أكدت دراسة بحثية أجرتها جامعة ميسيسيبي (University of Mississippi) ونشرتها مجلة إدارة التسويق الصناعي (Industrial Marketing Management) في يناير/كانون الثاني 2025 أن التظاهر بعكس ما يجول بداخلك رغبة في تلبية متطلبات العمل يمكن أن يؤذيك نفسياً، وذلك لأنه يؤدي إلى الشعور بالإرهاق وعدم الرضا الوظيفي، إذ ينبغي عدم إجبار الموظفين على التظاهر بشعور مختلف عما يحسون به في الواقع، وإليك أهم تفاصيل الدراسة عبر هذا المقال.
محتويات المقال
دراسة حديثة: تظاهر العاملين بعكس ما بداخلهم يؤثر سلباً في صحتهم النفسية
كشفت الدراسة البحثية السابق ذكرها أن العمل العاطفي يؤثر بالسلب في الصحة النفسية، وقد ارتكزت هذه الدراسة على مندوبي المبيعات لأن العاملين في هذا المجال غالباً ما يواجهون الرفض، وعلى الرغم من ذلك يصبح لزاماً عليهم التظاهر بالرضا والابتسام من أجل تلبية متطلبات العمل، وقد أوضحت الدراسة أن أكثر من 70% من العاملين في المبيعات يعانون مشاكل في الصحة النفسية.
وحدد الباحثون المشاركون في الدراسة عاملين رئيسيين للإرهاق واضطرابات الصحة النفسية وهما: العمل العاطفي وظلم العملاء، أو عندما يُعامل العميل مندوب المبيعات معاملة سيئة.
وأوضح أستاذ التسويق بالجامعة اللبنانية الأميركية (Lebanese American University) والباحث المشارك في الدراسة، عمر عيتاني (Omar Itani)، أن إدارة المشاعر لتلبية متطلبات العمل يمكن أن تؤدي إلى الإرهاق وعدم الرضا الوظيفي، لذا يجب وجود ثقافات داعمة في مكان العمل، وينبغي عدم إجبار العاملين على تزييف مشاعرهم بل يُفترض تشجيعهم على الصدق، وذلك لأن التعاملات الصادقة تُعزز علاقات أفضل مع العملاء وتُسهم في نجاح المؤسسة على المدى الطويل.
ويعتقد أستاذ التسويق بجامعة ميسيسيبي، والباحث المشارك في الدراسة، كاش أفشار (Kash Afshar)، أن تعرض موظف المبيعات للإنهاك سوف يؤدي إلى احتراقه نفسياً، وعلى الجانب الآخر سوف تخسر الشركة أيضاً لأنه لن يجد ما يقدمه لها، ويضيف أفشار أن موارد الأشخاص محدودة، سواءً الموارد المعرفية أم الموارد العاطفية، ولهذا فإن تظاهر العاملين بعكس ما يشعرون به يستنزف الكثير من مواردهم العاطفية، ما يؤدي إلى عدم الرضا الوظيفي والإرهاق العاطفي.
اقرأ أيضاً: كيف تتغلب على شعورك بالإنهاك عاطفياً ونفسياً؟
ما هو العمل العاطفي (emotional labor)؟
صاغت عالمة الاجتماع، آرلي هوشيلد (Arlie Hochschild)، مفهوم العمل العاطفي عام 1983، وذلك من أجل وصف العملية التي يُتوقع خلالها من العاملين إدارة مشاعرهم وفقاً للقواعد والمبادئ التوجيهية التي تحددها المنظمة، وقد طبّقت هوشيلد هذا المفهوم على وظيفة مضيفات الطيران اللاتي غالباً ما يحتجن إلى إظهار الود والتفهم والحميمية، بغض النظر عن مشاعرهن الشخصية وذلك باعتباره جزءاً من عملهن، إذ تؤكد هوشيلد أن المؤسسات تستغل عواطف موظفيها من خلال مطالبتهم بإظهار مشاعرهم باعتباره جزءاً من واجباتهم الوظيفية، ما يجعل العمل العاطفي متطلباً وظيفياً رسمياً.
