كيف تقنع شخصاً عزيزاً عليك أن يبدأ رحلة علاجه النفسي؟

5 دقيقة
إقناع شخص عزيز
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)

من المؤلم جداً أن ترى شخصاً تحبه يعاني مشكلات وأعراضاً تمس صحته النفسية، مثل عزل نفسه عنك وعن الآخرين، أو تعبيره عن مشاعر ساحقة من اليأس أو الإحباط أو التعب المستمر. وبالطبع، من الطبيعي أن تشعر بالقلق وعدم التأكد من كيفية تقديم المساعدة أو التعامل مع هذا الموضوع، فبدء المحادثة عن الصحة النفسية أمر مخيف للعديد من الناس.

ومع ذلك، يمكنك بالتعاطف والصبر والتواصل المدروس أن توجِّه من تحب نحو التفكير في الحصول على الدعم النفسي المتخصص؛ والذي قد يؤدي إلى تحسينات كبيرة في صحته. وإليك فيما يلي أهم النصائح العملية التي ستساعدك على ذلك.

1.  ثقّف نفسك حول أعراض المرض النفسي

من المهم أن تفهم متى يحتاج الأشخاص الذين تحبهم إلى المساعدة المتخصصة حتى تستطيع التدخل لإقناعهم، لذا انتبه إلى الانحرافات الكبيرة عن سلوكياتهم المعتادة، وراقب العلامات التالية: البكاء المتكرر، وفقدان الاهتمام بالهوايات والأنشطة المحببة السابقة، والانسحاب من لقاء الأصدقاء والعائلة، والنقد الذاتي المفرط، واضطرابات النوم، والمشكلات المعرفية مثل صعوبة التركيز وفقدان الاتجاه والهلوسة، وإهمال النظافة الشخصية أو نظافة المنزل.

اقرأ أيضاً: قُل ولا تقل لصديقك المُصاب بالاكتئاب

2. افهم العوائق التي تحول دون العلاج

يقول المعالج النفسي، أسامة الجامع، إن من أهم الخطوات التي ستساعد في إقناع شخص بالذهاب إلى العلاج النفسي هو معرفة العائق الموجود في ذهنه والذي يمنعه من الذهاب. وبالطبع، ثمة العديد من العوائق الشائعة مثل:

  • الوصمة: كثيراً ما يتجنب الناس طلب العلاج أو يؤخرونه بسبب مخاوفهم من تعرضهم لمعاملة مختلفة أو خوفهم من فقدان وظائفهم، وهو ما يرجع إلى الوصمة والتحيز والتمييز ضد المصابين بأمراض نفسية. وهذه المفاهيم الخاطئة حول الصحة النفسية ما زالت قائمة حتى في المجتمعات الأكثر تطوراً.
  • الخوف من إظهار الضعف: يتطلب العلاج التأمل الداخلي، ومواجهة المشاعر المؤلمة، أو معالجة التجارب والصدمات السابقة غير المريحة، وهو ما قد يكون مرهقاً للغاية.
  • الإنكار: قد لا يدرك الشخص مدى محنته أو قد يشعر أنه قادر على التعامل مع مشكلاته بمفرده.
  • التكلفة وإمكانية الوصول: قد يكون العلاج مكلفاً أو يصعب الوصول إليه، خاصة في البلدان ذات الموارد المحدودة للصحة النفسية.

ويكمل الجامع قائلاً إن الشخص قد لا يكون صريحاً في البداية، فيتحجج بعدم الاقتناع بضرورة العلاج النفسي؛ لكن مع الألفة والسياسة ربما سيخبرك بالسبب الحقيقي، مثل أن جهة العمل ستعرف وستتأثر ترقيته، أو أنه لا يريد تناول الدواء، أو أنه قد يلتقي بشخص قريب له في العيادة، أو أن العلاج مضيعة للوقت.

من خلال فهم هذه الحواجز، يمكنك تصميم محادثتك بلطف على نحو يتحدى المفاهيم الخاطئة وتقديم حلول للمخاوف العملية. على سبيل المثال، أخبره أن المرض النفسي مثل المرض الجسدي ولا يختلف عنه بشيء، وأكِّد أن ثمة خيارات متعددة للعلاج، وأنك ستساعده على البحث عن المعالجين المتخصصين، وأن طلب العلاج شجاعة وليس عيباً، وأن من الخطأ مراعاة نظرات الآخرين أكثر من اللازم، مثلما يوضِّح الجامع.

اقرأ أيضاً: 7 أسباب تدفعك إلى طلب مساعدة المعالج النفسي بدلاً من الفضفضة لصديقك

3. اختر الزمان والمكان المناسبين

ابدأ المحادثة في بيئة آمنة وهادئة ومريحة وتتمتع بدرجة عالية من الخصوصية، بعيداً عن التجمعات العائلية وأوقات العمل وعن أي عوامل تشتيت، وبالطبع ليس في أثناء اللحظات العصيبة أو الجدالات أو بعدها. ويمكنك أن تبدأ بالسؤال عما إذا كان منفتحاً على التحدث عن شيء مهم، وهو ما يُظهِر احترامك لحدوده، ثم راعِ النصائح التالية في المحادثة:

4. عبِّر عن تعاطفك دون إصدار أحكام

قد يتخذ الأحبة موقف دفاع عن النفس أو قد يشعرون بأنهم يتعرضون للوم أو الانتقاد، في حال أحسوا أنك تشخِّص حالتهم، أو تعلن أن ثمة أمراً "خاطئاً" بهم، أو تقدم لهم النصائح المباشرة، لذا من المهم أن تتعامل مع أحبائك بطريقة تُظهِر التعاطف وأنك تهتم برفاهيتهم، وأن ما تقوله ليس نتيجة شعورك بالإحباط من سلوكهم.

