نعيش في خضم العصر الرقمي، حيث أضحى استخدام تشات جي بي تي جزءاً من الحياة اليومية، وفور أن يداهمنا أي سؤال تكون الإجابة على بعد نقرة واحدة، والحقيقة أن الاستعانة بتشات جي بي تي ليست أمراً سلبياً في المطلق، لكن الخطر يكمن في استخدامه بصفته عقلاً بديلاً جاهزاً للعمل بالنيابة عنا، ولذا نستشيره في كل صغيرة وكبيرة، بداية من تساؤلات الحياة المهنية ومروراً بكتابة الرسائل الشخصية، والاستشارات العاطفية. وهنا يثور التساؤل المهم؛ ماذا يحدث لعقلك ومهاراتك المعرفية عندما تتوقف عن استخدامها؟ وكيف يمكن أن يضعف تشات جي بي تي إمكاناتك العقلية؟ الإجابة عبر هذا المقال.
محتويات المقال
ما هو تأثير استخدام تشات جي بي تي في مهاراتك المعرفية؟
تسارعت وتيرة دمج الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية والبيئة التعليمية، وعلى الرغم من أن نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل تشات جي بي تي تبشر بآفاق واعدة لتطوير مجال التعلم، ما يسهل على الأشخاص الوصول إلى المعلومات أكثر من أي وقت مضى، فإن ثمة مخاطر مرتبطة بزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث إن الاعتماد المفرط على تشات جي بي تي يمكن أن يؤدي إلى انخفاض القدرات المعرفية.
وقد أكدت دراسة بحثية حديثة نشرتها مجلة نيتشر، في مايو/أيار 2025، أن تشات جي بي تي يحسن بصورة فعالة أداء الطلاب في التعلم، ويعزز فهم مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والفيزياء، لكنه على الجانب الآخر، يقلل على نحو ملحوظ قدرات الطلاب على الكتابة الإبداعية، كما نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دراسة بحثية حديثة في يونيو/حزيران 2025 أكد من خلالها أن استخدام تشات جي بي تي يقلل نشاط الدماغ والذاكرة والتعلم العميق، هذا إضافة إلى ضعف في موجات الإبداع والانتباه (ألفا وبيتا).
وأظهرت دراسة بحثية أخرى أجرتها جامعة أوغسبورغ الألمانية في 2024 أن الاستعانة بتشات جي بي تي في أثناء التعلم وأداء المهام التي ترتكز على المهارات المعرفية تسهل عملية البحث، وتقلل الحمل المعرفي، وهو الجهد الذهني اللازم لمعالجة المعلومات، لكن هذا الانخفاض في الجهد قد يضعف مهاراتك المعرفية، وذلك لأن تشات جي بي تي وإن كان يسهل عليك الوصول إلى الإجابات والمعلومات، فإنه يمنع عقلك من عملية المشاركة في تقييم المصادر ونقد الحجج، وتفنيد العناصر.
بالإضافة إلى ذلك فإن تشات جي بي تي يؤثر تأثيراً سلبياً في قدرتك على التفكير النقدي، والذي يعرف بأنه القدرة على تحليل المعلومات وتقييمها وتفنيدها جيداً لاتخاذ قرارات مدروسة، وهو مهارة معرفية أساسية ضرورية للنجاح الأكاديمي والتطور المهني، ويشمل التفكير النقدي عدة عمليات معرفية مختلفة تشمل حل المشكلات، واتخاذ القرارات، والتفكير التأملي، وهي عمليات ضرورية للتعامل في بيئات العمل والدراسة.
