تخيل أنك تخرج إلى عملك كل صباح بعد نقاش حاد وضغط من الشريك، أو أنك تصحو على صوت أحد أفراد أسرتك يؤنبك مثل كل صباح على موقف ما، أو أن هناك من يذكرك دائماً بنقاط ضعفك مدعياً خوفه عليك؛ فتصل إلى عملك مثقلاً بضغط كبير وشعور مرهق، وتمر ساعات دون أن تستطيع التركيز على عملك، لتجد نفسك قد استهلكت طاقتك كلها في التفكير دون إنجاز العمل.
وعلى الرغم من أنك لا تعاني من مرض عضوي، فأنت تشعر بالتعب والوهن وكأنك غير قادر على فعل أي شي، وتتلاشى تدريجياً رغبتك بالنجاح وتفقد ثقتك بذاتك دون أن تستطيع التخلص من العلاقات التي تسمم حياتك؟ يغدو التساؤل الأساسي لديك: كيف سأتخلص من عبء هذه العلاقات؟ الإجابة ستجدها في هذا المقال.
محتويات المقال
ما هو تعريف العلاقات السامة؟
يشير مصطلح العلاقات السامة حسب موقع سايكولوجي تودي إلى أنماط سلبية في السلوك والتواصل تقوض رفاهية وسعادة أحد طرفي العلاقة أو كليهما، وغالباً ما تنطوي على التلاعب وعدم احترام الحدود والأذى النفسي أو العاطفي، ما يخلق بيئة مرهقة ومدمرة باستمرار.
ويطلق عادة على من يمارسون سلوكيات سامة في علاقاتهم اسم الأشخاص السامين، حيث تشير الدكتورة سميثا بهانداري، أستاذة الطب النفسي الشرعي في جامعة إيموري، إلى أن الشخص السام هو شخص قادر يسبب التوتر والضيق لك وللآخرين باستمرار إضافة إلى الألم النفسي والجسدي، يزعجك سلوكه ويولد مناخاً سلبياً في حياتك. وقد يكون الشخص ساماً بطبيعته، أو نتيجة تربيته أو تجاربه الحياتية، فيتصرف بطريقة تضر بالآخرين.
3 مؤشرات تؤكد أنك تعيش علاقة سامة
يؤكد الباحثون والمختصون في مجال علم النفس أن الكشف عن العلاقات السامة يحتاج وقتاً طويلاً قد يمتد لسنوات، خاصة إن كانت ضمن العلاقات الأشد قرباً منا، ولكن هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد وجود علاقة سامة في حياتنا، نوضحها ضمن ثلاث مؤشرات أساسية يندرج تحتها مسمى العلاقة السامة:
- 1. فقدان الأمان النفسي: يشير الطبيب النفسي في مستشفيات جامعة كليفلاند، باتريك رانلز، إلى أن الموقف الذي نعيشه يعتبر ساماً عندما يؤثر على أمانك النفسي، وهذا يعني أنك تخشى الحكم عليك أو الشعور بالخزي أو العار لارتكابك خطأ أو التعبير عن أفكارك.
ويضيف رانلز أنه عندما يتطلب الأمر التعامل باستمرار مع شخص إشكالي، لدرجة أنه يهدد أو يضعف أمانك النفسي، يمكنك وصفه بأنه شخص سام ووصف العلاقة بأنها سامة.
- استغلال التقارب العاطفي للسيطرة عليك وعزلك عن الآخرين: يستغل الشخص السام التقارب العاطفي بينكما ويدير سلوكه السام بأنانية مفرطة تحت مسمى الحب، فيحاول السيطرة عليك والتلاعب بك من خلال التحكم بأفعالك أو مشاعرك وقرارتك، وعزلك عن الآخرين بحجة الخوف عليك أو اتهام محيطك بأنه مسيء.
- زعزعة ثقتك بنفسك وانعدام الاحترام: حسب منصة شوان كلينك غروب المتخصصة في الصحة النفسية، يسعى الشخص السام دائماً إلى زعزعة ثقتك بنفسك من خلال تقليل احترامه لك وانتقادك والحط من قدرك باستمرار، ما يشعرك بانعدام تقدير الذات والنقص وعدم الكفاءة، وهذا يؤثر بدرجة كبيرة على سياق حياتك المهنية.
إضافة إلى ما سبق يمكننا أيضاً الإشارة إلى سلوكيات تظهر السلوك السام لدى الشخص، وتساعدنا على كشفه وفهم لعبته، أهمها:
- الأنانية المفرطة.