اقرأ أيضاً: ما هو العلاج المعرفي التحليلي؟ وما الاضطرابات النفسية التي يمكنه علاجها؟

أي؛ حاوِل أن تبدأ المحادثة بمشاركة مخاوفك وطرح أسئلة مفتوحة مع استخدام ضمير المتكلم. على سبيل المثال، قل: "أنا قلق عليك"، "لاحظت أنك تمر بأوقات عصيبة مؤخراً، ما الذي يدور في ذهنك؟"، أو "هل كل شيء على ما يرام بالنسبة إليك؟". تذكّر أن هذا الشخص قد يرغب في التحدث عما يشعر به لكنه قد لا يتقبل النصيحة؛ لذا من المهم أن تكون مستمعاً عطوفاً وليس واعظاً.

5. كُن واضحاً ومحدداً

ربما لا يعي الشخص أن حالته النفسية تؤثّر في حياته أو أنه يتصرف بطريقة مختلفة، لذا قد يطلب أمثلة محددة، وهنا من المهم أن تشير بلطف إلى التغييرات التي لاحظتها دون أن تثير فيه شعوراً بالانتقاد.

على سبيل المثال، يمكنك القول، "لقد لاحظت أنك اعتدت الاستمتاع بقضاء الوقت مع الأصدقاء، ولكن بدأت تتجنب التجمعات الاجتماعية مؤخراً"، أو "لقد شعرت بتغيير في مستوى طاقتك ونشاطك، فقد كنت نشطاً ومتحمساً، لكنك تبدو الآن متعباً وغير مكترث". إن استخدام الأمثلة الملموسة يساعد أحبابك على رؤية التغييرات التي ربما لم يكونوا على علم بها، ما قد يقودهم إلى التفكير فيها، وربما الانفتاح على طلب المساعدة.

6. وضّح أن العلاج خطوة طبيعية نحو التعافي

عليك أن تُطمئِن الأشخاص الذين تحبهم ممن يمرون بحالات نفسية أن طلب العلاج هو خطوة طبيعية وشائعة وصحية من أجل تحسين جودة الحياة، وأنه ليس للأشخاص الذين يمرون بأزمات شديدة فقط؛ بل هو لأيّ شخص يعاني مشكلات في العلاقات، أو يريد أن يفهم نفسه على نحو أفضل، أو يتعلم كيف يتعامل مع المواقف الصعبة، أو كيفية إدارة التوتر، أو طريقة تحقيق التوازن بين العمل والحياة.

ويمكنك إن خضت تجربة شخصية سابقة مع العلاج أن تشاركها معهم أو أن تشارك بعض الأمثلة ممن خضعوا للعلاج، بعد نيل موافقتهم، ما قد يساعد على إزالة وصمة العار المرتبطة بهذه الفكرة. وينصح الجامع هنا أن تُحضر له بعض المقالات العلمية الموثوقة عن العلاج؛ لأن كلام المجالس من قيل وقال وروايات مشكوك أو مبالغ فيها قد يخيفه؛ لذا دعه يقرأ عن أهمية العلاج النفسي وخطر ترك المشكلة التي قد تتفاقم ويصعب علاجها، دعه يقرأ الإحصائيات والأرقام والشروحات، ويرى الوثائقيات ليطمئن أن مشكلته ممكنة الحل.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن العلاج النفسي بالكتابة؟ وكيف تمارسه؟

7. اعرض المساعدة العملية

ساعد على تقليل أي عقبات قد يواجهها في البداية، مثل أن تعرض المساعدة في العثور على المعالجين أو مرافقته إلى المواعيد. وفي حال كانت التكلفة مصدر قلق، فناقش خيارات التأمين، أو موارد الصحة النفسية المجتمعية منخفضة التكلفة أو غير ذلك. وذكّره بأنه يستطيع تغيير المعالج أو الطبيب النفسي إذا لم يشعر بالارتباط مع المتخصص النفسي، سواء الآن أم في محاولات سابقة، فالعلاج هو أمر شخصي، ومن الجيد تجربة طرائق مختلفة.

اقرأ أيضاً: 5 معايير لاختيار معالجك النفسي بطريقة صحيحة

8. تحلَّ بالصبر

عليك أن تفهَم أن مَن تحب قد يقاوم الفكرة أو يرفضها في البداية، وقد يعبّر عن خوفه أو يدافع عن نفسه، أو ربما يظهِر موقفاً دفاعياً أو عدوانياً، أو قد ينسحب تماماً ويتوقف عن مشاركة مشاعره. لذا من المهم أن تحافظ على هدوئك وتتجنب الإلحاح.

فعلى الرغم من بذل قصارى جهدك، فإن قرار بدء العلاج يعود في النهاية إلى من تحب، وقد يؤدي الضغط عليه إلى نتائج عكسية، ما يؤدي إلى المزيد من العناد والمقاومة. ما عليك في هذه الحالة سوى احترام رفضه، وإعطائه بعض الوقت ليفكر في الأمر، وإخباره بأنك موجود من أجله عندما يكون مستعداً، وإبقاء الباب مفتوحاً للمحادثات المستقبلية.

أما إذا كان أحد أحبائك في خطر، على سبيل المثال يعبّر عن أفكار انتحارية، أو يهددك أنت أو يهدد أشخاصاً آخرين بصورة جدية، أو يعاني نوبة هوس قوية قد تسبب له الأذى؛ فقد تضطر في هذه الحالات إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل الاتصال بمختص الصحة النفسية أو نقله إلى غرفة الطوارئ.

اقرأ أيضاً: ما هو الأفضل العلاج النفسي السلوكي أم الدوائي؟ إليك الإجابة العلمية الوافية

المحتوى محمي