تخيل أنك تستيقظ في الصباح، وقبل أن تفتح عينيك تماماً أو تصحو وتدرك تفاصيل غرفتك، تمتد يدك تلقائياً نحو الهاتف؛ وبلمسة واحدة، تنغمس في سيل من التنبيهات والصور والأخبار؛ تمر ساعة كاملة دون أن تشعر، لتجد نفسك قد استهلكت طاقتك الصباحية في ملاحقة حياة الآخرين. وعلى الرغم من أن السوشال ميديا أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة، فإن استخدامها على نحو مفرط يؤثر تأثيراً سلبياً في صحتك النفسية، ولكن كيف تعرف إن كنت مدمناً على السوشال ميديا أم مجرد مستخدم عادي؟ الإجابة ستجدها في هذا المقال.
محتويات المقال
ما هو إدمان السوشال ميديا؟
يمكن تعريف إدمان السوشال ميديا بأنه إدمان سلوكي يتسم بالانشغال المفرط بوسائل التواصل الاجتماعي، مدفوعاً برغبة جامحة لا يمكن السيطرة عليها لتسجيل الدخول أو استخدام تلك المواقع، وتكريس الكثير من الوقت والجهد لها لدرجة تصبح معها مؤثرة سلباً في جوانب الحياة المهمة الأخرى، مثل العمل والدراسة والعلاقات الاجتماعية.
ويوضح الموقع الرسمي لكلية الطب بجامعة ستانفورد أن تصفح مواقع السوشال ميديا يؤدي إلى إفراز هرمون الدوبامين الذي يعزز الشعور بالمتعة والسعادة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان مفطور على التواصل مع الآخرين، إذ حافظت هذه العادة على حياته ملايين السنين في عالم يعاني الندرة والخطر الدائم؛ فالتنقل في جماعات كان يحمي أسلافنا من الحيوانات المفترسة، ويحسن استخدام الموارد الشحيحة، ويسهل تكوين الروابط الاجتماعية، وفي حالة التواصل يفرز الدماغ الدوبامين، ما يحفز على تكرار محاولات التواصل.
وعلى الرغم من أن إدمان السوشال ميديا غير معترف به رسمياً في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، فإن تطبيقات السوشال ميديا حولت التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه المخدر، ما يجعلك عرضة للإفراط القهري في استخدامه. ويمكن لهذه التطبيقات أن تسبب إفراز كميات كبيرة من الدوبامين في مراكز المكافأة في الدماغ دفعة واحدة، تماماً كما يفعل الهيروين أو الميثامفيتامين أو الكحول، ويحدث ذلك من خلال تضخيم المشاعر الإيجابية التي تجذب البشر بعضهم إلى بعض.
10 علامات تخبرك أنك مدمن على السوشال ميديا
تؤكد منصة أوبن أب المتخصصة في دعم الصحة النفسية أن هناك العديد من العلامات التحذيرية التي تخبرك أنك مدمن على تطبيقات السوشال ميديا. ومن أهم تلك العلامات:
- فقدان الإحساس بالوقت في أثناء التصفح.
- استخدام مواقع السوشال ميديا للهروب من المشاعر السلبية.
- التفقد القهري لمنصات التواصل الاجتماعي في الأوقات غير المناسبة، مثل اجتماعات العمل المهمة أو في أثناء قيادة السيارة.
- التوتر والشعور بالانزعاج والقلق، أو الضيق عند عدم القدرة على الوصول لحساباتك.
- الكذب بشأن استخدامك للإنترنت أو الذهاب إلى غرفة أخرى أو الخروج إلى مكان منعزل لتتمكن من الوصول إلى مواقع السوشال ميديا.
- إهمال دراستك أو عملك أو علاقاتك الاجتماعية الحقيقية بسبب قضاء معظم الوقت في التصفح.
- فقدان الاهتمام بالهويات أو الشغف بحثاً عن الإشباع الفوري القادم من السوشال ميديا.
- التفكير في مواقع السوشال ميديا حتى عندما لا تستخدمها.
- تفاقم الأعراض الجسدية مثل اضطرابات النوم الناتجة عن التعرض للضوء الأزرق قبل النوم وآلام الرقبة وجفاف العين.
- الفشل في الحد من الاستخدام على الرغم من المحاولات المتكررة.
