ما هي المرونة العصبية؟ وكيف تنميها؟

11 دقيقة
المرونة العصبية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: عبد الله بليد)

تشير المرونة العصبية إلى قدرة الدماغ على التعلم والتكيف وإعادة تنظيم نفسه استجابة للتجارب والظروف المحيطة. وبعد أن كان الاعتقاد السائد أن الدماغ ثابت لا يتغير، كشفت الأبحاث أنه في حالة تطور مستمر يمكن دعمه بخطوات عملية بسيطة، أهمها:

  • مارس التمارين الرياضية بانتظام، فهي ت…

كان الاعتقاد الشائع فترة طويلة من الزمن أن الإنسان يولد بعدد محدد من الخلايا العصبية، وأن الدماغ يتوقف عن التطور مع الوصول إلى سن الرشد، لكن تبين بعد ذلك مع التطور العلمي أن دماغك في حالة تطور مستمر، إذ يعيد تشكيل نفسه ويتكيف مع التجارب الجديدة، ما يعني أنه ليس قطعة صلبة، بل أقرب إلى الصلصال يمكنه إعادة ترميم ذاته مرة بعد مرة، وهو الأمر الذي يعرف بالمرونة العصبية، وإليك عبر هذا المقال خطوات فعالة ستجعلك تتصف بهذه المرونة.

ما هي المرونة العصبية؟

يعرف رئيس قسم الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد، أندرو بودسون، المرونة العصبية على أنها قدرة الدماغ على التعلم والتذكر والتغيير بما يتناسب مع الظروف، وتسمح المرونة العصبية للدماغ بإعادة تنظيم نفسه استجابة للتعلم والخبرات والتأثيرات البيئية. على سبيل المثال، يمكن للدماغ أن ينمي تفرعات عصبية جديدة، ويشكل روابط عصبية جديدة، ويقوي الروابط العصبية الموجودة.

ووفقاً لدراسة بحثية حديثة نشرتها دورية أبحاث الدماغ في يوليو/تموز 2025، كان ينظر تاريخياً إلى المرونة العصبية على أنها محصورة في مراحل الطفولة الأولى، ولكنها تعرف الآن بأنها عملية مستمرة مدى الحياة تدعم مجموعة من الوظائف الأساسية، بما في ذلك التعلم والذاكرة والتكيف، بالإضافة إلى دورها في التعافي من الإصابات وتعزيز القدرة على مواجهة التدهور المعرفي، ويوضح المختص النفسي، حمود العبري، أن المرونة العصبية تنقسم إلى: 

  1. المرونة الوظيفية: وهي قدرة الدماغ على نقل الوظائف من منطقة متضررة بسبب سكتة دماغية مثلاً أو إصابة إلى مناطق أخرى سليمة.
  2. المرونة الهيكلية: وهي قدرة الدماغ على تغيير بنيته الفيزيائية فعلياً نتيجة التعلم أو اكتساب مهارات جديدة، حيث تقوى الروابط العصبية أو تضعف أو تنشأ روابط جديدة تماماً.

اقرأ أيضاً: المرونة: ما نتعلمه من مختصي الأعصاب

كيف تعمل المرونة العصبية؟

يحتوي الدماغ البشري على نحو 100 مليار خلية عصبية، ويرتكز عمل المرونة العصبية وفقاً لما ذكرته منصة "فيري ويل مايند" للصحة النفسية على: 

1. تكوين مسارات عصبية جديدة 

تعد السنوات الأولى من حياة الطفل فترة نمو سريع للدماغ، وعند الولادة، تحتوي كل خلية عصبية في القشرة المخية على ما يقدر بـ 2500 مشبك عصبي، أو فجوات صغيرة بين الخلايا العصبية حيث تنقل النبضات العصبية، وبحلول سن الثالثة، يرتفع هذا العدد إلى 15,000 مشبك عصبي لكل عصبون، ويؤدي التعلم دوراً محورياً في تكوين هذه المسارات العصبية الجديدة.

