثقيل

بالإضافة إلى تحسين عادات النوم، ثمة بعض نصائح لمساعدتك على إيقاظ شخص ثقيل النوم، لكن الأمر قد يتطلب بعض التجربة للعثور على أفضل استراتيجية، فما يصلح مع شخص ما قد لا يصلح مع آخر، وهي:

  1. استخدم المنبه ذا الصوت العالي.
  2. استخدم المنبه الذي يعتمد على الاهتزازات أو التحفيز الضوئي (مثل المنبهات التي تحاكي شروق الشمس).
  3. اضبط عدة تنبيهات تنطلق على فترات متتالية لمنع العودة إلى النوم.
  4. افتح الستائر واسمح للضوء الطبيعي أن يدخل إلى الغرفة (ضوء الشمس الطبيعي أو مصابيح ذكية يزداد ضوئها تدريجياً).
  5. ابحث عن رائحة تحفّزه على النهوض، مثل رائحة عطر أو قهوة أو غيرها.
  6. اقترح عليه تأسيس روتين صباحي يحبه ويحفِّزه على النهوض.
  7. شجعه على تحريك جسده فور استيقاظه، مثل التمدد أو المشي.

المحتوى محمي