تخيل أنك تهوى القراءة بشغف، تقضي ساعات طويلة بين صفحات الكتب والروايات لمجرد المتعة الخالصة. فجأة، يقرر أحدهم أن يمنحك مكافأة مالية مقابل كل كتاب تنهيه، في البداية، ستبدو الفكرة مذهلة، أليس كذلك؟ أن تحصل على المال مقابل فعلك ما تحبه بشدة. لكن مع مرور الوقت، ستلاحظ شيئاً غريباً؛ الرغبة القوية التي كانت تدفعك لقراءة الكتب بدأت تتلاشى، لم تعد القراءة فعلاً ممتعاً، بل أصبحت مهمة عليك إنجازها حتى تحصل على المكافأة، والحقيقة أن هذا التناقض النفسي ليس مجرد شعور عابر، بل ظاهرة معروفة باسم "تأثير التبرير المفرط" فما المقصود بذلك التأثير؟ وكيف تستعيد شرارة الشغف حين تطفئه الحوافز والمكافآت الخارجية؟ الإجابة عبر هذا المقال.
محتويات المقال
ما هو تأثير التبرير المفرط؟
وفقاً لمنصة هارفارد بيزنس ريفيو، فإن تأثير التبرير المفرط هو مصطلح يصف العملية التي تؤدي فيها المكافآت الخارجية المرتفعة إلى إضعاف مستوى أداء الأفراد؛ وذلك عن طريق تثبيط الاهتمام الحقيقي أو الجوهري لديهم، ووفقاً لهذا التأثير فإن المكافأت الخارجية تقلل شعورك بالاندماج والاستمتاع بالنشاط، ويعتمد هذا التأثير على التمييز بين نوعين من الدوافع:
- الدوافع الداخلية: هي إنجاز النشاط من أجل النشاط نفسه، لما يوفره من شعور بالرضا والتعلم والنمو، وهناك شرطان أساسيان للشعور بالدافع الداخلي هما الاستقلالية أو التحرر من القيود الخارجية والكفاءة.
- الدوافع الخارجية: هي القيام بالنشاط للحصول على نتيجة منفصلة عنه، مثل تجنب العقاب أو نيل جائزة أو مقابل مادي.
وما يفعله تأثير التبرير المفرط هو أنه يجعل الدوافع الخارجية تحل محل الدوافع الداخلية، ومن ثم تقل إمكانية الاستمتاع بالنشاط. على سبيل المثال، تخيل أنك تستمتع بموهبة الرسم لأنها تجعلك تحس بالهدوء، بعد فترة تبدأ بإهداء لوحاتك لأصدقائك وعائلتك، ويقترح عليك عدد منهم بيعها، حينها سوف تظن أن الفكرة جيدة للغاية لأنك ستربح من النشاط الذي تحبه، لكن بعد وقت سوف يتحول الرسم إلى عبء بعد أن كان متنفساً للهدوء، وذلك لأن دافعك للرسم أضحى خارجياً.
اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن طريقة تحليل الدوافع النفسية؟
لماذا تقلل المكافآت الخارجية الدافع الداخلي؟
هناك عدة نظريات تحاول تفسير تأثير التبرير المفرط، وذلك من خلال النظر في كيفية إدراك العقل للأسباب التي تدفعك إلى إنجاز النشاط والنتائج المترتبة عليه، وإليك أهم الأسباب التي تحاول تفسير وقوعك في فخ هذا التأثير:
1. نظرية التقييم المعرفي
وفقاً للجمعية الأميركية للطب النفسي، فإن نظرية التقييم المعرفي تحاول معرفة تأثير الدوافع الخارجية مثل المكافآت الخارجية والسياقات الاجتماعية والأحداث الشخصية في الدوافع الداخلية، وتتلخص الفكرة الأساسية لهذه النظرية في أن المعنى النفسي لهذه الأحداث قد يكون تحكمياً أو مثبطاً للدافع، وأن الأهمية النسبية لهذه الجوانب الثلاثة هي التي تفسر تأثير كل حدث على الدافع الذاتي للأفراد. على سبيل المثال، إذا شعرت بأن الدافع الخارجي هو وسيلة للسيطرة على سلوكك أو الضغط عليك، مثل المواعيد النهائية الصارمة، فإن إحساسك بالاستقلالية يتآكل، ما يقتل الدافع الداخلي.
2. نظرية الإدراك الذاتي
تشرح نظرية الإدراك الداخلي التي وضعها عالم النفس، داريل بيم، أن الأفراد يتعرفون إلى مواقفهم ومعتقداتهم ودوافعهم الداخلية من خلال مراقبة سلوكهم وسياقه، تماماً كما لو كانوا يراقبون شخصاً خارجياً، ما يعني أننا نكتسب فهماً أعمق لدوافعنا بعد القيام بنشاط ما، فإذا أنجزنا مهمة لقيمتها الذاتية، نلاحظ أننا اخترنا القيام بها، أما إذا أنجزنا مهمة وحصلنا على مكافأة لاحقاً، فسنعتقد أننا فعلناها فقط من أجل المكافأة، ومع مرور الوقت تقل المتعة التي نحس بها عند إنجاز هذا النشاط بسبب وجود المكافآت الخارجية.
3. تجارب ديسي الشهيرة خلال سبعينيات القرن الماضي
أثبت أستاذ علم النفس في جامعة روتشستر، إدوارد ديسي، تأثير التبرير الزائد أول مرة من خلال تجارب أجراها في سبعينيات القرن الماضي، حيث استعان ديسي بمجموعة طلاب جامعيين وطلب منهم حل ألغاز معقدة تعد ممتعة ومحفزة للذهن في الوقت نفسه، وقسم ديسي الطلاب لمجموعات:
- المجموعة الأولى: في أول جلسة، حلوا الألغاز دون مكافأة، في الجلسة الثانية أخبروا أنهم سيحصلون على دولار واحد مقابل كل لغز ينجحون في حله، وخلال الجلسة الثالثة، قيل لهم إن الميزانية نفدت ولن تدفع أي مبالغ.