اقرأ أيضاً: نصائح لتقليص الوقت الذي تقضيه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي
ما هو تأثير إدمان السوشال ميديا في صحتك النفسية؟
بينما تتصفح هاتفك باستمرار، تدفع صحتك النفسية ضريبة باهظة جراء إدمان السوشال ميديا، حيث يشير موقع "هيلب جايد" المتخصص في التوعية بالصحة النفسية إلى مفارقة بالغة الأهمية؛ فعلى الرغم من أن مواقع السوشال ميديا صممت خصيصاً من أجل التواصل الاجتماعي، فإنها تعمق الشعور بالوحدة والعزلة، إضافة إلى أنها تسبب ما يلي:
1. الشعور بفقدان الثقة بالنفس
أحد أخطر آثار إدمان السوشال ميديا هو مقارنة حياتك مع الآخرين، إذ تقع أحياناً في فخ مقارنة حياتك المليئة بالتحديات والصعاب مع أفضل لحظات الآخرين المنتقاة بعناية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الشعور بالنقص تجاه حياتك أو مظهرك. وحتى لو كنت تعلم أن الصور التي تراها على مواقع التواصل الاجتماعي معدلة، فقد تشعرك بعدم الثقة بمظهرك أو بما يحدث في حياتك. على سبيل المثال، عندما تتصفح صوراً لصديقك من عطلته على الشاطئ أو تقرأ عن ترقيته الجديدة في العمل، قد يثير ذلك مشاعر الحسد وعدم الرضا والحزن.
2. تفاقم مشاعر القلق والاكتئاب
يحتاج الإنسان إلى التواصل المباشر وجهاً لوجه ليتمتع بصحة نفسية جيدة، إذ إن التواصل البشري المباشر مع شخص يهتم لأمرك يؤدي إلى تخفيف مشاعر القلق والتوتر ويحسن الحالة المزاجية، لكن كلما أعطيت الأولوية للتفاعل عبر السوشال ميديا على حساب العلاقات الشخصية، زاد خطر إصابتك بالاضطرابات المزاجية مثل القلق والاكتئاب أو تفاقم أعراضهما.
3. الإصابة بمتلازمة فومو
تعمل هذه المتلازمة باعتبارها وقوداً للقلق المستمر؛ حيث تجعلك تشعر بأن الآخرين يستمتعون بوقتهم أكثر منك، أو أن هناك معلومات مهمة تفوتك إذا لم تظل متصلاً بالسوشال ميديا طوال الوقت، لهذا تتفقد هاتفك طوال الوقت للاطلاع على آخر التحديثات، أو الاستجابة بصورة قهرية لكل تنبيه، حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة في أثناء القيادة، أو التضحية بنومك ليلاً؛ وهذا يضع الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى دائمة، ما يؤدي إلى الإجهاد المزمن.
4. التدمير الممنهج لجودة النوم والتركيز
يمتد تأثير السوشال ميديا إلى الجانب الجسدي؛ حيث إن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يمنع إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن دورة النوم، كما أن التصفح القهري للهاتف قبل الذهاب إلى النوم يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالأرق.
علاوة على ذلك، فإن استهلاك مقاطع الفيديو القصيرة أو الريلز الموجودة على تطبيق فيسبوك أو إنستغرام أو حتى منصة تيك توك تضعف عضلة التركيز والانتباه في ظاهرة معروفة باسم "تعفن الدماغ"، ما يجعل إنجاز المهام العميقة في العمل أو الدراسة أمراً مرهقاً ومستحيلاً.
اقرأ أيضاً: ما الأسباب الخفية لإصابتك بالفومو؟
كيف تعرف إن كنت مدمناً على السوشال ميديا أو مجرد مستخدم؟
كشفت دراسة بحثية حديثة نشرتها مجلة نيتشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن أن أغلب مستخدمي السوشال ميديا، وتحديداً منصة إنستغرام، يبالغون في وصف أنفسهم بأنهم مدمنون، بينما الحقيقة أن استخدامهم المتكرر هو عادة وليس إدماناً، وقد تابعت الدراسة أكثر من 1200 مستخدم، وتوصلت إلى نتيجة صادمة؛ وهي أن 2% فقط من المشاركين في البحث كانوا في حالة إدمان سلوكي للسوشال ميديا، أما باقي المستخدمين فإنهم يفتحون تلك المنصات على سبيل العادة المتكررة وليس الإدمان. وفرقت الدراسة بطريقة جوهرية بين أن تكون مدمناً على السوشال ميديا أو مجرد مستخدم عادي؛ والفرق ليس في كثرة الاستخدام بل في فكرة فقدان السيطرة، ودعني أشرح لك الفرق بالتفصيل:
- العادة هي سلوك تلقائي نقوم به نتيجة تكرار معين، مثل تصفح الهاتف عند الشعور بالملل، وفي هذه الحالة يمكنك ترك الهاتف والتوقف عن التصفح إذا وجدت محفزاً أقوى مثل كتاب تحبه على سبيل المثال، أو إذا قررت بوعي أن تترك الهاتف جانباً وتنخرط في عملك، المهم أن هذا القرار لا يسبب لك ضيقاً شديداً أو تحس بالفقد أو التوتر.
- السلوك الإدماني يرتكز على فكرة فقدان السيطرة؛ أنت في هذه الحالة، لا تختار فتح منصات السوشال ميديا، بل تحس برغبة قهرية في استخدامها، ما يعني أن الفرق الجوهري يكمن في الرغبة الملحة والآثار الانسحابية النفسية. على سبيل المثال، إذا كان استخدامك للسوشال ميديا يؤثر في قدرتك على النوم، أو يجعلك تهمل مسؤولياتك المهنية، أو يسبب لك قلقاً حاداً عند انقطاع الإنترنت؛ فأنت هنا تجاوزت مرحلة العادة إلى الإدمان.