2. تقليم المسارات العصبية غير الضرورية 

على الرغم من أن الطفل الصغير يمتلك ملايين المشابك العصبية، فإن الشخص البالغ يملك نصف هذا العدد تقريباً؛ وذلك لأنه مع اكتساب الشخص لخبرات جديدة، تتقوى بعض الروابط بينما تزول أخرى، تعرف هذه العملية بتقليم المشابك العصبية.

3. تقوية المسارات العصبية الموجودة 

تطور المسارات العصبية التي تستخدم بكثرة روابط أقوى، بينما تموت تلك التي نادراً ما تستخدم أو لا تستخدم أبداً. ومن خلال تكوين روابط جديدة وتقليم الروابط الضعيفة، يستطيع الدماغ التكيف مع البيئة المتغيرة.

4. تكوين خلايا عصبية جديدة 

في بعض الحالات، قد تتشكل عصبونات جديدة في عملية تعرف باسم تكوين الخلايا العصبية، وعلى الرغم من شيوعها في الطفولة المبكرة، فإنها قد تستمر أيضاً في مرحلة البلوغ.

5. التعافي بعد الإصابة بالسكتات الدماغية 

أحياناً، إذا تضررت منطقة من الدماغ، يمكن لمناطق أخرى أن تتولى الوظائف التي كانت تسيطر عليها المنطقة المصابة، وفي بعض الأوقات يمكن لبعض الحالات الطبية أن تعوق المرونة العصبية، ومن بينها مجموعة متنوعة من الاضطرابات العصبية لدى الأطفال، مثل الصرع، والشلل الدماغي.

اقرأ أيضاً: 5 طرق فعالة لتزيد مرونة ذاكرتك وتحسن قدراتها

7 خطوات فعالة ستجعلك تتصف بالمرونة العصبية 

إن تعزيز المرونة العصبية هو ممارسة يومية تتطلب منك إنجاز بعض الخطوات الواعية التي تستهدف رفع قدراتك الذهنية، وتحسين ذاكرتك، وحماية المهارات الدماغية الأساسية من أجل عيش حياة مرضية، ومن أهم تلك الخطوات الواعية التي ذكرها الموقع الرسمي لكلية الطب بجامعة هارفارد: 

1. مارس التمارين الرياضية بانتظام 

لا تقتصر فوائد ممارسة التمارين الرياضية على تحسين الصحة النفسية والجسدية فحسب، بل لها أيضاً تأثير قوي على الدماغ؛ إذ ترتبط المرونة العصبية ارتباطاً وثيقاً بإنتاج عوامل التغذية العصبية، وهي مجموعة من البروتينات التي تؤدي دوراً حيوياً في نمو خلايا الدماغ ووظائفها، من بين عوامل التغذية العصبية الرئيسية المشاركة في المرونة العصبية، عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ. ويمكن القول إن ممارسة الرياضة بانتظام تحفز إفراز هذا العامل الذي يسهم إسهاماً كبيراً في تعزيز الذاكرة والتركيز والقدرة على التعلم.

2. تناول الطعام الصحي 

يؤدي النظام الغذائي المتوازن دوراً مهماً في الحفاظ على الوظائف الإدراكية، فعلى الرغم من أن الدماغ لا يشكل سوى 2% من وزن الجسم، فإنه يستهلك 20% من طاقة الجسم، ويرتبط النظام الغذائي الصحي ارتباطاً وثيقاً بانخفاض خطر التدهور المعرفي وتعزيز المرونة العصبية، ويركز هذا النظام على الفواكه والخضروات الورقية الخضراء والحبوب الكاملة والأسماك والبقوليات والمكسرات والدهون الصحية مثل زيت الزيتون.

وفي المقابل، ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون والسكريات المكررة بانخفاض عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ، كما أن تجنب الإفراط في تناول السكر والأطعمة المصنعة يساعد في الحفاظ على صفاء الذهن والوقاية من الالتهابات التي قد تسهم في ضعف صحة الدماغ.