وفيما بعد توسّع مفهوم العمل العاطفي وأضحى يشمل الكثير من الجوانب، منها على سبيل المثال:
- الإصرار على أن يبتسم الموظفون دائماً للعملاء حتى في حال معاملتهم بوقاحة.
- منع الموظف من الرد عند معاملته بفظاظة أو على نحو غير لائق.
- معاقبة الموظف إذا تصرف بغضب بعد معاملته معاملة غير عادلة أو غير لائقة.
- الحفاظ على معنويات فريق العمل مرتفعة حتى إذا كانوا متوترين أو يعانون الإرهاق.
- ضرورة إظهار التعاطف للمرضى في مجال الرعاية الصحية، وتوقع احتياجات الآخرين والاستجابة لها.
- تحمل النساء أعباء الأمومة ورعاية الأطفال وإنجاز الأعمال المنزلية بمفردهن.
كيف يؤثر العمل العاطفي في صحتك النفسية؟
أوضحت عالمة الاجتماع، آرلي هوشيلد، أن العمل العاطفي يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالتنافر العاطفي (Emotional dissonance) الذي يحدث عند تزييف مشاعرك، حيث يصبح هناك عدم انسجام بين ما تظهره للآخرين وبين مشاعرك الداخلية، ما يعزز الإحساس بالإرهاق العاطفي، ومع مرور الوقت يسبب لك هذا التنافر العديد من المشكلات النفسية ويؤثر في هويتك ورؤيتك لنفسك.
وتشرح أستاذة علم النفس بكلية الطب بجامعة واشنطن (the UW School of Medicine)، دوين دارنيل (Doyanne Darnell)، أن العمل العاطفي يؤدي إلى عدة مشكلات مثل صعوبة النوم، واضطرابات في المعدة والأمعاء، وآلام مزمنة، وصداع، وتوتر عضلي، وارتفاع ضغط الدم، بالإضافة إلى زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب والقلق. ومع مرور الوقت، يمكن أن يُضعف ضغط العمل العاطفي جهاز المناعة لديك، ما يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، إضافة إلى أن تظاهرك المستمر بعكس ما بداخلك قد يُصعّب عليك الحضور والوجود مع عائلتك وأصدقائك.
اقرأ أيضاً: ما هو الاحتراق الوظيفي؟ وما هو الفرق بينه وبين الانتحار الوظيفي؟
5 نصائح تساعدك على تخفيف عبء العمل العاطفي وحماية صحتك النفسية
يمكن القول إن الجهد المتواصل الذي تبذله من أجل التظاهر بعكس ما بداخلك يستنزفك نفسياً وعاطفياً، وفي حال كان العمل العاطفي لا مفر منه وجزءاً لا يتجزأ من مهام عملك، حاول اتباع النصائح التالية:
1. مارس الوعي الذاتي
تواصل مع نفسك بانتظام لفهم مشاعرك وأسبابها، علاوة على ذلك، خصص بضع دقائق يومياً للتوقف والتأمل في مشاعرك، واسال نفسك؛ هل تشعر بالتوتر، أو الإرهاق، أو الاستنزاف؟ إذا كنت تحس بشعور معين، فحاول أن تعرف ما الذي تحتاج إليهه لتشعر بتحسن، ومع مرور الوقت، سوف تتعلم الانتباه لحالتك العاطفية وإدراكها، وسوف تتمكن من اتخاذ قرارات أكثر وعياً حول كيفية التعامل مع العمل العاطفي.