6 خطوات فعالة تساعدك على التعافي من إدمان السوشال ميديا واستخدامها بأمان
إذا كنت تقضي الكثير من الوقت في تصفح مواقع السوشال ميديا، حاول الاستعانة بهذه الخطوات الفعالة:
1. لا تتصفح هاتفك لمجرد تمضية الوقت
جميعنا مررنا بهذه التجربة؛ ندخل إلى مواقع السوشال ميديا بلا هدف واضح، أحياناً ندخل حتى نعرف عدد الإعجابات، أو للتأكد من عدم تفويت أي شيء، ثم نغرق في دوامة من التصفح العشوائي، نقضي ساعات طويلة نتصفح بلا هدف، وغالباً ما نشاهد محتوى مزعجاً أو مثيراً للقلق. بدلاً من ذلك، ما رأيك لو وضعت هدفاً لدخولك إلى السوشال ميديا؟ سواء كان التواصل مع صديق، أم مشاركة صورة جديدة، أم البحث عن بعض الترفيه والتسلية؛ ويمكنك وضع تذكير حتى لا تغرق بالداخل.
2. تذكر أن ما تراه ليس الواقع
كما ذكرت آنفاً، من أهم التأثيرات السلبية للسوشال ميديا المقارنة مع الآخرين ومن ثم فقدان الثقة بالنفس. لذلك، في المرة القادمة التي تفتح فيها منصات السوشال ميديا تذكر أن ما تراه ليس الواقع؛ لا توجد حياة مثالية كما تبدو على هذه المواقع، جميعنا نمر بأوقات عصيبة، وشكوك في الذات، وخيبات أمل، حتى لو اخترنا عدم مشاركتها على الإنترنت. ما تراه هو ما يريدك الآخرون أن تراه.
3. عطل الإشعارات
غالباً ما تبدأ العادات والسلوكيات الإدمانية بمحفز؛ ففي حالة مواقع السوشال ميديا، تعمل الإشعارات بصفتها محفزات. فهي تذكرك بتفقد هاتفك لمشاهدة ذلك الفيديو اللطيف أو لمعرفة ما يفعله الآخرون، وهذه المحفزات أحياناً تخلق حالة من الرغبة الملحة، لذا تخلص من هذه المحفزات لتمنح عقلك بعض الراحة عن طريق تعطيل إشعارات تطبيقات السوشال ميديا جميعها على هاتفك، ويمكنك فعل ذلك من خلال الوصول إلى أذونات التطبيقات في هاتفك.
4. جرب الصيام الرقمي
كما تريح معدتك أحياناً بالصيام أو اتباع حمية غذائية أو تقليل الطعام، افعل الشيء نفسه لعقلك، وذلك من خلال تخصيص ما لا يقل عن ٦ إلى ١٢ ساعة أسبوعياً بعيداً عن الشاشات. على سبيل المثال، ضع الكمبيوتر المحمول والهاتف جانباً، وانشغل بأنشطة لا تتطلب التحديق في الشاشات؛ مثل القراءة، أو الألعاب، أو قضاء وقت فعال مع العائلة. وفي هذا السياق، يوضح استشاري الطب النفسي، عبد الله بن سلطان العبيسي، أن الصيام الرقمي يخفض مستويات القلق والاكتئاب، وينصحك بأن تبدأ بساعة واحدة في اليوم بعيداً عن الهاتف.
5. ضع لنفسك أهدافاً بديلة
غالباً ما يبدأ سلوك الإدمان من أجل سد فجوة داخلية، هذه الفجوة قد تكون مشاعر الملل أو الحزن، والحل هنا ليس في الهروب من تلك المشاعر، لكن في مواجهتها والتعامل معها. وعلى الجانب الآخر، إذا كنت تتصفح هاتفك باستمرار في حال الشعور بالفراغ فهذا يعني أنك لا تملك أنشطة أخرى، لهذا ابدأ بالتفكير في وضع أهداف بديلة؛ مثل تعلم لغة جديدة، أو تنمية هوايتك أو ممارسة الرياضة، أو حتى الخروج من أجل مقابلة أصدقائك.
6. اطلب المساعدة
إذا واجهت صعوبة بالغة في الابتعاد عن السوشال ميديا، واستمرت رغبتك القهرية في فتح تلك المنصات ما سبب لك خسائر نفسية وجسدية شملت تدني الإنتاجية واضطرابات النوم؛ ففي هذه الحالة اطلب المساعدة سواء من أصدقائك المقربين أم من الطبيب النفسي المتخصص الذي سيساعدك على تحديد المحفزات التي تدفعك للهرب نحو العالم الافتراضي ومعالجتها من جذورها.
اقرأ أيضاً: الصورة ليست كما تبدو في الشاشة: معاناة المؤثرين على السوشال ميديا نفسياً؟