- قلة أو انعدام مراعاة مشاعر الآخرين واحتياجاتهم.
- انعدام التعاطف.
- التركيز المفرط على الذات وعدم تقدير الآخرين.
- تجاوز حدود الآخرين أو تجاهلها علناً.
- الحقد والرغبة بالإيذاء الجسدي والنفسي.
اقرأ أيضاً: إليك الحركات التي تفصح عن عدم ثقتك بنفسك
كيف تعرقل العلاقات السامة نجاحك المهني؟
للعلاقات السامة دور خطير في سياق حياتنا المهني قد يصل إلى حد الفشل في تحقيق الأهداف وفقدان العمل، إذ تعمق الشعور بتدني الذات لدى من يعيشها وتزيد إحساسه بالعجز عن المضي قدماً، فهي تسبب ما يلي:
1. فقدان الثقة بالنفس
تشير الاستشارية النفسية، شيرمان روبنسون، إلى أن الشخص الذي يعيش علاقة سامة يخسر ثقته بنفسه تدريجياً، حتى يصل لمرحلة يفقد فيها قدرته على إبداء الرأي أو تقديم مقترح مهما كان، وهذا بالطبع يؤثر بدرجة كبيرة في حياته المهنية، ويفقده القدرة على اتخاذ القرار، في حين أن فقدانه الثقة بنفسه يضعف قدرته على التخطيط خوفاً من الفشل، ويؤدي إلى تلاشي روح المغامرة والابتكار لديه.
2. عدم القدرة على الإنجاز
توضح الاستشارية الاجتماعية، الهنوف الحقيل، أن العلاقة السامة تؤثر في جودة العمل والإنجاز، إذ يقضي الشخص وقته كله محاولاً طرد الأفكار السلبية وتخفيف شعوره بالضغط كي يؤدي مسؤولياته في العمل على أكمل وجه، لكنه غالباً ما يصطدم بواقع أنه غير قادر على الإنجاز؛ فهو مشتت منشغل الذهن ومتوتر، وهذه عقبات كافية تمنعه من انجاز مسؤولياته.
3. الشعور المستمر بالتعب
تؤدي العلاقة السامة إلى شعور مستمر بالتعب، وتؤكد منصة تشارلي هيلث للصحة النفسية أن معاناة التوتر والقلق وتدني تقدير الذات تفقد الشخص الذي يعيش علاقة سامة شعوره بالاستقرار والأمان، ويؤدي تدمير الشخص السام له على نحو ممنهج إلى شعوره بالإجهاد المستمر، ما يؤثر سلباً على أدائه المهني ويؤدي إلى ارتكابه الأخطاء باستمرار.
اقرأ أيضاً: هل تشعر بالتعب دون مبرر واضح؟ قد تكون شخصيتك السبب
4. فقدان الرغبة بتطوير الذات
عندما تعيش علاقة سامة، تبدأ تدريجياً بالانسحاب وتطغى عليك مشاعر الاكتئاب التي تؤدي إلى فقدان الرغبة بالتطور، فتفضل البقاء في الظل وتتوقف عن التفكير بتطوير مسيرتك المهنية، ما يحد من إنجازاتك في المجالات المختلفة.
إذاً تؤثر العلاقات السامة تأثيراً كبيراً على الصحة النفسية، وتدفع من يعيشها في كثير من الأحيان إلى أنماط سلوك سلبية. وقد استعرضت دراسة أجرتها الجامعة المحمدية بجاكرتا عام 2025 أثر العلاقات السامة في الصحة النفسية لدى طلاب الجامعة، والمتمثلة في العزلة الاجتماعية والتوتر والقلق، وتقويض دوافع الإنجاز الأكاديمي وحتى الفشل الدراسي.
اقرأ أيضاً: من هو صديق العمر الحقيقي؟ وكيف يساعدك على التوازن النفسي؟
ماذا تفعل للتحرر من العلاقات السامة؟
إذا كنت تقضي الكثير من الوقت مع شخص سام ضمن محيطك الاجتماعي، وكان من الصعب التخلص من هذه العلاقة بشكل نهائي؛ خاصة عندما يكون الشخص السام أحد أفراد عائلتك، إليك أهم الإجراءات كي تستطيع التعافي من آثار هذه العلاقة، وكي تمضي قدماً في حياتك المهنية:
1. ارسم حدوداً واضحة في العلاقة
تؤكد المختصة النفسية، راشيل أستارتي، أن وضوح الحدود الشخصية خطوة أساسية لحماية الصحة النفسية والعاطفية، ويتطلب ذلك الصراحة في رفض السلوكيات المؤذية وعدم التسامح معها.
