كيف تعمل مع صديقك المقرب دون أن تخسره؟

8 دقائق
العمل مع صديق
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

قد يبدو العمل مع صديق فرصة تمنحك دعماً نفسياً وحماساً مضاعفاً، لكن تداخل العاطفة مع متطلبات الأداء قد يحول القرب إلى مصدر توتر خفي. فاختلاف الصلاحيات، وضغوط التقييم، وحساسية القرارات اليومية تختبر متانة العلاقة. لذلك يصبح التوازن الواعي بين الود والاحتراف ضرورة لا رفاهي…

قد يبدو العمل مع صديق مقرب بمثابة فرصة ذهبية؛ فمن منا لا يحلم بقضاء ساعاته المهنية مع شخص يثق به، يشاركه الضحكات، ويدعمه في لحظات الإحباط؟ إن وجود صديق بجانبك في خندق العمل يمنحك شعوراً بالأمان النفسي ويدفعك لتجاوز التحديات بصلابة أكبر.

لكن، حين تتقاطع دروب المودة بمتطلبات الوظيفة، تتغير المعادلة فجأة. فالقيود المهنية، وضغوط الأداء، واختلاف الرؤى قد تضع متانة العلاقة تحت اختبار حقيقي، وقد ينتهي الأمر للأسف بخسارة صديق لا يعوض.

لذا، فإن إتقان فن التوازن هو المفتاح للاحتفاظ بالصداقة والنجاح المهني معاً، وإليك في هذا المقال النصائح العملية اللازمة لتحقيق تلك المعادلة الصعبة.

1. ضع حدوداً واضحة بين الصداقة والعمل

غالباً ما قد تواجه عند العمل مع صديق ما يسمى التباس الأدوار، وهذا يجعلك أحياناً تقع في فخ عدم القدرة على الفصل بين العلاقة الشخصية والعلاقة المهنية؛ ما يؤدي إلى حدوث اختلاط في الأدوار، فتنسى أن للعمل حدوده التي يجب أن تتخطاها مهما كانت العلاقة قوية.

ووفقاً للجمعية البريطانية لعلم النفس، فإن غياب هذه الحدود قد يفتح الباب لمشكلات مثل المحسوبية، أو تضارب المصالح، أو حتى الحساسيات الناتجة عن اختلاف المراتب الوظيفية، بينما توضح الأستاذة المساعدة في الإدارة بجامعة ديلاوير الأميركية بيث شينوف أن سياق العمل يتطلب رسمية ومهنية، بينما تقوم الصداقة على العفوية والصدق المطلق، وهذا التناقض قد يؤدي إلى صراعات خفية.

لذلك عندما تعمل مع صديقك المقرب، سواء بصفتك زميل عمل بالصفة الوظيفية ذاتها، أم مشرفاً له أو ربما مرؤوساً تحت إشرافه، عليك في البداية تقبل صفتك الوظيفة كما هي، وأن تنسى خلال العمل أن هذا الشخص صديقك المقرب، وتتعامل معه وفقاً لقوانين العمل، وتعترف بالتوتر الذي قد يحدث نتيجة العلاقة الشخصية من خلال المصارحة والصدق بشأن الإحراج المحتمل.

مثلاً، إن كنت معتاداً على إعلام صديقك بأسرارك، ولم يعد بإمكانك ذلك بصفتك مديره لأن ذلك قد يثير بعض الشكوك أو قد يعني ذلك خرقك لخصوصية العمل، يمكنك أن تكون صريحاً بخصوص ذلك دون أن تفقد صداقته بأن توضح له حدود العلاقة ضمن العمل، وتشرح له أنك بحاجة للحفاظ على سرية بعض المعلومات المتعلقة بالعمل.

من ناحية أخرى إن كانت الأدوار معكوسة، عليك أن تتفهم السرية التي قد يتبعها صديقك في عدم قول بعض المعلومات، لأن ذلك دليل مهنية واحترافية، ويعكس صدقاً لديه.

2. قدم المهنية على العاطفة

تشير منصة "سيكولوجي توداي" المتخصصة في الصحة النفسية إلى أن العمل مع صديق يستلزم إطاراً أخلاقياً واضحاً. ولهذا تحرص شركات كثيرة على وضع سياسات رسمية تمنع تضارب المصالح، وتضمن سلوكاً احترافياً يحمي بيئة العمل من أي التباس.

ويعني ذلك إبقاء علاقة الصداقة ضمن حدود مهنية محددة؛ نستمتع فيها بروح الزمالة والتعاون وما تولده من إنتاجية وإبداع، مع يقظة دائمة تحول دون تأثير الروابط الشخصية في قرارات العمل أو في ديناميكيات الفريق.

ويتحقق هذا التوازن عبر فصل واع بين الود ومتطلبات الاحتراف، والالتزام الواضح بالأدوار والمسؤوليات، والتعامل معها بموضوعية بعيدة عن الاعتبارات الشخصية. فليس من المهنية، على سبيل المثال، تخفيف الأعباء عن صديق تشرف عليه بدافع القرب، أو تفضيله بفرص السفر والمهمات الخارجية على حساب بقية الزملاء.

