في غمرة انشغالنا اليومي بمطاردة النسخة الأفضل من أنفسنا، نقع غالباً في فخ عقلي غير مرئي؛ فنحن نقضي معظم وقتنا في رصد ثغراتنا، ومحاولة إصلاح ذواتنا، لكن، هل تعلم أن كل شخص يمتلك مجموعة من القدرات ونقاط القوة التي تشكل جوهر شخصيته وتحدد طريقه في الحياة؟ وهي ما يعرف باسم نقاط القوة الشخصية الأربع والعشرين.
ويمكن القول إن التعرف إلى هذه النقاط وفهمها يساعد على استغلال إمكانياتك على نحو أفضل، ومواجهة التحديات والصعاب التي تقابلك بكل ثقة؛ بمعنى آخر، معرفة نقاط قوتك هي الخطوة الأولى لتصبح نسخة أفضل من نفسك، وإليك عبر هذا المقال نقاط القوة الأربع والعشرين وكيف تستفيد منها.
محتويات المقال
ما هي نقاط القوة الشخصية الأربع والعشرون؟
وفقاً لما ذكرته منصة "فيري ويل مايند" المتخصصة في الصحة النفسية، طرح مفهوم نقاط القوة الشخصية أول مرة من قبل عالمي النفس مارتن سيليغمان وكريستوفر بيترسون خلال عام 2004، ويقصد به السمات النفسية الإيجابية الجوهرية التي تشكل جوهر شخصية الفرد وتنعكس في طريقة تفكيره، وشعوره، وتصرفاته اليومية.
جدير بالذكر أن تعزيز نقاط القوة الشخصية الإيجابية يساعد الأفراد على تحسين حياتهم ورفاههم النفسي، بالإضافة إلى مواجهة التحديات والصعوبات التي يواجهونها، وتنقسم نقاط القوة الشخصية الأربع والعشرون إلى 6 فئات من الفضائل: الحكمة، والشجاعة، والإنسانية، والعدل، والاعتدال، والسمو. وفيما يلي نظرة معمقة على تلك الفضائل:
1. الحكمة
يميل الأشخاص الذين يملكون درجات عالية من الحكمة إلى اكتساب المعرفة واستخدامها بطرق إبداعية ومفيدة، وتشمل السمات الشخصية الأساسية للحكمة ما يلي:
- الإبداع: التفكير في طرق جديدة لإنجاز الأمور.
- الفضول: الاهتمام بمجموعة واسعة من المواضيع.
- الانفتاح الذهني: دراسة الأمور من جوانبها كافة؛ والتفكير فيها بعمق.
- حب التعلم: إتقان مواضيع ومهارات ومجالات بحثية جديدة.
- المنظور: القدرة على تقديم المشورة الحكيمة للآخرين؛ والنظر إلى العالم بطريقة أكثر رحابة.
2. الشجاعة
يتمتع الأشخاص الذين يحصلون على درجات عالية في الشجاعة بسمات شخصية عاطفية تمكنهم من تحقيق أهدافهم على الرغم من أي معارضة يواجهونها، سواء كانت داخلية أم خارجية، وتشمل السمات الشخصية المرتبطة بالشجاعة ما يلي:
- الصدق: قول الحقيقة؛ والتحلي بالأصالة.
- البسالة: مواجهة التحديات والصعوبات والآلام، وعدم التراجع أمام التهديد.
- المثابرة: إتمام الأمور بمجرد البدء بها.
- الحماس: التعامل مع كل شيء في الحياة بنشاط وحماس.
اقرأ أيضاً: "من أنا؟": كيف تجيب نفسك عن هذا السؤال الصعب بدقة؟
3. الإنسانية
الأشخاص الذين يتصفون بالإنسانية يملكون مجموعة من نقاط القوة الشخصية التي تشمل الاهتمام بالآخرين ومصادقتهم، وهذه النقاط الأساسية هي:
- اللطف: فعل الخير وتقديم الخدمات.
- المحبة: تقدير العلاقات الوثيقة مع الآخرين.
- الذكاء الاجتماعي: إدراك دوافع الآخرين ومشاعرهم.