ويمكن القول إن الاعتماد المفرط على تشات جي بي تي يؤثر في قدرات التفكير النقدي، وذلك لأنه يؤدي إلى تفريغ ذهني، ويحدث هذا التفريغ بسبب أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقدم حلولاً سريعة ومعلومات جاهزة، ومع مرور الوقت يصبح الأشخاص الذين يعتمدون على تشات جي بي تي أكثر عرضة للتلاعب بالمعلومات المضللة، والتحيزات المعرفية، علاوة على ذلك، ثمة مخاوف من الآثار طويلة المدى؛ حيث يمكن أن تمتد التأثيرات السلبية لتشمل ضعف مهارات الاحتفاظ بالذاكرة، وذلك لأن توافر المعلومات في متناول يديك يقلل الحاجة إلى الاحتفاظ بها في الذاكرة الداخلية، بمعنى آخر، هناك تكلفة معرفية تتكبدها في أثناء استخدام تشات جي بي تي، وهذه التكلفة تتجسد في:
- انخفاض مهارات حل المشكلات.
- ضعف الذاكرة.
- قلة الانتباه.
- تراجع التفكير النقدي.
- زيادة الكسل المعرفي، والذي يحدث حين تختار أسهل الطرق أو أسرعها أو أكثرها شيوعاً للتفكير، حتى عندما يتطلب الموقف جهداً أو تحليلاً أعمق.
اقرأ أيضاً: كيف استخدم تشات جي بي تي في الدعم النفسي؟ ولماذا فشلت التجربة؟
لماذا يضعف تشات جي بي تي قدراتك ومهاراتك المعرفية؟
تشرح أستاذة علم الأعصاب الإدراكية في جامعة ستانفورد، إميلي هارتمان، أن الدماغ البشري يتطور بالتحدي والجهد، ولهذا عندما تعتمد بصورة مفرطة على بوتات الدردشة الذكية سواء من أجل التفكير، أو جمع المعلومات، أو حتى المحادثة البسيطة، فإنك تمنع دماغك من التدريب الذهني الضروري للمرونة المعرفية، ما يعني أن بوتات الدردشة الذكية مثل تشات جي بي تي تعد سلاحاً ذا حدين؛ فمن ناحية يمكنها تعزيز الإنتاجية، ولكن من ناحية أخرى قد يضعف الإفراط في استخدامها مهاراتك المعرفية.
على الجانب الآخر، فإن المهارات المعرفية، مثل حل المشكلات والتفكير النقدي، تتطور من خلال ارتكاب الأخطاء، ومن ثم، إذا قدم لك بوت الدردشة إجابات فورية ومتقنة، فإنك تفوت على نفسك عملية تطوير مهاراتك، ومع مرور الوقت سوف تحس بالسهولة والرضا الفكري عن إجابات تشات جي بي تي وبالتالي لن تضطر إلى بذل أي مجهود عقلي.
وتجدر الإشارة إلى أن الدماغ البشري يتمتع بمرونة عالية، وهو قادر على التكيف بناء على عاداتك وبيئتك، وهذه الظاهرة، المعروفة باسم اللدونة العصبية، تعني أن الاعتماد المتكرر على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعيد تشكيل المسارات العصبية داخل دماغك، ومع مرور الوقت، فإن مناطق الدماغ المسؤولة عن استرجاع الذاكرة والتفكير المنطقي تظهر نشاطاً أقل، ومن ثم قد تفقد القدرة على التعبير عن أفكارك، أو الكتابة بصورة إبداعية، أو التواصل بفعالية دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، وهنا ستصل إلى مرحلة من ضمور الإدراك، الذي يعني أن دماغك توقف عن تكوين مسارات عصبية جديدة، ويعد الضمور الإدراكي أكثر إثارة للقلق لدى جيل الشباب الذين نشؤوا بالفعل مع الذكاء الاصطناعي، وأصبحوا أكثر عرضة لاستخدامه على حساب الفهم العميق.
اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: الحديث مع تشات جي بي تي يزيد وحدتك وإليك كيفية تجنب ذلك
5 نصائح تساعدك على تعزيز مهاراتك المعرفية دون الاستغناء عن تشات جي بي تي
على الرغم من أن أدوات الذكاء الاصطناعي مثل تشات جي بي تي وجدت حتى تبقى، فإن عملية حماية قدراتك ومهاراتك المعرفية ما تزال ممكنة، وإليك أهم النصائح والإرشادات التي ستساعدك على تعزيز تلك المهارات:
1. استخدم تشات جي بي تي باعتباره أداة مساعدة فقط
حاول قدر الإمكان الحد من الاستخدام السلبي لبوتات الدردشة مثل تشات جي بي تي، واستعمله من أجل تكملة عملياتك الفكرية والمعرفية وليس استبدالها، وعلى الجانب الآخر، لا تلجأ إلى ذلك البوت في كل كبيرة وصغيرة، بل احرص على توفير مساحة في يومك خالية تماماً من التكنولوجيا. على سبيل المثال، اقرأ كتاباً ورقياً، أو اخرج من أجل المشي في الهواء الطلق، وابتعد عن هاتفك تماماً في أثناء تناول الطعام، وذكر نفسك دوماً بأن تشات جي بي تي أداة مساعدة وليس رفيقك الدائم خلال أوقات يومك.
2. طور مهارات تفكيرك النقدي
تعد القدرة على التفكير النقدي أمراً بالغ الأهمية وترتكز على فهم المعلومات المجمعة من الملاحظة أو التجربة أو التأمل أو الاستدلال أو التواصل، وتطبيقها وتحليلها وتقييمها بمهارة ونشاط؛ وحتى تطور هذه القدرة، وقبل أن تطلب المساعدة من تشات جي بي تي، فكر في أي مشكلة تواجهك، سواء في العمل أم الدراسة، ثم أنشئ خريطة ذهنية ودون مسارات الحل الممكنة جميعها، وارصد النتائج المحتملة واحدة تلو الأخرى لتحديد أيها قد يكون الأكثر فعالية.
3. أعط الأولوية للتفاعل البشري
وذلك لأن المحادثات مع الأشخاص الحقيقيين تعزز التعاطف والتفكير العميق، لهذا حين تواجه إحدى المشكلات في العمل، اشرحها للآخرين أولاً. على سبيل المثال، تحدث إلى أحد زملائك قبل التحدث إلى بوتات الدردشة، وحتى بعد انتهاء ساعات عملك، لا تخبر تشات جي بي تي بطريقة سير أمورك في العمل، ولكن عوضاً عن ذلك، ما رأيك لو تتحدث إلى صديق مقرب؟ جرب أن تخرج من أجل مقابلة صديقك بالخارج، وعانقه عند رؤيته، وصدقني سوف يعزز إفراز هرمون الإندروفين حالتك النفسية والمزاجية، وفي الوقت نفسه لن تتدهور مهاراتك المعرفية.
4. كن فضولياً
بدلاً من طلب الإجابات من أدوات الذكاء الاصطناعي، حاول استكشاف المواضيع بصورة مستقلة من أجل بناء المرونة العقلية، وعلى الجانب الآخر، شارك بانتظام في أنشطة محفزة للإدراك، مثل حل الكلمات المتقاطعة، والسودوكو، والشطرنج، وتعلم لغة جديدة أو آلة موسيقية، حيث تدعم هذه الأنشطة الوظائف الإدراكية وتحسنها، ما قد يقلل خطر التدهور المعرفي.
اقرأ أيضاً: ما الذي يمكنك فعله لمواجهة قلقك من استيلاء الذكاء الاصطناعي على وظيفتك؟
5. قلل وقت الشاشات
يعتقد مختص الإرشاد النفسي، طارق العصيمي، أن الإفراط في استخدام الهاتف، والتصفح المستمر لوسائل التواصل الاجتماعي يؤثر في أداء دماغك سلباً، ومن ثم، عليك أن تقلل وقت الشاشات، وإذا واجهت صعوبة في هذا الأمر، جرب التطبيقات التي تتتبع وقت الشاشة، وشجع نفسك على الابتعاد قليلاً عن الأضواء الزرقاء.