تمثل المقابلة الوظيفية لمن يعاني الرهاب الاجتماعي ما يشبه الوقوف على حافة الهاوية؛ حيث تهاجمه الأفكار التلقائية حول الفشل، والتعرق، والارتباك أمام لجنة التقييم. ولكن، إذا نظرنا للأمر من زاوية مهنية ونفسية دقيقة، سنجد أن المقابلة ليست اختباراً للشخصية، بل هي عملية تواصل يمكن تفكيكها والسيطرة عليها. إليك في هذا المقال خارطة الطريق المتسلسلة والعملية للعبور بسلام في المقابلة الوظيفية من ضفة القلق إلى ضفة التمكين والثقة.
محتويات المقال
1. ودع منطقة الراحة
تبدأ رحلة النجاح بتغيير الفلسفة الذهنية التي تدير بها مخاوفك، إذ إن المشكلة الكبرى في الرهاب الاجتماعي هي الركون إلى منطقة الراحة؛ فالعقل يحاول حمايتك من الألم النفسي عبر حثك على الانسحاب أو تجنب المقابلة الوظيفية من الأساس.
لكن تلك الراحة الزائفة ستدفع ثمنها لاحقاً لا محالة، فوفقاً لاستشاري الطب النفسي محمد اليوسف، يجعلك البقاء في منطقة الراحة أكثر استرخاءً ويعرضك لضغوط أقل، لكنه في المقابل يجعل حياتك أقل إثارة ومتعة، ويقلل فرص النمو والازدهار فيها.
مضيفاً أنك في حال عزمت على الخروج من منطقة الراحة الخاصة بك ستشعر في البداية بقلق وتوتر وهذا أمر طبيعي، ثم تبدأ شيئاً فشيئاً تكتشف وتعي أن تلك المنطقة لا تعطيك سوى استرخاء وهمي مؤقت، يتبعه ضغط نفسي من نوع آخر.
2. فكك أفكارك الكارثية
بمجرد قبول فكرة الخروج من منطقة الراحة، يأتي دور إعادة الهيكلة المعرفية، وهنا يمكننا الاستعانة بخطة أستاذ علم النفس في جامعة ميشيغان جوزيف هيمل؛ والخطوة الأولى فيها هي تحديد الأفكار التلقائية السلبية مثل: سأبدو غبياً، سيرون ارتعاش يدي، سينعقد لساني. ثم محاولة فحص منطقية هذه الأفكار بأسئلة مثل: ما هو الدليل على صحتها؟ وماذا لو حدث العكس؟
ويعتمد التدخل السلوكي الذي يقدمه هيمل على تحويل التركيز من المراقبة الذاتية إلى التركيز على أداء المهمة، فعندما تبدأ بالنظر للمقابلة الوظيفة على أنها مهمة تتطلع إلى تأديتها على أفضل وجه ستنجح في التوقف عن اعتبارها حكماً على شخصيتك، وهذا ما يجعل الرهاب الاجتماعي يتراجع بوضوح.
اقرأ أيضاً: خطوات يومية لتخفيف ضغوط العمل المتلاحة
3. قلص مساحة المجهول
ها أنت قد تجهزت ذهنياً بدرجة كبيرة وحان وقت تجهيز المحيط الخارجي والحد من مثيرات القلق فيه، وهذا يعني أن تكتشف الثغرات التي يمكن أن تتسلل منها المفاجآت، من خلال تنفيذ خطوات عملية مثل ذهابك لموقع المقابلة الوظيفية قبل الموعد بأيام لمعرفة المسار الأفضل والأماكن القريبة لركن السيارة، وأيضاً يمكنك محاولة الاستفسار عن نمط المقابلة هل هي فردية أم أمام لجنة، أما في حال كانت المقابلة عن بعد فعليك أن تجهز مكانك بمعدات الإضاءة والصوت اللازمة، وتضع خططاً بديلة لمواجهة المشكلات الطارئة لتفادي أي ارتباك قد يحدث في أثناء المقابلة.