4. العدل
يميل الأشخاص الذين يتمتعون بقوة في العدل إلى امتلاك نقاط قوة شخصية تؤكد أهمية قيم المجتمع السليم، وأهم تلك النقاط:
- الإنصاف: معاملة الناس جميعهم على قدم المساواة.
- القيادة: تنظيم الأنشطة الجماعية وضمان تنفيذها.
- العمل الجماعي: العمل بفعالية مع الآخرين باعتبارهم مجموعة أو فريقاً.
5. الاعتدال
يمكن القول إن الاعتدال هو الفضيلة التي تعكس قدرة الفرد على ضبط النفس والحفاظ على التوازن النفسي والسلوكي، ومن يملك درجات عالية في الاعتدال غالباً ما يكون لديه نقاط قوة شخصية تساعده على التعامل مع مختلف مواقف الحياة، وكذلك مع الشخصيات المتنوعة، ومن أهم تلك النقاط:
- التسامح: مسامحة الآخرين الذين أساؤوا إليهم.
- التواضع: ترك النجاحات والإنجازات التي يحققونها تتحدث عن نفسها.
- الحكمة: تجنب فعل ما قد يندمون عليه، واتخاذ القرارات الصائبة.
- ضبط النفس: التحلي بالانضباط، والتحكم في الشهوات والعواطف.
6. التسامي
يشير مفهوم التسامي إلى قدرة الفرد على بناء معنى أعمق مع الحياة، وذلك من خلال تجاوز التركيز على الأنا أو الذات الضيقة، إذ يميل الأشخاص الذين يتمتعون بقدرة عالية على التسامي إلى بناء العلاقات التي تمنحهم معنى وهدفاً، ومن أهم القيم الشخصية المرتبطة بالتسامي:
- تقدير الجمال: ملاحظة الجمال والتميز في كل شيء وتقديرهما.
- الامتنان: الشعور بالشكر على النعم، وتخصيص وقت للتعبير عن الامتنان.
- الأمل: توقع الأفضل، والسعي نحو تحقيقه، والإيمان بإمكانية حدوث الخير.
- الفكاهة: إضحاك الآخرين وإسعادهم، والاستمتاع بالفكاهة.
- التدين: الإيمان الراسخ بهدف الوصول إلى معنى أسمى للحياة.
اقرأ أيضاً: كيف تمارس الامتنان لتحسين حياتك المهنية والعائلية؟
كيف يمكنك الاستفادة من نقاط القوة الشخصية الأربع والعشرين؟
إن معرفة نقاط قوتك الشخصية يمكن أن توفر لك منظوراً مختلفاً للأمور، فهي تساعدك على رؤية ما يميزك، وتمكنك أيضاً من تطوير نقاط قوتك من أجل تحسين أوضاعك، وحتى تستفيد من تلك النقاط، جرب النصائح التالية:
1. تعرف إلى نقاط قوتك الشخصية
لا يملك الأشخاص نقاط القوة الشخصية كلها بالمعدل نفسه؛ فلكل منا ما يسمى بـ "القوى الجوهرية"؛ وهي نقاط قوتك التي تشكل هويتك الحقيقية، وعندما تتعرف إلى نقاط قوتك سوف تشعر بأنك لا تبذل مجهوداً، بل تشعر بالتدفق والحيوية، وكأنك في "بيئتك الطبيعية" تماماً، ويمكن القول إن التركيز على هذه النقاط هو أقصر طريق للتميز، وذلك عوضاً عن استنزاف طاقتك في محاولة إصلاح نقاط ضعفك.
وتوضح المختصة النفسية، كاثرين مور، عبر منصة "علم النفس الإيجابي" أنك تستطيع معرفة نقاط قوتك من خلال استبيان نقاط قوة الشخصية "ڤيا" الذي يعد أداة معتمدة تساعدك على اكتشاف نقاط قوتك، بما في ذلك تلك التي تميل إلى استخدامها والاعتماد عليها أكثر من غيرها.
و يحتوي هذا الاستبيان على 240 سؤالاً، 10 أسئلة لكل سمة من السمات الـ 24 المحددة، ويتراوح المقياس من 1 إلى 5، حيث يمثل 1 "لا يشبهني إطلاقاً"، بينما يمثل 5 "يشبهني تماماً"، ما يشير إلى ارتباط قوي بالعامل المحدد. على سبيل المثال، يحتوي الاستبيان على سؤال "أعامل الناس دائماً بإنصاف، سواء أحببتهم أم لا" هذا السؤال يعكس قيمة العدل.