3. احصل على قسط كاف من النوم 

يمكن للنوم أن يحسن مرونتك العصبية وذلك من خلال ترسيخ الذاكرة، حيث يؤدي النوم، وخاصة النوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة، دوراً بالغ الأهمية لترسيخ الذاكرة؛ فعندما تتعلم شيئاً جديداً، تخزن المعلومات مبدئياً في الحصين، وهي منطقة في الدماغ مرتبطة بالذاكرة القصيرة المدى. وفي أثناء النوم، تنقل هذه المعلومات تدريجياً إلى القشرة الدماغية للتخزين الطويل المدى، ما يحسن قدرتك على الاسترجاع والفهم، والبناء على ما تعلمته سابقاً.

بالإضافة إلى ذلك، ينشئ دماغك على مدار اليوم العديد من الروابط الجديدة، بعضها ضروري، بينما قد لا يخدم البعض الآخر غرضاً مهماً. وفي أثناء النوم، يجري الدماغ عملية "تقليم المشابك العصبية"، حيث يزيل الروابط غير الضرورية ويحسن الروابط الأساسية، ويتيح هذا التقليم مساحة للتعلم الجديد ويحافظ على توازن صحي في الترابط العصبي، وهو أمر حيوي لمرونة الدماغ العصبية.

4. تعلم شيئاً جديداً 

يعد تعلم المهارات واللغات الجديدة أمراً مهماً من أجل تقوية الروابط العصبية وتعزيز الاحتياطي المعرفي، وهي قدرة الدماغ على الاحتفاظ بوظائفه على الرغم من التقدم في السن أو الإصابة بالأمراض، حيث يتراكم هذا الاحتياطي بمرور الوقت من خلال التعليم، والخبرات المهنية، والأنشطة الذهنية المحفزة، ما يشكل درعاً واقياً ضد خطر التدهور المعرفي. ويقترح أستاذ علم الأعصاب في جامعة هارفارد، أندرو بودسون، الانخراط في بعض الأنشطة مثل اكتساب هواية جديدة، أو الالتحاق بدورة تعليمية للكبار.

5. انخرط في الأنشطة الثقافية والفنية 

جرب حضور الحفلات الموسيقية أو زيارة المتاحف أو المسرحيات؛ لأن هذه الأنشطة تحفز الدماغ وتشجع على التعلم العميق. علاوة على ذلك، استمتع بالموسيقا والحركة والعزف على آلة موسيقية أو الرقص، يمكنك أيضاً ممارسة بعض الأنشطة، مثل الرسم أو الطبخ، التي تسهم في تكوين روابط عصبية جديدة.

6. تواصل مع الآخرين 

العزلة الاجتماعية تسهم في تدهور القدرات العصبية، كما يمكن أن تجعلك تحس بالوحدة وترفع خطر الإصابة بالاكتئاب، وعلى الجانب الآخر فإن التواصل مع الآخرين، والنقاشات العميقة، والتعاطف أمور تتطلب عمليات معالجة معقدة في الدماغ تقوي الروابط العصبية معاً.

7. استمتع بحل ألعاب البازل والشطرنج 

سواء كنت تركب صورة برج إيفل المكونة من 1000 قطعة، أو تحاول مع أولادك تركيب 100 قطعة لتكوين ميكي ماوس، فإن حل أحجية الصور المقطوعة يعد طريقة ممتازة لتحسين مرونتك العصبية، وذلك لأن حل ألغاز الصور المقطوعة يفعل العديد من القدرات المعرفية، ويعد عاملاً وقائياً ضد تدهور القدرات الإدراكية مع التقدم في العمر، وخاصة أن حل تلك الألغاز يتطلب النظر إلى القطع المختلفة ومعرفة مكانها المناسب ضمن الصورة الأكبر، وقد تكون هذه طريقة رائعة لتنشيط عقلك وتدريبه.

وعلى الجانب الآخر، فإن الشطرنج ينمي ويقوي العديد من المهارات المعرفية، بما في ذلك التفكير النقدي، والاستدلال المنطقي، والتعرف على الأنماط، والإدراك المكاني. سواء كنت تحل ألغازاً تكتيكية أو تخطط لخطواتك الخمس التالية، فأنت تمرن عقلك تماماً كما لو كنت ترفع الأثقال في صالة الألعاب الرياضية.

اقرأ أيضاً: لعبة الملوك: ماهو تأثير الشطرنج في صحتك النفسية؟ وكيف تبدأ لعبها؟

المحتوى محمي