2. خذ فترات راحة واسترجع طاقتك كلما احتجت لذلك
غالباً ما يكون العمل العاطفي مُرهقاً ومُستهلكاً للوقت، لذا من المهم جداً أن تعرف متى تحتاج إلى استراحة، وسواءً كان ذلك بأخذ أنفاس عميقة، أم المشي، أم مجرد الجلوس بهدوء بضع دقائق، فإن هذه الاستراحات الصغيرة يُمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في تخفيف حدة التوتر والضغط، وفي أثناء العمل حاول أخذ فترات راحة قصيرة للتأمل الذهني على مدار اليوم، وفي المنزل ضع روتيناً يسمح لك بالاسترخاء.
اقرأ أيضاً: ما هي فترات الراحة العاطفية؟ وكيف تدمجها في يومك؟
3. ضع حدوداً واضحة مع نفسك ومع الآخرين
إذا بدأت تشعر بالإرهاق بسبب العمل العاطفي، فربما عليك أن تتعلم كيفية البدء بقول "لا" للآخرين، أحياناً قد يكون الأمر صعباً خاصة في بيئة العمل، ولكن ابدأ بخطوات صغيرة. ولتحسين قدرتك على قول "لا"، توصي أستاذة علم النفس، دوين دارنيل، بالتدرب؛ على سبيل المثال، اطلب من صديق أو زميل في العمل أن يتظاهر بأنه مشرفك، ثم تدرب على ما تخطط لقوله.
إذا كنت تخشى قول "لا" للآخرين في العمل، فقد يكون ذلك لأنك لا تحس بقيمتك، أو ربما كنت تشعر بأنك يجب أن تكون موظفاً جيداً قبل أن تراعي نفسك، وفي هذه الحالة، قد تحتاج إلى التعمق أكثر في مشاعرك من أجل موازنة احتياجاتك، وربما أنت تخاف قول "لا" لأنك تميل إلى التهويل وافتراض أسوأ سيناريو ممكن، إذ قد تظن أن طلب إجازة من العمل قد يؤدي إلى فصلك.
4. مارس اليقظة الذهنية
يؤكد المختص النفسي، عبد الله الأطرم، أن اليقظة الذهنية هي أن تعيش اللحظة وتعيد إيقاظ نفسك للحاضر، بدلاً من الخوض في الماضي أو توقع المستقبل، ويرى الأطرم أنها تعد أداة لتجنب النقد الذاتي وإدارة المشاعر الصعبة، ومن أهم تقنيات اليقظة الذهنية التي يمكن أن تساعدك: التأمل والتنفس العميق واسترخاء العضلات التدريجي. على سبيل المثال، إذا خضت نقاشاً صعباً مع مديرك في العمل وكنت تشعر بالتوتر الشديد، جرّب أخذ بضع دقائق من التنفس العميق لتهدئة نفسك، وحين تصل إلى منزلك، اقضِ بعض الوقت في التأمل للتخلص من التوتر وتصفية ذهنك.
5. اطلب الدعم عند الحاجة
الحقيقة هي أنك لست مضطراً لتحمل عبء العمل العاطفي وحدك، ولهذا تحدث إلى شريكة حياتك أو أصدقائك أو معالجك النفسي عن عملك العاطفي وكيف يؤثر فيك، وتذكر أن مجرد مشاركة مشاعرك يمكن أن تخفف العبء وتمنحك شعوراً بالراحة.
في النهاية، يوصي الباحث المشارك في الدراسة، عمر عيتاني، بضرورة توفير بيئة عمل داعمة تراعي تحسين الصحة النفسية للعاملين بها، وذلك عبر تعزيز الذكاء العاطفي وتدريب الموظفين على إدارة مشاعرهم بفعالية، علاوة على وجود علاقة منفتحة بين الموظفين والمدير بحيث يشعرون بالراحة في مشاركة المشاكل أو الضغوط لمساعدتهم على الشعور بالدعم والأمان، أما الباحث الآخر المشارك في الدراسة، كاش أفشار، فإنه ينصح الشخص الذي يعاني الإرهاق العاطفي بضرورة التأكد من توافق أهداف عمله مع أهدافه الخاصة، ما يعني أن هويته تتوافق مع أهداف وظيفته.