2. استخدم إحدى نقاط قوتك الشخصية يومياً
دعني أخبرك أن استخدام قوة واحدة بطرق مختلفة وجديدة يكسر الملل ويخلق مسارات عصبية جديدة في الدماغ، لذلك اختر واحدة من قواك الخمس الأولى، واجعلها عدستك التي ترى بها العالم طوال اليوم، مع تغيير طريقة تطبيقها في كل مرة.
على سبيل المثال، إذا اكتشفت أن الفضول أحد نقاط شخصيتك، مارسه في اليوم الأول عبر طرح أسئلة عميقة على زميلك الجديد في العمل لتفهم خلفيته المهنية، وفي اليوم الثاني، وجه فضولك نحو طبخة جديدة لم تجربها من قبل، وفي الثالث، اقرأ مقالاً في تخصص بعيد تماماً عن مجالك حتى تكتشف كيف يفكر الآخرون.
3. جرب مبدأ تكامل القوى
التركيز على نقاط قوتك الشخصية لا يعني تجاهل نقاط الضعف، بل يعني الالتفاف عليها باستخدام نقاط القوة، ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية تعتمد على سد الثغرات الشخصية من خلال نقاط قوتك المرتفعة، بحيث لا تعود نقاط الضعف عائقاً أمام تقدمك. على سبيل المثال، إذا كنت تعاني ضعفاً في المهارات القيادية الصارمة ولكنك تملك درجة عالية من اللطف والذكاء الاجتماعي، فلا تحاول تقمص دور القائد المتسلط، بدلاً من ذلك، احرص على قيادة فريقك عبر بناء الروابط والاهتمام الصادق بمشاكلهم.
اقرأ أيضاً: هل أنت ذكي عاطفياً؟ 15 صفة تجيبك
4. عبر عن امتنانك
الامتنان ليس مجرد كلمة شكر، بل هو تمرين عقلي يعيد تدريب دماغك على رصد الفرص والإيجابيات ونقاط القوة بدلاً من التركيز على السلبيات ونقاط الضعف، لهذا اكتب 3 أشياء تشعر بالامتنان تجاهها يومياً حتى تخرج من دائرة الاعتياد التي تقتل الاستمتاع بالحياة، وحاول أن تمارس الامتنان على نحو تفصيلي ومحدد.
على سبيل المثال، بدلاً من كتابة "أنا ممتن لعملي"، كن أكثر تحديداً واكتب "أنا ممتن اليوم لزميلي الذي أحضر لي قهوتي دون أن أطلب، وللشمس التي أضاءت مكتبي في الصباح، ولأنني استطعت إنهاء تقرير معقد قبل موعده"، وهذا التحديد يربط مشاعرك بالواقع الملموس.
وفي هذا السياق، يشرح الطبيب النفسي، إبراهيم حمدي، أن ممارسة الامتنان ليست مجرد شعور إيجابي، لكنها علاج نفسي حقيقي، وذلك لأنها تقلل أعراض الاكتئاب والقلق، وترفع مستوى هرمون السعادة السيروتونين، وتحسن جودة النوم والمناعة.
5. فعل نقاط قوتك الشخصية في مكان العمل
بدلاً من الانشغال بإصلاح نقاط ضعفك التي تبرزها التقييمات الدورية، ثمة نهج أكثر فاعلية وهو فن إعادة رسم حدود مسؤولياتك لتتناسب مع مواهبك الفطرية؛ فبدلاً من أن يكون العمل عبئاً تحاول النجاة منه، يصبح مساحة تستثمر فيها قواك الكامنة.
على سبيل المثال، إذا كان حب التعلم هو محركك الأساسي، وإحدى أبرز نقاط قوتك الشخصية، في حين أن عملك يتسم بالتكرار؛ لا تنتظر التغيير بل اصنعه، اعرض على مديرك أن تؤدي مهامك من خلال أحدث تقنيات المجال، أو تطوع لتدريب الزملاء على مهارات جديدة؛ هنا، أنت لم تغادر وظيفتك، بل طوعت واقعك ليصبح انعكاساً لقوتك الشخصية.