اقرأ أيضاً: زميلك في العمل ليس صديقك: لماذا عليك تطبيق هذه القاعدة؟

3. اجعل الثقة قاعدة للنقد البناء

تعد الثقة حجر الزاوية في أي صداقة متينة، وهي المصدر الأهم للشعور بالأمان النفسي. وعندما تخوض تجربة العمل مع صديق، تصبح المحافظة على هذه الثقة المتبادلة ضرورة مضاعفة؛ إذ ينبغي أن يبقى واضحاً لدى الطرفين أن أي قرار يصدر في سياق العمل هو قرار مهني خالص، لا تحكمه اعتبارات شخصية ولا يتأثر بطبيعة العلاقة خارج المكتب.

كما أن شعور صديقك بثبات ثقتك به يجعله أكثر تقبلاً للملاحظات المهنية، من دون أن يفسرها بوصفها انتقاصاً أو محاولة للإيذاء. فحين تكون النوايا محل يقين، يفهم النقد على أنه حرص على التطوير، لا تقليل الشأن.

ويشير موقع الجمعية الأميركية لعلم النفس إلى أن العلاقات القائمة على الصدق والثقة تعزز تقبل النقد بصورة إيجابية. فكما يمكنك أن تنبه صديقك إلى تفصيلة شخصية بسيطة دون حرج، يمكنك كذلك أن تلفت نظره إلى نقطة مهنية تستدعي الانتباه، من غير أن يتحول الأمر إلى مصدر توتر أو إحراج.

وفي السياق ذاته، تؤكد الجمعية البريطانية لعلم النفس أن الصداقات التي تعزز مشاعر الثقة والبهجة والأمان تنعكس في صورة تجارب عمل أكثر إيجابية وتماسكاً.

من جانبه، ينبهنا استشاري الطب النفسي محمود نجم إلى أن استمرار الصداقة مع شخص نعمل معه يتطلب وقتاً واختبارات متتابعة تثبت صواب الاختيار، وترسخ الثقة عبر المواقف والمنعطفات المهنية المختلفة.

في النهاية، كلما استثمرت في بناء الثقة مع صديقك، ازداد النقد نضجاً، وازدادت العلاقة متانة داخل العمل وخارجه.

4. لا تنافس صديقك بل بادله الدعم

تجنب مقارنة أدائك بأداء صديقك في العمل، واستبدل بمنطق التنافس منطق المشاركة والدعم المتبادل. والأهم أن يكون هذا النهج مبدأً عاماً في تعاملك مع زملائك جميعهم، لا سلوكاً استثنائياً تمليه الصداقة. فبيئة العمل الصحية لا تبنى على سباق دائم لإثبات التفوق، بل على تعاون يرفع مستوى الجميع.

وحسب دراسة أجرتها كلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة ضفار في سلطنة عمان، فإن العمل مع صديق يمكن أن يشجع على تبادل الدعم والموارد، بما يسهم في خلق بيئات عمل أكثر تناغماً، ويعزز مهارات حل المشكلات لدى الموظفين.

لذلك، بدلاً من أن تنظر إلى صديقك بوصفه منافساً، اتخذ موقفاً داعماً ومتوازناً، يراعي أنظمة العمل ويبتعد عن أي تعارض محتمل في المصالح. فبهذا النهج تحافظ على صداقتك، وتدعم في الوقت ذاته مناخاً مهنياً صحياً داخل المؤسسة، دون أن تخسر العلاقة على المستوى الشخصي.

5. انتق كلماتك لتجعلها أكثر لباقة

العمل مع صديق مقرب يقتضي وعياً مضاعفاً بطريقة الحديث وأسلوب التعبير. فليس كل ما يقال خارج إطار العمل يصلح أن يقال داخله. لذلك، تجنب الألفاظ الخاصة أو المزاح التهكمي الذي اعتدتما عليه في الدوائر الشخصية، خصوصاً أمام الزملاء، حتى لا تضعه في موقف حرج أو تضعف صورته المهنية.

وتشير دراسة صادرة عن جامعة أريزونا إلى أن الانتباه للغة المستخدمة مع الأصدقاء في بيئة العمل يندرج ضمن ما يعرف بـنظرية اللباقة، التي تؤكد أهمية مراعاة مشاعر الآخرين والحفاظ على صورتهم الاجتماعية. كما تحذر من أن التجاهل سواء كان مباشراً أو ضمنياً قد يفسر بوصفه فتوراً في العلاقة أو رغبة في الابتعاد.

فعلى سبيل المثال، إذا أراد صديقك أن يشاركك أمراً شخصياً في أثناء الدوام، يمكنك أن تظهر اهتمامك من دون الإخلال بسياق العمل، كأن تقول له إنك تود الاستماع إليه بتأن بعد انتهاء الدوام، في مكان يتيح لكما الحديث دون مقاطعة. بهذه الطريقة تحافظ على لباقة الموقف، وتؤكد تقديرك له ولمشاعره، من غير أن تخل بمتطلبات المهنية.

اقرأ أيضاً: احترامك بين زملاء العمل يبدأ بالتوقف عن هذه الأفعال

المحتوى محمي