- المجموعة الثانية: قاموا بحل الألغاز في الجلسات الثلاث دون أي وعود بمكافآت مالية.
تبين بعد انتهاء التجربة أن المجموعة الثانية التي لم تتقاض أي مبالغ مالية استمرت في حل الألغاز بدافع الفضول والمتعة الصرفة، بل زاد اهتمامهم بها بمرور الوقت، أما المجموعة الأولى التي تقاضت مالاً، فبمجرد توقف المكافأة في الجلسة الثالثة انخفض وقتهم الذي يقضونه في حل الألغاز انخفاضاً حاداً، حيث فقدت اللعبة متعتها تماماً وأصبحت مجرد وسيلة للحصول على الدولار.
استمر ديسي في إجراء المزيد من التجربة، وتوصل إلى فرق جوهري مهم، وهو أن المكافآت المادية مثل المال أو الجوائز، أدت باستمرار إلى تقويض الدافع الداخلي، أما المكافآت اللفظية مثل التشجيع الإيجابي والتحفيز فإنها تعزز الدوافع الداخلية، وفسر ديسي هذا الأمر على أن المكافآت المادية تشعر الشخص بأنها تتحكم به ما يقلل شعوره بالاستقلالية، أما الثناء، فيعزز شعور الشخص بـالكفاءة وهو ما يغذي الشغف الداخلي بدلاً من إطفائه.
اقرأ أيضاً: دوافعك الداخلية نقطة انطلاقك لتحقيق نجاحاتك فكيف تجدها؟
كيف تتجاوز تأثير التبرير المفرط وتستعيد شغفك مرة أخرى؟
يمكن القول إن الاعتماد المفرط على التحفيز الخارجي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل دافعك الداخلي لإنجاز المهام والأنشطة بإرادتك، وفي هذه الحالة تذكر هذه النصائح عند محاولتك التغلب على تأثير التبرير المفرط:
1. اسمح لنفسك بالفشل
تنصح منصة هارفارد بيزنس ريفيو بضرورة السماح للمبدعين بالفشل، على غرار الآباء الذين يسمحون لأطفالهم بالفوضى بل ويبتهجون بآثارها من حولهم، وذلك لأن الإبداع يحتاج إلى الحرية والمرونة، لذلك إذا كنت تود استعادة شغفك أطلق العنان لنفسك، امنحها المزيد من الحرية وأعطها حقها في التجربة والفشل وإعادة المحاولة مراراً وتكراراً، وقتها قد يقتنع عقلك أن هذا النشاط يحقق لك المتعة، ومن ثم فهو ينبع من داخلك.
لكن حين أطلب منك أن تسمح لنفسك بالفشل فإن هذا لا يعني أن تقول لنفسك إنك فاشل؛ وفي هذا السياق، ينصح المعالج النفسي، أسامة الجامع، بضرورة الانتباه إلى الطريقة التي تتحدث بها إلى نفسك. على سبيل المثال، هناك فرق بين أن تقول لنفسك "فشلت بسبب الظروف" وبين أن تقول "أنا فاشل"، الأول رأى نفسه ناجحاً وعزا فشله لظروفه، والثاني عزا فشله إلى تكوينه وذاته.
2. أوجد لنفسك هواية بعيداً عن عملك
ابحث عن الأنشطة التي تستهويك وحاول ممارستها كلما أمكن، فإذا كنت تحب الرسم أو الكتابة أو عزف الموسيقى مثلاً، خصص لأي هواية منها وقتاً أسبوعياً باعتبار ذلك نوعاً من الترويح عن النفس، واحرص على أن تكون هوايتك بعيدة عن مجال عملك إلى جانب أن تمارسها دون مقابل؛ وذلك لكي تظل مصدراً للمتعة الخالصة ولا تضطر لتحويلها إلى مصدر دخل.
3. أعد ربط الأنشطة بقيمك الجوهرية
أحياناً قد تجعلك الحوافز الخارجية تتوه قليلاً عن ذاتك، لذلك، حتى تستعيد علاقتك بها، اسأل نفسك: "لماذا بدأت؟" وإذا كنت تشعر بأن مهنتك الإبداعية أصبحت مجرد وسيلة لجني المال، حاول ممارسة جانب صغير منها بصفتها هواية سرية لا تتقاضى عليها أجراً ولا تعرضها للجمهور، والهدف هنا هو إعادة تدريب عقلك على استشعار المتعة الناتجة عن النشاط نفسه بدلاً من النتيجة أو المكافأة الخارجية.
4. عزز شعورك بالاستقلالية وحرية الاختيار
وفقاً لنتائج التجارب التي أجراها عالم النفس، إدوارد ديسي، فإن أحد أسباب تأثير التبرير المفرط هو شعور الفرد بأن الحوافز والمكافآت الخارجية تقوده، لذلك حتى تستعيد شغفك مرة أخرى، يجب زيادة مساحة الحرية الشخصية في كيفية أداء المهام. على سبيل المثال، عند تأدية مهام عملك، امنح نفسك الحق في اختيار الأدوات، أو الجدول الزمني، أو الأسلوب المتبع؛ وذلك حتى تعزز شعورك بالاستقلالية وحرية الاختيار.
اقرأ أيضاً: كيف تجد السعادة في يومك من خلال الاستمتاع بأبسط التفاصيل؟