4. درب نفسك بالمحاكاة الواعية
ترى المختصة النفسية تينيسا فرانكس أن الممارسة هي الترياق الحقيقي للرهاب الاجتماعي، والمقصود هنا بالممارسة في حالة المقابلة الوظيفية عملية المحاكاة الواعية، وذلك عن طريق إجراء مقابلات تجريبية مع أحد أفراد عائلتك أو أصدقائك وتسجيلها بالفيديو، والهدف من ذلك مواجهة صورتك المشوهة عن أدائك، فقد تظن أنك مرتبك بينما أنت في الواقع تبدو رزيناً، وهنا تكون مشاهدة فيديو المقابلة التجريبية وسيلة فعالة لتصحيح هذه الصورة الذاتية الخاطئة.
كما سيفيدك أن تطبق قاعدة التركيز الخارجي بتعمد مراقبة تفاصيل الغرفة أو وجه المحاور لتمنع غرقك في ذاتك، وتبقي دماغك مشغولاً بمعالجة المعلومات الخارجية بدلاً من الانهماك في تحليل أعراض القلق الداخلية.
اقرأ أيضاً: جيف بيزوس يخبرك: توترك في العمل ليس مصدره كثرة مهامك!
5. انتقل من حيز القلق إلى الحماس
طرحت دراسة علمية أجرتها جامعة بوسطن تقنية رائعة لمواجهة القلق تعرف باسم إعادة تقييم القلق، وذلك يعني ببساطة أنه بدلاً من محاولة الدخول في حالة الهدوء التام، وهو أمر قد يصعب تحقيقه كيميائياً نتيجة تدفق الأدرينالين، عليك إقناع عقلك بأنك متحمس ولست قلقاً، إذ إن القلق والحماس يتشابهان فيزيولوجياً في رد الفعل الذي يظهر في سرعة ضربات القلب وتوتر العضلات، لكن الفرق يكمن في تعامل الدماغ، فعندما تخبره بأنك متحمس لهذه المقابلة الوظيفية ستكون بذلك قد وضعته في وضعية المكافأة لا التهديد، ما يعني أنك حينها ستتمكن من تحسين أدائك إلى أقصى درجة ممكنة.
6. اجعل توترك يخدمك في كسر الجليد
عندما تجلس أخيراً على كرسي المقابلة الوظيفية، لا تحاول إخفاء قلقك وكأنه جريمة شنعاء، فالاعتراف البسيط قد يكون مفتاحاً للراحة، لذا إذا شعرت برعشة في صوتك أو تعثر في الكلمات، يمكنك القول ببساطة: "أنا مهتم جداً بهذا المنصب، لذا أشعر بقليل من التوتر الطبيعي". هذا الصدق يكسر الجليد، ويجعل المحاور في صفك وليس ضدك، كما أنه يرفع عن كاهلك عبء التمثيل بأنك لست قلقاً، ما يحرر طاقتك الذهنية للإجابة عن الأسئلة بذكاء، وفي النهاية يظل الهدف هو التواصل وليس الظهور بمثالية.
أخيراً، أياً كانت نتيجة المقابلة، احرص على ألا تنغمس في اجترار الأفكار السلبية بعدها، ووجه نظرك إلى ما هو قادم بثقة وطموح، فبغض النظر عن القبول أو الرفض، أنت أنجزت خطوة شجاعة بمواجهة مخاوفك. تذكر أن الرهاب يضعف بالمواجهة ويقوى بالانسحاب، وأن كل مقابلة تخوضها هي جرعة تدريب نفسي تجعل التالية أسهل وأكثر سلاسة، لذلك لا تجعل النتيجة هي معيار نجاحك؛ فمجرد خوضك التجربة هو انتصار حقيقي.
اقرأ أيضاً: ما عدد ساعات العمل التي تضر دماغك؟ دراسة كورية توضح