تأكيد هذه الحدود يساعد على منع الآخرين من تجاوزها أو استنزاف الطاقة العاطفية، ويمنحك شعوراً أكبر بالسيطرة والأمان. فعندما تصبح قادراً على وضع حدودك والدفاع عنها، تكون قد بدأت فعلياً في تقدير ذاتك والخروج من دائرة العلاقات السامة.
ويتضمن رسم الحدود أيضاً قضاء وقت أقل مع الشخص السام إن أمكن، والتقليل من اللقاءات أو الحد من التواصل المستمر، وأحياناً يكون قطع العلاقة تماماً هو الخيار الأمثل، خاصة عندما لا يرفض الشخص السام تغيير سلوكه ويستمر في إيذائك عاطفياً.
2. تذكر أن ما تراه ليس حباً ولا اهتماماً
لا تسمح لسلوك الشخص السام باستفزازك؛ فالحفاظ على الهدوء يمنع تصاعد التوتر ويساعدك على التحكم في الموقف والابتعاد عن هذه العلاقة السامة، خاصة أن الشخص السام قد يمارس الابتزاز العاطفي ويخلق لديك أزمة التزام حقيقية، وقد يستخدم معك ما يسميه مؤلف كتاب (فن اللامبالاة)، مارك مانسون، ظاهرة حساب النقاط؛ عندما يستمر بإلقاء اللوم والحكم عليك بسبب أخطاء الماضي ويتحول الأمر إلى ما يسمى بسجل العلاقة، ويفضي بالنهاية إلى حالة صراع مستمر.
3. تحدث إلى الطرف الآخر بوضوح
يسلط مركز أوكسفورد للعلاج السلوكي المعرفي الضوء على هذه النقطة، مبيناً أن أحد أهم الحلول للتعافي من العلاقات السامة قد يكون بالتحدث إلى الشخص السام، فقد لا يدرك أن أفعاله تسبب لك الأذى والألم.
لذلك حاول إجراء محادثة صادقة معه، لعله يدرك خطأه إن فهم مشاعرك وألمك ويرى حجم الأذى الذي سببه لك.
4. استعن بأساليب التكيف الصحي
في إحدى الدراسات الأكاديمية التي نشرت في المجلة الدولية للجسد والعقل والثقافة، أجريت مقابلات معمقة على ثلاثة مشاركين في مقتبل العمر تتراوح أعمارهم بين 19 و23 سنة مروا بتجارب علاقات سامة، تبين أنهم اعتمدوا على استراتيجيتين للتكيف في سبيل التعافي: الأولى هي التكيف المرتكز على المشاعر من خلال كتابة اليوميات والتأمل الذاتي، والثانية هي طلب الدعم الاجتماعي، الذي تضمن البوح للأصدقاء المقربين أو أفراد الأسرة الذين يعطون شعوراً بالأمان والطمأنينة.
5. اهتم بنفسك واطلب المساعدة من مختص
امنح صحتك النفسية الأولوية من خلال ممارسة الرياضة والهوايات وتقنيات الاسترخاء، وغيرها من الأنشطة التي تخفف التوتر وتحسن المزاج، ولكن إن لم تستطع تجاوز العلاقات السامة في حياتك بمفردك فعليك طلب المساعدة.
وتشير مختصة الصحة النفسية، كريستين فولر، إلى أن الكثير ممن نشؤوا ضمن بيئات سمية يجدون صعوبة في تقبل العلاقات العاطفية لأنهم لم يعتادوا عليها، وهذه من أصعب الحالات العلاجية؛ لأنهم ينجذبون إلى العلاقات السامة التي اعتادوا عليها ويعتبرونها غالباً طبيعية، ويصدقون ما قاله الشخص السام عنهم بأنهم قبيحون وبلا فائدة فيفشلون بحياتهم المهنية والاجتماعية.
هذه الحالات بحاجة للعلاج النفسي من خلال التركيز على العلاقات الإيجابية وحب الذات واحترام الحدود في العلاقات، إذ تصب في مصلحة من يعانون من علاقات سامة وتعيد إليهم توازنهم النفسي ورغبتهم بالنجاح.
اقرأ أيضاً: الشفط العاطفي: لماذا يعود الشخص المؤذي دائماً، وكيف تنجو منه؟